أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، وفضاءً واسعًا لتبادل الآراء والأفكار والتجارب. ومع اتساع هذا الفضاء الرقمي، برزت أنماط مختلفة من التفاعل، من بينها التعليقات المسيئة التي تثير الكثير من التساؤلات حول دوافع أصحابها وأسباب انتشارها في بعض النقاشات والمنشورات...

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، وفضاءً واسعًا لتبادل الآراء والأفكار والتجارب. ومع اتساع هذا الفضاء الرقمي، برزت أنماط مختلفة من التفاعل، من بينها التعليقات المسيئة التي تثير الكثير من التساؤلات حول دوافع أصحابها وأسباب انتشارها في بعض النقاشات والمنشورات.

وتتزايد أهمية فهم هذه الظاهرة مع ما تتركه من آثار على جودة الحوار والعلاقات بين المستخدمين، خاصة عندما تختلف طريقة التعبير عبر الشاشات عن أسلوب التواصل في اللقاءات المباشرة. ومن هذا المنطلق، أجرت (شبكة النبأ) استطلاعًا للرأي تحت عنوان: «ما الذي يدفع بعض الأشخاص إلى كتابة تعليقات مسيئة على وسائل التواصل الاجتماعي رغم أنهم قد لا يتحدثون بالطريقة نفسها وجهاً لوجه؟»، واستطلعت آراء عدد من الإعلاميين والأكاديميين والمهتمين بالشأن الاجتماعي، فكانت هذه الآراء.

حين يتحول التعليق إلى إساءة

يرى محمد أحمد الطائي، مراسل صحيفة صباح كربلاء: أن بعض الأشخاص يكتبون تعليقات مسيئة على وسائل التواصل الاجتماعي لأنهم يشعرون بقدر من الخفاء وضعف المساءلة، كما أن غياب المواجهة المباشرة يقلل إحساسهم بمشاعر الطرف الآخر وتأثير الكلمات عليه. وفي أحيان كثيرة تتحول التعليقات إلى وسيلة للتنفيس عن الغضب أو الإحباط، بينما يسعى آخرون إلى جذب الانتباه وإثارة الجدل للحصول على تفاعل أكبر. كذلك يلعب تأثير البيئة الرقمية دوراً واضحاً، فعندما تنتشر التعليقات المسيئة في المنصات يعتاد البعض هذا الأسلوب ويعتبره أمراً طبيعياً في النقاش.

خلف الشاشة تظهر الحقيقة

تعتقد زينب بحر، المدير التنفيذي لشركة سريع الوشق: أن التواصل من خلف الشاشة يمنحهم شعوراً بالأمان والحرية بعيداً عن المواجهة المباشرة. فعندما تغيب الرقابة الاجتماعية والخجل والخوف من ردّة فعل الطرف المقابل، يبقى الإنسان وحده أمام أخلاقه ومبادئه الحقيقية.

برأيي، القيم والتربية هما ما يتحكمان بسلوك الإنسان في هذه اللحظات، لأن الأخلاق الحقيقية تظهر حين يكون الشخص حراً في تصرفاته دون خوف من المحاسبة أو نظرة الآخرين. لذلك، تكشف وسائل التواصل أحياناً حقيقة الإنسان أكثر مما تكشفه المجاملات والعلاقات المباشرة.

التفاعل على حساب الأخلاق

يوضح محمد رحيم، صانع محتوى رقمي: بالفترة الأخيرة لاحظت أن بعض الأشخاص يكتبون تعليقات سلبية بهدف جذب التفاعل والحصول على أكبر عدد من الإعجابات والردود، حتى لو كان الكلام مستفزاً أو جارحاً. كما أن الشعور بالخفاء خلف شاشة الهاتف يمنح البعض جرأة أكبر، فيشعر أن هويته محمية وبعيد عن المواجهة المباشرة، لذلك قد يكتب كلمات أو آراء لا يستطيع قولها وجهاً لوجه. ومع الوقت أصبحت بعض المنصات تكافئ التعليق المثير للجدل أكثر من التعليق الهادئ، وهذا ساهم بتغيير أسلوب التعبير والسلوك عند الكثير من الناس.

وجوه افتراضية وكلمات جارحة

يشير علي عبد الإمام مجيد، مدير إعلام كلية الهندسة في جامعة البصرة: بعض الأشخاص عندما يمسكون الهاتف يصبحون أكثر جرأة، خصوصاً إذا كان حسابهم وهمياً، بسبب أن الشخص الذي يعلّقون عليه لا يعرفهم، فيتمادون بالكلام. وهناك جانب آخر، وهو أنهم لا يرون الشخص الذي يسيئون إليه، فلو كان أمامهم وجهاً لوجه لشعروا بالخوف أو الخجل منه. وأحياناً يشاهدون كثيرين يكتبون تعليقات سلبية على شخص معيّن، فيقولون: أنا مثلهم، وكما يُقال: «حشر مع القوم عيد».

التعليقات والفراغ النفسي

تؤكد لقاء جاسم إبراهيم الجواري، معلمة في روضة: السلام الداخلي هو روح التفاهم والتعاون ونشر الوعي بين الناس، ومن وجهة نظري الشخصية أرى أن هذا السلوك يُعد مرضًا نفسيًا وشكلًا من أشكال التسلط، لأن الشخص الواعي لا يتحدث عن منشور لا يعرف حقيقته. ربما تكون المواجهة أفضل من إبداء الرأي عبر التعليقات، إذ يتوازن التعبير بالوجه والمنطق. أحيانًا يكون صاحب المنشور في حالة نفسية صعبة ويحتاج إلى الدعم، أو إلى كلمة تشجيع، وربما يعجز عن التعبير عن نفسه ويحتاج إلى نصيحة. يعتبر البعض النشر متنفسًا لهم، لذا فهم بحاجة إلى الدعم أو الدعاء. اترك أثرًا إيجابيًا يبقى في الذاكرة لسنوات طويلة، فالناجح يرتقي بجهوده، بينما الفاشل يلقي باللوم على الآخرين في فشله.

مواجهة مختلفة 

يبيّن حسن صبحي فاضل، متخصص في تدريس علوم القرآن الكريم: لأسباب كثيرة، أغلبها نفسية، منها التعبير الغاضب عن رفض فكرتك أو أسلوبك في الطرح، أو حتى توقيت الطرح غير المناسب بالنسبة لهم. كما يدخل جانب عدم تقبل الحوار عند انتقاد شخصية معينة. أما سبب تغيّر لهجة المنتقد عند المواجهة الواقعية، فيعود إلى التناقض النفسي والشخصي لديه، إضافة إلى شعوره بالخجل أو الندم أحيانًا.

وجهان لشخصية واحدة

ترى ندى صباح العرسان، طالبة دراسات العليا في كلية الزراعة ـ جامعة كربلاء: إن هذا التصرف يعود إلى ضعف الشخصية أو قلة الوعي. كما أن بعض الأشخاص لديهم تخوف من ردات فعل الطرف المقابل، لذلك قد يتغيّر أسلوبهم في الكلام عند المواجهة المباشرة. إضافة إلى ذلك، يرى البعض أن الانتقاد السلبي في منصات التواصل الاجتماعي يعدّ أحد أساليب لفت الانتباه أو تحقيق الشهرة.

عدوان افتراضي

تلفت آيات اللامي، خريجة وروائية: في الآونة الأخيرة، انتشرت ظاهرة التعليقات السلبية والمسيئة على مواقع التواصل الاجتماعي، بغضّ النظر عن طبيعة المحتوى المطروح، سواء كان هادفًا أم غير ذلك. وتعود هذه الظاهرة إلى عدة أسباب اجتماعية ونفسية تسهم في ترسيخ هذا السلوك لدى بعض الأفراد دون شعور بالخجل أو المسؤولية.

ومن أبرز هذه الأسباب التنشئة الأسرية، إذ إن الفرد الذي ينشأ داخل بيئة تفتقر إلى التوجيه السليم والحدود الأخلاقية الواضحة، غالبًا ما ينعكس ذلك على طريقة تعامله مع الآخرين داخل المجتمع، بما في ذلك العالم الافتراضي.

كما تلعب الاضطرابات النفسية دورًا مهمًا، فبعض الأشخاص قد يعانون من التهميش أو التنمر في حياتهم الواقعية، مما يدفعهم إلى تفريغ مشاعر الغضب والإحباط عبر تعليقات عدوانية على مواقع التواصل، دون مراعاة لمشاعر الآخرين أو طبيعة الموضوع المطروح. وقد يكون السبب أيضًا ضعف الشخصية أو الشعور بعدم التقدير داخل محيطهم الاجتماعي، فيلجؤون إلى إثارة الجدل والإساءة بهدف لفت الانتباه وإشباع النقص الداخلي لديهم.

فإن هذه السلوكيات تعكس مشكلات حقيقية تستدعي التوعية والمعالجة، لما لها من أثر سلبي على أخلاق المجتمع وطبيعة الحوار بين أفراده.

بين الخفاء والكلمات

توضح الإعلامية روان علي الشمري: يعود سبب كتابة بعض الأشخاص لتعليقات مسيئة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى عدة عوامل نفسية واجتماعية. من أبرز هذه العوامل شعور البعض بالحرية الزائدة خلف الشاشات، إذ يمنحهم إخفاء هويتهم أو عدم المواجهة المباشرة إحساسًا بالأمان ويقلل من شعورهم بالمسؤولية تجاه كلماتهم. كما أن غياب التواصل الوجهي يجعل الشخص لا يرى تعابير الطرف الآخر أو تأثير الكلمات عليه، فيصبح أقل تعاطفًا وأكثر جرأة في استخدام ألفاظ قاسية. كذلك قد تكون الضغوط النفسية أو الغضب أو الرغبة في جذب الانتباه سببًا يدفع البعض إلى هذا السلوك. وهناك أشخاص يسعون إلى إثارة الجدل أو الحصول على تفاعل كبير حتى لو كان بطريقة سلبية. لذلك نلاحظ أن بعض الأفراد يتصرفون على الإنترنت بأسلوب يختلف عن تصرفهم في الواقع المباشر.

تعليقات بلا حدود

تقول حوراء محسن، مديرة منصة الهمم العالية: أسباب كثيرة تدفع بعض الأشخاص إلى كتابة تعليقات مسيئة على مواقع التواصل الاجتماعي، رغم أنهم قد لا يتحدثون بالطريقة نفسها في الواقع. فوجودهم خلف الشاشة يجعلهم يشعرون بمسافة بينهم وبين الآخرين، وأحيانًا بعدم وجود محاسبة مباشرة، مما يمنحهم جرأة أكبر في الكلام. كما أن بعض الأشخاص يفرغون ضغوطهم أو غضبهم من خلال التعليقات، بينما يسعى آخرون إلى لفت الانتباه أو إثارة الجدل للحصول على التفاعل. كذلك فإن غياب المواجهة المباشرة يجعل البعض لا يدرك حجم التأثير النفسي الذي قد يتركه كلامه على الطرف الآخر، بعكس ما يحدث في الحياة الواقعية.

خلف القناع الرقمي

تعتقد زهراء قاسم جبير، طالبة الأمن السيبراني: الشخص الذي يكتب كلامًا سلبيًا يشعر بأنه يختبئ خلف الشاشة، وكأن هويته الحقيقية غير ظاهرة، لذلك تضعف رقابته على نفسه ويقول أشياء قد لا يجرؤ على قولها في الواقع. كما أنه لا يرى التأثير المباشر لكلامه على الطرف الآخر، فيتعامل مع الأشخاص وكأنهم مجرد حسابات أو نصوص لا بشر لديهم مشاعر. كذلك يظن بعضهم أن الإنترنت يمنحه حرية كاملة من دون محاسبة، خاصة عندما يجد تعليقات مسيئة تحصد الإعجابات والتفاعل، فيشعر أن هذا الأسلوب مقبول أو حتى دليل على الجرأة والقوة. وفي أحيان كثيرة، يلعب المجتمع المحيط دورًا في تعزيز هذا السلوك حين يمدح الشخص الذي يهاجم أو يسيء للآخرين، فيربط بين السلبية والقوة الشخصية من دون التفكير بتأثير ذلك على المجتمع والوعي العام.

مرآة التربية

ترى عذراء محسن حميد، طالبة: أن أسلوب التعليق يعكس تربية الشخص وأخلاقه، فليس من الضروري أن يسيء الإنسان حتى يعبّر عن رأيه. أنا شخصيًا أعلّق وأناقش، لكن من دون الإساءة إلى مذهب أو دولة أو التقليل من أي شخص. وأرى أن أغلب التعليقات المسيئة تكون ناتجة عن ضعف في التربية وقلة احترام للآخرين وآرائهم.

جرأة افتراضية

تؤكد آصال حسين سعود، خريجة هندسة تقنيات أجهزة طبية: أن بعض الأشخاص يشعرون بجرأة أكبر خلف الشاشة، فيكتبون كلمات أو تعليقات لا يستطيعون قولها وجهاً لوجه. فغياب المواجهة المباشرة يجعلهم أقل إحساسًا بتأثير كلامهم على الآخرين، كما أن بعضهم يلجأ إلى التعليقات المسيئة للتنفيس عن غضب أو إحباط داخلي، أو بهدف لفت الانتباه وإثارة الجدل. بينما في الواقع، غالبًا ما يكون التعامل أكثر احترامًا بسبب رؤية ردود الفعل بشكل مباشر والشعور بالمسؤولية تجاه الكلام.

وفي الختام

تعكس الآراء المشاركة في هذا الاستطلاع جوانب متعددة من الأسباب التي تقف وراء انتشار التعليقات المسيئة في الفضاء الرقمي، حيث تتداخل المؤثرات النفسية والاجتماعية مع طبيعة التواصل عبر الإنترنت. وتجمع معظم الآراء على أهمية تعزيز الوعي بثقافة الحوار واحترام الآخرين، بما يسهم في ترسيخ بيئة رقمية أكثر إيجابية ومسؤولية، ويجعل الكلمة وسيلة للتقارب والتفاهم وبناء جسور التواصل بين أفراد المجتمع.

اضف تعليق