هل انتهى عصر القراءة؟

ماذا يحدث حين يصبح المجتمع «ما بعد قرائي»؟

قد لا يكون عصر القراءة قد انتهى تماماً، لكنه لم يعد مضموناً. لقد صار اختياراً يحتاج إلى وعي ومقاومة وتنظيم. وما لم نعد بناء البيئة التي تسمح بالقراءة، فإننا قد نجد أنفسنا في عالم ممتلئ بالكلمات، لكنه فقير في الفهم؛ عالم يقرأ فيه الناس كل شيء بسرعة، ولا يمكثون...

لم تكن القراءة في تاريخ الإنسان مجرد عادة ثقافية أو وسيلة لاكتساب المعرفة، بل كانت أحد أعمدة تشكيل العقل الحديث. فمنذ ظهور الكتابة قبل آلاف السنين، تغيّرت طريقة الإنسان في التفكير، والتنظيم، والتأمل، وتراكم المعرفة، وبناء المؤسسات، وصياغة السياسة والثقافة والعلوم. لذلك فإن الحديث عن تراجع القراءة لا يتعلق بعدد الكتب التي تُباع أو بعدد الروايات التي يقرأها الناس في عطلاتهم، بل يتعلق بتحول أعمق يمس شكل الوعي نفسه، وطريقة بناء الرأي، واستيعاب المعلومات، والحكم على الخطاب العام.

في حوار نشره برنامج راديو أتلانتيك، أجرته الصحفية هانا روزين مع الكاتبة روز هوروويتش حول قصتها المنشورة في مجلة *ذا أتلانتيك* بعنوان «نهاية القراءة وصلت»، طُرحت فكرة لافتة: نحن لا نعيش أزمة أمية تقليدية، بل ندخل تدريجياً في عصر «ما بعد القراءة»، أي عصر لا تختفي فيه القدرة على قراءة الكلمات، لكنها تفقد موقعها المركزي في تشكيل المعرفة والثقافة والسياسة والخيال العام. فالمجتمع قد يبقى قادراً على القراءة، لكنه لا يعود مجتمعاً مبنياً على القراءة العميقة، ولا على النصوص الطويلة، ولا على القدرة المتأنية على متابعة فكرة مركبة من بدايتها إلى نهايتها. 

هذا التحول لا يعني أن الناس توقفوا عن التعامل مع الكلمات. على العكس، الإنسان المعاصر محاط بالنصوص من كل جهة: رسائل الهاتف، عناوين الأخبار، التعليقات، البريد الإلكتروني، منشورات المنصات الاجتماعية، والتنبيهات القصيرة التي تملأ اليوم. لكنه نص سريع، متقطع، ومصمم غالباً لالتقاط الانتباه لا لبناء الفهم. وهنا تقع المفارقة الكبرى: نحن نقرأ كلمات أكثر، لكننا قد نقرأ قراءة أضعف. نمر على النصوص بسرعة، لكننا نقضي وقتاً أقل مع الجمل العميقة، والأفكار المتدرجة، والكتب التي تطلب صبراً وانتباهاً واستعداداً للانغماس.

تستند هوروويتش إلى مؤشرات مقلقة حول تراجع قراءة الكتب في الولايات المتحدة. فقد انخفضت نسبة الأميركيين الذين يقرأون كتاباً أو مقالاً في أي يوم عادي خلال العقدين الماضيين بنسبة كبيرة، كما أن أقل من نصف البالغين الأميركيين قالوا إنهم قرأوا كتاباً من أي نوع خلال عام 2022، بينما قرأ 38 بالمئة فقط رواية أو قصة قصيرة. ولا يقتصر التراجع على فئة اجتماعية بعينها، بل يظهر حتى بين الفئات التي كانت تُعد تقليدياً أكثر ارتباطاً بالقراءة، مثل النساء، والمتقاعدين، وخريجي الجامعات.

الأمر لا يتوقف عند انخفاض عدد القراء، بل يمتد إلى نوعية ما يُقرأ. فحين يختار الناس الكتب، يتجه كثير منهم إلى أعمال أقصر، وجمل أبسط، ومفردات أقل تعقيداً. وتشير هوروويتش إلى أن جمل الكتب الأكثر مبيعاً في نيويورك تايمز أصبحت أقصر بنحو الثلث مما كانت عليه قبل قرن، كما أن أدب اليافعين صار من أكثر الأنواع طلباً حتى بين قراء ليسوا من فئة اليافعين. لا يعني ذلك أن هذه الكتب بلا قيمة، ولا أن القراءة يجب أن تكون حكراً على النصوص الصعبة، لكنه يدل على تغير واضح في قدرة القارئ العام على تحمل النص الطويل والمركب.

تزداد المسألة خطورة عندما ننتقل إلى الأطفال والطلاب. فقد أشارت هوروويتش إلى أن نسبة ضئيلة جداً من البالغين تقرأ للأطفال في يوم معين، وأن حب القراءة يتراجع غالباً كلما تقدم الطفل في العمر. كما نقلت عن باحثين أن بعض طلاب المرحلة الثانوية باتوا يصفون القراءة من أجل المتعة بوصفها ممارسة غريبة أو بعيدة عن حياتهم. هذه العبارة وحدها تكشف مدى التحول؛ فالقراءة التي كانت جزءاً طبيعياً من تكوين الطفل والمراهق أصبحت لدى بعض الأجيال نشاطاً غير مألوف، يحتاج إلى تبرير أو مقاومة أو تدريب جديد. 

لكن تحميل المسؤولية لجيل الشباب وحده تبسيط لا يساعد على الفهم. فهوروويتش نفسها، وهي من جيل الشباب، ترفض اختزال المشكلة في عبارة «أطفال اليوم». المسألة أوسع من ذلك. إنها قصة تقنيات تزاحم الوقت الذي كان يُمنح سابقاً للكتاب. بدأ الأمر مع التلفزيون، ثم تعمق مع البث الرقمي، والإنترنت، والهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي. وكل وسيلة جديدة لم تضف مجرد خيار ترفيهي جديد، بل اقتطعت جزءاً من زمن الانتباه. القراءة العميقة لا تحتاج إلى عينين فقط، بل تحتاج إلى وقت صافٍ، وهدوء داخلي، وقدرة على مقاومة الإغراء المستمر بالتبديل والانتقال والرد والتصفح.

هنا يظهر الفارق بين «الأمية» و«ما بعد القراءة». فالأمية تعني العجز عن القراءة والكتابة، أما ما بعد القراءة فيعني أن المجتمع يعرف القراءة لكنه لم يعد يمنحها مركز السيادة في نقل المعرفة والثقافة والترفيه والسياسة. نحن أمام مجتمع يقرأ، لكنه لا يعيش بالقراءة. يرى النص، لكنه لا يصبر عليه. يتعامل مع الكلمات، لكنه يفضّل أن تأتي إليه في مقاطع قصيرة، أو صور سريعة، أو فيديوهات مختصرة، أو شعارات قابلة للتداول. ولهذا تفضل هوروويتش وصف المرحلة بأنها «ما بعد قرائية» لا «أمية»، لأن القدرة الفنية على القراءة ما زالت موجودة، لكن وظيفة القراءة العميقة في تشكيل الوعي العام تتراجع. 

ولفهم أهمية هذا التحول، لا بد من العودة إلى ما فعلته الكتابة والقراءة بالعقل البشري. فالقراءة لم تكن مجرد قناة لإيصال المعلومة، بل غيّرت بنية التفكير نفسه. في الحوار، تستحضر هوروويتش أفكار المفكر والتر أونغ حول الفروق بين الثقافات الشفاهية والثقافات الكتابية. ففي المجتمعات الشفاهية، تكون المعرفة مرتبطة بالحضور، والإيقاع، والحفظ، والتكرار، والذاكرة الجمعية. أما الكتابة فقد أدخلت مسافة بين الإنسان والكلمة. حين تُكتب الفكرة، تصبح قابلة للتأمل والمراجعة والنقد وإعادة الترتيب. يمكن للإنسان أن يعود إليها، وأن يراها أمامه، وأن يكتشف فيها ما لم يلاحظه عند النطق الأول.

لهذا قيل إن «الكتابة تجمّد الكلام». فالكلام يجري وينتهي، أما الكتابة فتوقفه أمام العين، وتمنح العقل فرصة للتفكير فيه. هذه الوقفة هي جوهر القراءة العميقة. إنها تسمح بتشكيل التفكير التحليلي، وتوسيع الجملة، وتعقيد المفردات، وبناء الحجة، وربط السبب بالنتيجة. ومن هنا ارتبطت القراءة والكتابة بظهور أنماط معرفية كبرى مثل الفلسفة، والعلم الحديث، والتاريخ بوصفه تخصصاً أكاديمياً. فهذه الحقول تحتاج إلى قدرة على متابعة البرهان، والتمييز بين المقدمات والنتائج، والتعامل مع النص لا بوصفه صوتاً عابراً بل مادة قابلة للمراجعة والفحص. 

إذا كان هذا هو ما صنعته القراءة في العقل والمجتمع، فإن تراجعها لا يمكن أن يكون مسألة هامشية. فالعقل يتقن ما يمارسه. وإذا اعتاد الإنسان على التنقل السريع بين المقاطع والتنبيهات، أصبح أكثر مهارة في التقاط الإشارات السريعة، لكنه قد يصبح أقل قدرة على التركيز الممتد. تشير هوروويتش إلى أن متوسط مدة الانتباه على الشاشة كان قبل عقدين تقريباً دقيقتين ونصف الدقيقة، ثم انخفض قبل سنوات إلى أقل من دقيقة. وربما يكون لهذا التحول بعض المكاسب، مثل سرعة الاستجابة أو تحسن بعض المهارات البصرية والمكانية، لكن كلفته المحتملة كبيرة: ضعف المعرفة الخلفية، تراجع القدرة على الفهم المركب، وانحسار نمط التفكير الخطي والتحليلي. 

ولا يقتصر أثر مجتمع ما بعد القراءة على الفرد، بل يمتد إلى السياسة. في الحوار، تصف هوروويتش دونالد ترامب بأنه قد يكون الرئيس المثالي لمجتمع ما بعد قرائي، لا بمعنى الحكم الأخلاقي، بل بمعنى القدرة على مخاطبة بيئة إعلامية تتحكم فيها السرعة، والانفعال، والتكرار، والعبارات اللاصقة بالذاكرة. فحين لا تكون المعلومة مثبتة في نص يمكن الرجوع إليه، يصبح التناقض أقل كلفة. وحين تحكم الثقافة الشفاهية الجديدة، تزداد قوة اللقب المختصر، والسخرية، والشعار، والانفعال، والصورة، أكثر من قوة الحجة المكتوبة المطولة.

هذا لا يعني أن الناخبين لا يفكرون، ولا أن السياسة كانت في الماضي مثالية أو عقلانية دائماً. لكنه يعني أن بنية الوسيط تؤثر في شكل الخطاب السياسي. في مجتمع يقرأ النصوص الطويلة، تكون للوثيقة والحجة والسجل المكتوب قيمة أكبر. أما في مجتمع يحكمه المقطع القصير، فإن السياسي القادر على جذب الانتباه، وإثارة الغضب، وتقديم نفسه بصورة مباشرة وبسيطة، قد يمتلك أفضلية واضحة. ومن هنا يصبح تراجع القراءة مسألة سياسية أيضاً، لأنه يغير شروط الإقناع العام، لا مجرد عادات الترفيه الشخصي. 

ومع ذلك، لا تقدم هوروويتش صورة سوداء بالكامل. فهناك مؤشرات معاكسة. مبيعات الكتب المطبوعة في بعض السنوات كانت أعلى مما كانت عليه قبل عقد، وهناك قراء مخلصون يقضون وقتاً أطول مع الكتب، لكنهم يتحولون إلى أقلية أصغر داخل المجتمع. وهذا يعني أن القراءة لا تختفي تماماً، بل تتحول من ممارسة عامة إلى علامة هوية. في الماضي، لم يكن الإنسان «قارئاً» بوصفه انتماءً خاصاً، لأن القراءة كانت الطريق الطبيعي للحصول على المعلومات. أما اليوم، فحين صارت البدائل كثيرة، أصبح القارئ شخصاً يختار أن يكون قارئاً. يدخل نادي قراءة، يذهب إلى خلوة قراءة، يشتري الكتاب الورقي كما يشتري آخرون الأسطوانة الموسيقية القديمة، بحثاً عن شيء ملموس في عالم رقمي عابر. 

وتزداد المفارقة مع الذكاء الاصطناعي. فمن السهل أن يقال إن الذكاء الاصطناعي سيقضي على التفكير العميق والقراءة، لكنه في الوقت نفسه يعيد النص إلى الواجهة بشكل غريب. فالتفاعل مع أدوات الذكاء الاصطناعي يجري غالباً عبر نصوص كاملة، وجمل مصقولة، وإجابات تبدو منظمة ومهنية. بل إن الذكاء الاصطناعي أدى إلى زيادة كبيرة في عدد الكتب المنشورة على منصات مثل أمازون، وزيادة في الأوراق العلمية المنشورة. لكن هذه الوفرة النصية لا تعني بالضرورة عودة القراءة العميقة. على العكس، قد تجعل الحاجة إلى التفكير النقدي والتمييز أكثر إلحاحاً، لأن النصوص ستصبح أكثر كثافة، وأكثر صقلاً، وربما أكثر قدرة على الإيهام بالثقة. 

لهذا، لا تكمن المشكلة فقط في أننا لا نقرأ الكتب، بل في أننا قد نشعر بأننا نقرأ كثيراً بينما نفقد القدرة على القراءة التي تبني التفكير. فالقارئ المعاصر قد يمر يومياً على آلاف الكلمات، لكنه لا يجلس مع فكرة واحدة زمناً كافياً حتى تنضج. وقد يعرف عناوين كثيرة، لكنه لا يمتلك معرفة خلفية كافية لفهم السياقات. وقد يستهلك معلومات متلاحقة، لكنه لا يملك الوقت الضروري لربطها في بنية عقلية متماسكة. إن الوفرة هنا لا تعني العمق، بل قد تتحول إلى بديل عنه.

في التعليم، تظهر نتائج هذا التحول بوضوح. فالمعلمون باتوا يكلّفون الطلاب بعدد أقل من الكتب، ويعتمدون أكثر على المقتطفات والتمارين القصيرة في الفهم القرائي. وقد أشارت هوروويتش إلى أن استطلاعاً حديثاً وجد أن معظم معلمي المرحلتين المتوسطة والثانوية يكلّفون طلابهم بما بين صفر وأربعة كتب في السنة. وهذا تحول كبير، لأنه يعني أن المدرسة، التي كانت المكان الذي يجبر الطالب على مواجهة النص الطويل، بدأت تتكيف هي الأخرى مع ضعف الانتباه، بدلاً من مقاومته دائماً. 

غير أن بعض التجارب تشير إلى أن استعادة القراءة ليست مستحيلة. ففي ولاية تكساس، بعد حظر الهواتف المحمولة خلال اليوم الدراسي، سجّلت إحدى المناطق التعليمية في دالاس زيادة كبيرة في استعارة الكتب من المكتبات المدرسية. لا يعني ذلك بالضرورة تحسناً فورياً في الدرجات أو الأداء الأكاديمي، لكنه يكشف أمراً بسيطاً ومهماً: حين تُزال المشتتات، يعود الوقت. وحين يعود الوقت، قد يكتشف الطالب أن الكتاب خيار ممكن. الملل، الذي نحاول دائماً الهروب منه، قد يكون أحد أبواب العودة إلى القراءة، لأنه يفتح مساحة داخلية لا تملؤها الشاشة فوراً. 

لكن الحل لا يكون بمجرد الحنين إلى الماضي أو لوم التكنولوجيا. فالمشكلة أكبر من نصيحة أخلاقية تقول للناس: اقرأوا أكثر. نحن أمام تحول حضاري يتطلب قراراً ثقافياً وتربوياً واسعاً. إذا كانت القراءة قد صنعت جزءاً كبيراً من العقل الحديث، فإن الحفاظ عليها يحتاج إلى مؤسسات وعادات وبيئات تحمي الانتباه. يحتاج إلى بيت يقرأ فيه الكبار للأطفال، ومدرسة لا تستسلم للنصوص المجتزأة وحدها، ومكتبات حية، وسياسات تعليمية تعيد للكتاب مكانته، وثقافة عامة لا تتعامل مع البطء بوصفه عيباً.

تستعيد هوروويتش في نهاية الحوار صورة مكتبة الإسكندرية. فالتصور القديم كان يقول إن المكتبة دُمّرت بفعل حرب أو حريق خارجي، لكن إجماعاً حديثاً بين مؤرخين يرى أن موتها لم يكن نتيجة هجوم واحد، بل نتيجة إهمال طويل. لقد ماتت لأن الناس لم يعودوا يهتمون بما يكفي ببقائها. هذه الصورة شديدة الدلالة في عصرنا. فالقراءة قد لا تموت بقرار، ولا بحدث مفاجئ، ولا بمؤامرة على الكتب، بل تموت حين نتوقف تدريجياً عن تخصيص الوقت لها، وعن الدفاع عن شروطها، وعن تعليم الأجيال لماذا تستحق الجهد. 

إن السؤال الحقيقي ليس: هل سيختفي الكتاب؟ فالكتاب غالباً سيبقى، وستبقى معه أقلية قارئة ومخلصة. السؤال الأعمق هو: هل ستبقى القراءة العميقة جزءاً من تكوين الإنسان العام، أم ستتحول إلى مهارة نخبوية وهوية محدودة يمارسها بعض المهتمين؟ وهل سيظل المواطن العادي قادراً على متابعة خطاب معقد، وفهم وثيقة، وقراءة تاريخ، وتقييم حجة، أم سيكتفي بإشارات سريعة ومقاطع قصيرة وانطباعات عابرة؟

في العالم العربي، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً. فنحن نعيش أصلاً تحديات مزمنة في التعليم، وضعفاً في معدلات القراءة، وتراجعاً في حضور الكتاب داخل الحياة اليومية، ثم جاءت المنصات الرقمية لتضيف تحدياً جديداً. لذلك لا ينبغي أن يُقرأ النقاش الأميركي بوصفه شأناً أميركياً خالصاً، بل بوصفه إنذاراً ثقافياً عاماً. المجتمعات التي لا تحمي القراءة لا تخسر الكتب فقط، بل تخسر جزءاً من قدرتها على التفكير المنظم، وعلى بناء الذاكرة، وعلى مقاومة التلاعب، وعلى تربية أجيال تستطيع أن تميّز بين المعرفة والضجيج.

لا يعني الدفاع عن القراءة رفض الصورة أو الصوت أو الفيديو أو الذكاء الاصطناعي. فلكل وسيط قيمته، ولكل عصر أدواته. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول السريع إلى البديل الوحيد، وحين يصبح المختصر هو الشكل الطبيعي للفهم، وحين يفقد الإنسان صبره أمام الصفحة. القراءة العميقة ليست ترفاً قديماً، بل تمرين على الحرية الداخلية. فهي تعلم الإنسان أن يبقى مع الفكرة، وأن يؤجل الحكم، وأن يربط التفاصيل، وأن يسمع صوتاً لا يصرخ في وجهه ولا يطارده بتنبيه جديد.

قد لا يكون عصر القراءة قد انتهى تماماً، لكنه لم يعد مضموناً. لقد صار اختياراً يحتاج إلى وعي ومقاومة وتنظيم. وما لم نعد بناء البيئة التي تسمح بالقراءة، فإننا قد نجد أنفسنا في عالم ممتلئ بالكلمات، لكنه فقير في الفهم؛ عالم يقرأ فيه الناس كل شيء بسرعة، ولا يمكثون مع شيء طويلاً؛ عالم لا تنقصه النصوص، بل تنقصه القدرة على الإصغاء إليها بعمق.

* المصادر: مجلة «ذا أتلانتيك»، برنامج «راديو أتلانتيك»

اضف تعليق