الكثير من الفاسدين وجدوا ضالتهم في ميدان العلم والمعرفة، فسارعوا إلى ركوب موجة الفساد من أوسع الأبواب، تارة بتأسيس مكاتب تسمى زيفًا بالعلمية، همها المتاجرة بالنتاج العلمي، أو السعي الجاد إلى تأسيس مؤسسات علمية في ظاهرها وتجارية في حقيقتها، الغاية منها التربح المالي فحسب، وصولًا إلى مكاتب الترويج للدراسة...
التعليم حق إنساني أساسي وشرط لازم لتحقيق التنمية، وكذلك هو شرط أساسي لتمتع الفرد بالحق في الكرامة، فهو المفتاح الحقيقي لحياة أفضل. وفي هذا الخصوص، تنص المادة (34) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 على: "أولًا: التعليم عامل أساس لتقدم المجتمع وحق تكفله الدولة، وهو إلزامي في المرحلة الابتدائية، وتكفل الدولة مكافحة الأمية. ثانيًا: التعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله".
وإن الفساد في حقل التعليم يحرم الأفراد من هذا الحق الأساسي، فهو يقوض فرص الترقي في قطاعات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والأخطر أنه يحرم المجتمع من الاستثمار الحقيقي في رأس المال البشري، كون الخريجين من أنصاف المتعلمين غير قادرين على إدارة دفة العمل أو التصدي للشأن العام مستقبلًا، ويعرقل المساواة بين أفراد المجتمع، فلا يكون المعيار هو الاجتهاد لدخول كليات أو معاهد أو مدارس معينة، بل هو مرهون بمن يملك التأثير، المحسوبية، أو المال. لذا، الباب مشرع أمام البعض في الحصول على فرص تعليمية، ومغلق تمامًا، بل موصد، بوجه الفقراء والمعدمين ممن لا يملكون ما تقدم من وسائل التأثير.
ويتسبب الفساد العلمي أيضًا في استحالة بلوغ جودة التعليم بكل مستوياته وأنواعه، والذي يُعد شرطًا أساسيًا ليكون الفرد مؤهلًا وقادرًا على دخول الحياة العملية وسوق العمل وينافس للحصول على فرصة عمل. يُذكر أن النزاهة ليست مفهومًا مقتصرًا على الجانب الوظيفي أو المالي، بل هي مفهوم مطلق يستوعب جميع المجالات، ومنها المجال الأكاديمي أو العلمي ومن يعملون في ميدان التدريس والبحث العلمي. ولعل الفساد الذي يتهدد هذا القطاع الحيوي لا يقل أهمية عن نظيره المالي أو الإداري.
ويُعرف الفساد العلمي بأنه عمل ذو طابع علمي أو ضمن الإطار العلمي ينتهك معايير النزاهة والموضوعية والاستقامة المهنية. وهذا النمط من شأنه أن ينتهك حقوق الدولة التي تتصل بالمصلحة العامة وحقوق الأفراد المتصلة بالمصلحة الخاصة، ومن شأنه أن يقوض الحق في التعليم بالمراحل الدراسية كافة، من رياض الأطفال إلى الدراسات العليا وما بعد العليا، فهو عدوان يطال ميدان العلم ويدنس محراب المعرفة.
وللإنصاف، الفساد العلمي كظاهرة ليس جديدًا ولا مختصًا ببلد دون آخر، بل إن الجشع والطمع وضعف الوازع الأخلاقي يدفع الكثير من الأفراد في العراق والعالم إلى مثل هذه الممارسات التي من شأنها أن تهدد حياة الناس وممتلكاتهم المادية أو المعنوية، ومنها الملكية الفكرية. وكل سلوك من هذا القبيل يمثل معولًا يسهم في هدم المعرفة التي توصف بأنها تراث إنساني. وأستطيع الجزم أن من يمارس هذا النوع من الفساد لن يتوانى، إن أتيحت له الفرصة، عن احتراف الفساد المالي والإداري.
والغريب في الأمر أن العراق والكثير من دول العالم المحيطة بنا، على أقل تقدير، تخصص ميزانيات كبيرة لوزارة التربية والتعليم، ومن الإنصاف أن تعود هذه الأموال على الدولة والمجتمع بالنفع، بأن تُكرس للارتقاء بالشباب وتحقيق الاكتفاء الذاتي في المجال العلمي، لا أن يتحول ميدان البحث العلمي إلى صورة من صور الفساد والمجاملات والسرقات أو الابتزاز. وهذه الحقيقة المرة التي يعزف الكثير عن الخوض فيها في العلن تؤرق المهتمين والعاملين في الميدان الأكاديمي.
واللافت أن الكثير من الفاسدين وجدوا ضالتهم في ميدان العلم والمعرفة، فسارعوا إلى ركوب موجة الفساد من أوسع الأبواب، تارة بتأسيس مكاتب تسمى زيفًا بالعلمية، همها المتاجرة بالنتاج العلمي، أو السعي الجاد إلى تأسيس مؤسسات علمية في ظاهرها وتجارية في حقيقتها، الغاية منها التربح المالي فحسب، وصولًا إلى مكاتب الترويج للدراسة خارج العراق في جامعات تجارية لا تعير للعلم أو المعرفة أي اهتمام. وسعى من سعى إلى مأسسة الفساد العلمي ليستحيل محاصرته في المستقبل أو القضاء عليه.
وقد ساعد على ذلك قيام مجلس النواب العراقي عام 2020 بسن قانون أسس تعادل الشهادات، الذي أسهم في تحول جذري في وصف الوظائف وفوضى عارمة في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة، بعدما شرعن عمليات التحايل على القانون قبل صدوره وبعده لمن أكمل دراسة أولية أو عليا خارج الضوابط والأطر القانونية المعتمدة. ولعله سبب مباشر آخر لاستنزاف الموازنة بإحداثه زيادة هائلة في رواتب ومخصصات الموظفين.
ولو نظرنا إلى واقع الجامعات والكليات والمعاهد نجد البون الشاسع بين واقعها والمعايير الدولية لجودة التعليم. ففي مجال البحث العلمي، وهو النتاج العلمي الحقيقي، نجده يقف على مسافة بعيدة جدًا من الحاجات العملية والواقع الفعلي. والأمر الأخطر هو التباين المهول بين حاجات سوق العمل والفرص التعليمية المتاحة. وما تقدم لا يمكن أن نسند مسؤوليته إلى عامل أو سبب واحد فحسب، بل هو نتاج منظومة مربكة لم تُبنَ على أساس فني وعلمي تراكمي، بل نتيجة اجتهادات شخصية وخطط غير واقعية يضعها الوزير وتزول عندما يترك الوزارة، فيأتي خلفه ليبدأ من جديد لا ليكمل البناء المؤسسي والخطط الاستراتيجية.
فنحن بحاجة إلى تحويل المؤسسات التعليمية إلى مؤسسات منتجة وليس مستهلكة، بمنحها اللامركزية في التخطيط والتنفيذ، والاقتراب أكثر من سوق العمل والحاجات الفعلية للوزارات والجهات ذات الشأن، وإبعادها عن التدخل السياسي أيًا كان شكله أو لونه، فالفساد السياسي امتد إلى الحرم المدرسي والجامعي وأفسد الكثير من الأشياء الجميلة.
يضاف إلى ما تقدم مشكلة أزلية هي تراجع ما يتقاضاه العاملون في المؤسسات العلمية، ما اضطرهم إلى البحث عن بدائل بدوام جزئي لسد الحاجات الحياتية اليومية. ومما يؤسف له أن العمل داخل المؤسسات العامة لا يزال غير مشجع للكثير من الكفاءات، مما اضطرهم إلى البحث عن فرص عمل في مؤسسات خارج العراق أو خارج القطاع الحكومي أصلًا.
وحين نتتبع صور الفساد العلمي يمكن أن نشخص منها الآتي:
أولًا: الشهادة الصورية: حيث تحولت الشهادات العليا من ميدان للتنافس بين المتفوقين ممن تحرص الدولة على استقطابهم للاستفادة من مؤهلاتهم في بناء مؤسساتها وتحقيق أهدافها، إلى وسيلة للتفاخر والوجاهة أو لطلب زيادة الراتب فحسب. وما تقدم دفع الكثير للحصول عليها بطرق ملتوية، كشراء الرسائل أو الأطاريح، أو طلبها من جامعات وهمية أو هزيلة وتجارية.
ثانيًا: السرقات العلمية: ولهذا النمط من الفساد الكثير من التجليات الخطيرة، لا أقلها خطورة أن ينسب شخص ما نتاج الآخرين إلى نفسه، أو يساعد من قام بذلك بالتغطية على عمله بشتى الوسائل والسبل. وقد ساهم في رواج هذه السلوكيات العقوبات الشكلية التي استحدثتها وزارة التعليم العالي رغم خطورة الجرم، إذ لا تزيد العقوبات، في أحسن الحالات، عن جزاء انضباطي بسيط ومنع من الترقية لمدة قصيرة، بدل اعتبار هذا الفعل الخطير موجبًا للعزل من الوظيفة. فمن يفتقد الأمانة العلمية كيف يؤتمن على أموال أو أعراض أو...؟
ثالثًا: الانحراف العلمي: تعاني الكثير من الأقسام العلمية، لا سيما في الجامعات الناشئة أو البعيدة عن الرقابة الوزارية، من معضلات خطيرة تتمثل في تكدس الطلبة بالمئات في قاعات دراسية أو مختبرات بائسة تفتقد أدنى مقومات الجوانب العلمية الرصينة اللازمة للتعلم والتدريب، ما تسبب بتخرج الآلاف من الطلبة غير المؤهلين. يضاف إلى ذلك الاستعانة بكوادر تعليمية غير مهيأة، تمتهن الحذف من المادة العلمية وتبسيط المقررات إلى أن باتت خاوية على عروشها، تفتقد أدنى معايير الرصانة في المناهج العلمية المقارنة.
رابعًا: غياب المساءلة: فحين تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي تلاحظ من الكثرة أشياء مخجلة، فهناك من الصفحات والمواقع ما تعلن جهارًا نهارًا أنها مستعدة لنشر بحوث باسم أي شخص في مجلات مصنفة ضمن المستوعبات العالمية، وهناك من يعرض بيع ما اصطلح عليه زورًا بـ"مقعد" في بحث علمي يكاد ينشر في مجلة علمية مقابل مبالغ مالية، بل وصل الأمر إلى خارج العراق، فبادر بعض الفاسدين بشراء عدد خاص أو إصدار خاص من مجلة علمية لنشر بحوث تسمى تجاوزًا بالعلمية، وآخر يعلن عن توفير مقعد دراسي في جامعة، والقائمة تطول بالأمثلة.
وهنا نتساءل: أين دور وزارة التعليم العالي والبحث العلمي؟ أين دور وزارة التربية؟ أين دور جهاز الأمن الوطني؟ أين دور الأجهزة الرقابية الأخرى؟ وإننا نعتقد جازمين أن جريمة السرقة العلمية أخطر من جرائم السرقة العادية، لكونها تصيب المعرفة بمقتل أولًا، وتهدد البناء العلمي وتخل بالثقة العامة، وهي جريمة أخلاقية لأن مرتكبها تُرفع عنه كل أعذار الضرورة أو الإكراه. ولا تفي العقوبات الواردة في القوانين العراقية، ومنها قانون حماية المؤلف رقم (3) لسنة 1971، بتجريم ارتكابها وتحقيق الردع لمنع ارتكابها.
خامسًا: التجاهل المتعمد للعلم والعلماء: فلا يكاد يمر يوم واحد دون أن نسمع عن مؤتمر علمي أو دولي، بيد أن ما يؤسف له أن المؤتمرات تحولت إلى منابر لإلقاء الكلمات من السياسيين أو المسؤولين وطالبي الوجاهة، بينما نجد العلماء والباحثين يجلسون في الخطوط الخلفية، فلا يُسمع قولهم ولا يُحفظ قدرهم.
سادسًا: التحدي التقني: لا تتوافر في العراق، على حد اطلاعي، التقنيات اللازمة لكشف التلاعب أو السرقات العلمية، وبالخصوص بعد الطفرات العلمية التي حصلت بتطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فلا بد من التذكير بأن هذه التطبيقات يُفترض أن يبقى دورها مساعدًا وليس أساسيًا، وأن الباحث هو المبتكر أو المنشئ للمحتوى العلمي، بيد أن البعض يسيء الثقة به، ويجعل من تلك التطبيقات المؤلف الأساس، ويخفي أو يطمس معالم العمل ببعض التعديلات البشرية.
سابعًا: المناهج العلمية: يتعلم الطالب أو التلميذ في المدرسة أو الجامعة المعارف العلمية والقيم المتصلة بالحياة العامة والمجتمع، وعندها فقط يتعلمون المعنى الحقيقي للمعرفة. لكن حين تكون المناهج في جلها متقادمة ولا تساير التغيرات في الواقع العلمي، تكون حجر عثرة في طريق الحق في التعليم بدل أن تكون سبيلًا إليه.
ثامنًا: التصرفات الفردية غير الإنسانية: كرامة الإنسان أثمن ما يملك، وإن من أجلى مظاهر الفساد العلمي التي تنتهك الحق في التعليم حين تُهدر الكرامة لفظيًا أو بدنيًا بالعقوبات غير المبررة أو الكلام غير اللازم، أو الآراء والمعارف الفاسدة التي تُسقى للمتعلم بدعوى أنها نظريات علمية محترمة.
تاسعًا: غياب الروح الوطنية والشعور بالانتماء عند البعض: استثمار مخرجات التعلم الفعال هدف سام من شأنه أن يرفد المعرفة بأشخاص أكفاء، لا سيما حين تنفق الدولة على تعليمهم نفقات باهظة الثمن. ويُلاحظ، في بعض الأحيان، أن نتاج هذه النفقات يذهب هدرًا. ولو أعطينا لما تقدم مثالًا في خريجي الجامعات الغربية والأسترالية من المبتعثين على نفقة الحكومة العراقية، فإن بعضهم تلقى مبالغ طائلة بآلاف الدولارات، إلا أنه هرب خارج البلد للحصول على جنسية أجنبية. ونتيجة لضعف متابعة الإجراءات القانونية والقضائية وعدم تفعيل القنوات الدبلوماسية لاستعادة هؤلاء ومحاكمتهم نتيجة إخلالهم بالعقد المبرم مع الحكومة، أُهدرت بسببهم مبالغ طائلة.



اضف تعليق