يمكنني أن أطلب من أي نظام ذكي أن يساعدني في تنظيم أفكاري، لكن عليه أولاً أن يعرف أفكاري. ويمكنه أن يقترح عليّ عشرات الطرق لفهم المشكلة، لكنه لا يعيش القلق الذي أعيشه ولا يعرف أي جملة قلتها لنفسي قبل النوم وظلت عالقة في ذهني. لذلك أصبحت أرى الكتابة الشخصية...
كان يا مكان في إحدى ليالي هذا الزمان، جلست أمام دفتر مفتوح بعد يوم طويل لم يحدث فيه، ظاهرياً، شيء يستحق أن يُكتب. كان يوماً عادياً: عمل، أحاديث متفرقة، مواقف صغيرة، ضيق لم أعرف مصدره، وتعب بدا أكبر من حجم ما أنجزته. أمسكت بالقلم على نحو عابر وكتبت: ((لا أعرف لماذا أشعر بكل هذا الثقل اليوم)). توقفت عند الجملة قليلاً. ثم كتبت ما حدث منذ الصباح، وما أزعجني، وما لم أقله لأحد. وبعد صفحات قليلة اكتشفت أن التعب لم يكن من العمل، وأن الضيق لم يكن بسبب ذلك الموقف الأخير الذي ظللت ألومه طوال اليوم. كانت هناك أشياء أخرى تراكمت بصمت، ولم ألاحظها إلا عندما بدأت أكتب.
منذ تلك اللحظة، بدأت أفكر في الكتابة بطريقة مختلفة. لم تعد اليوميات عندي محاولة لحفظ الأيام من النسيان، ولا سجلاً لما فعلته في الصباح وما حدث في المساء. أحياناً أكتب لكي أفهم لماذا غضبت، وأحياناً لكي أعرف ما الذي أخافه حقاً، وأحياناً أخرى لا أكتب إلا لأنني أشعر أن رأسي مزدحم إلى درجة لم أعد أميز فيها بين المشكلة الحقيقية والضجيج الذي صنعته حولها.
لطالما بدا لي أن الإنسان يعرف نفسه جيداً، ثم يكتشف عند أول لحظة صادقة مع ذاته أنه يعرف عنها أقل مما يتصور. نحن نقضي حياتنا داخل أفكارنا، وهذا القرب الشديد يجعل رؤيتها صعبة. الفكرة تمر بسرعة، والشعور يتبدل، والموقف ينتهي قبل أن نسأل أنفسنا ماذا فعل بنا. نعيش التجربة من الداخل، ولا نمتلك دائماً المسافة الكافية للنظر إليها.
الكتابة تمنحني هذه المسافة. عندما تكون الفكرة في رأسي، تبدو أحياناً ضخمة وغامضة وقادرة على احتلال كل شيء. وحين أكتبها، تبدأ في أخذ شكل محدد. يمكنني أن أعود إليها وأسأل: هل هذا ما أشعر به فعلاً؟ هل هذا هو سبب انزعاجي؟ هل المشكلة بهذا الحجم، أم أنني منحتها حجماً أكبر؟ وأحياناً أقرأ ما كتبته فأبتسم من نفسي، لأن أمراً بدا قبل ساعات وكأنه نهاية العالم تحول على الورق إلى موقف صغير كنت أستطيع التعامل معه بهدوء.
لهذا لا أرى اليوميات نوعاً من الحديث مع الورق. إنها، في جانب منها، محاولة لجعل التفكير مرئياً. ما يدور في الداخل سريع ومتشابك، أما الكلمات فتجبرني على التمهل. عليّ أن أختار الكلمة، وأن أحدد المعنى، وأن أضع سبباً بعد سبب ونتيجة بعد نتيجة. وفي هذه العملية نفسها يبدأ شيء من الفوضى في الانكشاف.
لكنني تعلمت أيضاً أن الكتابة ليست نافعة دائماً لمجرد أنني أكتب. مررت بأوقات كنت أفتح فيها الدفتر لأعيد كتابة الشكوى ذاتها. الشخص نفسه يزعجني، والمشكلة نفسها تؤلمني، والخوف نفسه يعود بالعبارات نفسها. كنت أظن أنني أفرغ ما بداخلي، ثم أكتشف أنني أعود إليه أكثر من ذي قبل. الصفحة لم تكن تساعدني على الخروج من الفكرة، لأنها تحولت إلى مكان أدور فيه حولها.
هنا أدركت الفرق بين أن أكتب ما أشعر به، وأن أكتب لأفهم ما أشعر به. الأولى قد تمنحني راحة مؤقتة، أما الثانية فتتطلب سؤالاً لا يكون مريحاً دائماً. بدلاً من أن أكتب: «أنا غاضب»، أحاول أن أسأل: «ممن أغضب؟ ولماذا أثر هذا الموقف فيّ إلى هذه الدرجة؟». وبدلاً من «أنا خائف من المستقبل»، يصبح السؤال: «ما الذي أخافه تحديداً؟ وما الذي أستطيع فعله الآن؟
هذه الأسئلة الصغيرة غيرت علاقتي بالكتابة. أصبحت الصفحة مكاناً لا أبحث فيه عن كلمات جميلة، وإنما عن إجابة صادقة. وقد تكون الإجابة أحياناً غير مريحة، كأن أكتشف أنني أؤجل قراراً أعرف أنه ضروري، أو أنني أكرر الخطأ نفسه، أو أن غضبي من الآخرين يخفي شيئاً لم أتصالح معه في نفسي.
أكثر ما يدهشني في العودة إلى اليوميات القديمة هو أن الإنسان يستطيع رؤية حياته بطريقة لا تمنحها له الذاكرة وحدها. بعد أشهر، قد أقرأ ما كتبته في فترة معينة، فأرى بوضوح ما لم أكن أراه وأنا أعيشها. أكتشف أن فكرة واحدة كانت تتكرر، أو أن علاقة معينة كانت تستنزفني قبل أن أعترف بذلك، أو أنني كنت أخاف شيئاً لم يحدث في النهاية.
الذاكرة انتقائية، وهي تتغير معنا. أما الكلمات التي كتبناها في لحظة معينة فتبقى شاهداً على الطريقة التي رأينا بها أنفسنا والعالم في ذلك الوقت. لهذا أحياناً لا أحتاج إلى قراءة ما كتبته لأتذكر الماضي، وإنما لأفهم كيف تغيرت.
وفي عصر تتدفق فيه المعلومات بسرعة تكاد تجعل الإنسان يعيش خارج رأسه باستمرار، أصبحت هذه المساحة أكثر أهمية بالنسبة إليّ. نحن نقرأ آراء الآخرين، ونتابع حياتهم، ونستمع إلى نصائح لا تنتهي عن النجاح والسعادة والعمل والعلاقات. حتى الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على أن يرتب لنا الأفكار ويقترح الإجابات ويكتب النصوص. لكن هناك سؤالاً لا تستطيع أي أداة الإجابة عنه بدلاً مني: ماذا يحدث داخلي أنا؟
يمكنني أن أطلب من أي نظام ذكي أن يساعدني في تنظيم أفكاري، لكن عليه أولاً أن يعرف أفكاري. ويمكنه أن يقترح عليّ عشرات الطرق لفهم المشكلة، لكنه لا يعيش القلق الذي أعيشه ولا يعرف أي جملة قلتها لنفسي قبل النوم وظلت عالقة في ذهني. لذلك أصبحت أرى الكتابة الشخصية، في زمن الذكاء الاصطناعي، كأنها محاولة للحفاظ على منطقة الحوار الداخلي.
ليس ضرورياً أن أكتب كل يوم. ولا أعتقد أن الإنسان يحتاج إلى دفتر فاخر أو طقوس معقدة لكي يبدأ. بعض أكثر الصفحات التي أثرت فيّ لم تتجاوز بضعة أسطر. أحياناً أكتب سؤالاً واحداً وأتركه مفتوحاً. وأحياناً أكتب قراراً لم أستطع اتخاذه. وفي أيام أخرى، أكتب شيئاً جميلاً حدث لي حتى لا تتحول ذاكرتي إلى أرشيف للمشكلات وحدها.
ربما تكون أكبر مشكلة في حياتنا أننا نمر بالتجارب أسرع مما نفهمها. يحدث الشيء، نغضب، نرد، نندم، ننتقل إلى شيء آخر، ثم تتراكم الأيام فوق بعضها. الكتابة تمنحني فرصة للعودة خطوة إلى الوراء. لا توقف الزمن، ولا تحل المشكلة بدلاً مني، لكنها تمنعني أحياناً من الاستمرار في الركض من دون أن أعرف إلى أين أذهب.ةولهذا فإنني لا أكتب يومياتي لكي أسجل حياتي فقط. أكتب لكي لا تضيع مني وأنا أعيشها.
وإذا أردت أن تجرب هذه الفكرة عملياً، فلا تبدأ بهدف كتابة صفحات طويلة أو الالتزام بطقس يومي صارم. جرّب لمدة أسبوع أن تمنح نفسك عشر دقائق في نهاية اليوم، ثم اكتب إجابات صادقة عن أربعة أسئلة: ما أكثر موقف بقي معي اليوم؟ لماذا أثر فيّ؟ ماذا كشف لي عن نفسي؟ وما الشيء الصغير الذي أستطيع فعله غداً؟
بعد أسبوع، لا تسأل كم صفحة كتبت. عد إلى ما كتبت واسأل سؤالاً آخر: ما الذي بدأ يتكرر؟ ستظهر لك، في الغالب، فكرة أو شعور أو سلوك لم تكن تلاحظه بوضوح. وهنا تبدأ الفائدة الأساسية من اليوميات: ليست في تحويل الإنسان إلى كاتب، ولا في إنتاج نصوص جميلة، وإنما في أن يصبح أكثر قدرة على قراءة نفسه.
فالصفحة البيضاء لا تعطي الإنسان دائماً جواباً جاهزاً، لكنها تمنحه شيئاً ربما نحتاجه أكثر من الأجوبة السريعة: فرصة هادئة كي يتوقف، وينظر إلى حياته، ويسأل نفسه بصدق: ماذا يحدث لي؟



اضف تعليق