أزمة القيادة وأثرها في حاضر العراق ومستقبله

دراسة تحليلية في إشكالية بناء الدولة وتحديات الأجيال القادمة

أزمة القيادة في العراق بوصفها أزمة رؤية ومنهج وثقافة سياسية، لا أزمة أشخاص فقط. فغياب التخطيط البعيد، وتغليب المصالح الخاصة، وتهميش الكفاءات والشباب، وضعف مواكبة التحولات، وتعدد الولاءات، كلها تعطل بناء الدولة. فالمستقبل مرهون بقيادة وطنية كفوءة تجعل الإنسان والمصلحة العليا أساس القرار والإصلاح والتنمية، وتستشرف الأجيال القادمة، وتعيد...

المقدمة

تمثل القيادة السياسية الرشيدة أحد أهم الشروط اللازمة لبناء الدولة، واستدامة استقرارها، وتحقيق مصالحها العليا، إذ إن الدول لا تُقاس بوفرة مواردها فحسب، وإنما بقدرتها على ترجمة تلك الموارد إلى قوة تنموية، ومؤسسات فاعلة، ومشروع وطني يستشرف المستقبل.

وفي الحالة العراقية، تبرز أزمة القيادة بوصفها واحدة من الإشكاليات البنيوية التي تؤثر في حاضر الدولة، وتلقي بظلالها الثقيلة على مستقبلها، ولا سيما في ظل امتلاك العراق موارد بشرية وطبيعية وموقعًا جيوسياسيًا يؤهله لأن يكون دولة محورية في المنطقة.

ويتمثل جوهر الأزمة في الفجوة بين متطلبات القيادة الوطنية الحديثة وبين أنماط من الممارسة السياسية التي يغلب عليها التفكير قصير الأمد، وتقديم المصالح الشخصية أو الحزبية أو الفئوية على المصالح الوطنية العليا، بما يحد من قدرة الدولة على صياغة رؤية بعيدة المدى للأجيال القادمة.

أولًا: غياب الرؤية الوطنية بعيدة المدى

إن أخطر مظاهر أزمة القيادة هو قصور الرؤية المستقبلية وعدم القدرة على النظر إلى العراق بعد عقود، لا بعد انتهاء دورة انتخابية أو مرحلة سياسية محددة. فالقيادة التي لا تمتلك مشروعًا واضحًا للتعليم والاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والطاقة والمياه والسكن، وتحقيق جميع مجالات الأمن القومي وعناصره، إنما تترك مستقبل البلاد رهينة للظروف والمتغيرات الخارجية وتهديداتها التقليدية وغير التقليدية المختلفة.

ويحتاج العراق إلى رؤية وطنية تمتد لعقود، تستند إلى استثمار موارده، وبناء اقتصاد منتج، وإعداد أجيال قادرة على التعامل مع التحولات التقنية والاقتصادية والثقافية المتسارعة، ولا سيما في المجالين السيبراني والذكاء الاصطناعي.

ثانيًا: تغليب المصالح الخاصة على المصالح العامة

لعل من أبرز مظاهر الأزمة، وفق هذا المنظور، تنامي السعي إلى الاستئثار بمقدرات الدولة والمناصب والمكاسب بدل التعامل معها باعتبارها مسؤولية عامة. وعندما تتحول السلطة من وسيلة لإدارة مؤسسات الدولة ومفاصلها إلى وسيلة لتراكم النفوذ والثروة، تتراجع قيمة تلك المؤسسات، ويضعف الشعور بالمواطنة، وتتعاظم الفجوة بين المجتمع والنخب الحاكمة.

كما إن نشوء شبكات ومراكز نفوذ ذات امتدادات جغرافية ومالية وتجارية واقتصادية، تحت عناوين شخصية أو حزبية، يهدد مبدأ تكافؤ الفرص، ويحول دون بناء دولة مؤسسات حقيقية.

ثالثًا: تهميش الكفاءات وعدم استثمار الطاقات الابتكارية الوطنية

لا يمكن لدولة أن تنهض وهي تستبعد عقولها عن عمليات التنمية المستدامة. ويشكل تهميش الكفاءات العلمية والمهنية والخبرات الوطنية خسارة مزدوجة، إذ تخسر الدولة خبراتها العلمية لصالح دول أخرى لم تنفق على إعدادها أي كُلف مادية ومعنوية، وتبعث في الوقت نفسه رسالة سلبية إلى المجتمع مفادها أن الكفاءة ليست معيارًا كافيًا للوصول إلى مواقع المسؤولية الرسمية في الدولة.

ومن ثم، فإن إصلاح الدولة العراقية يتطلب إعادة الاعتبار لمعايير الكفاءة والنزاهة والخبرة، وإبعاد المحاصصة السياسية والولاءات غير المهنية عن عملية اختيار القيادات الإدارية والعلمية والتنفيذية.

رابعًا: الشباب ومستقبل الدولة

يمثل الشباب العراقي أكبر رصيد استراتيجي للمستقبل، غير أن التعامل معه لم يكن سليمًا، إذ عُدّ كتلة انتخابية أو طاقة احتجاجية، ولم يُعتبر شريكًا في صناعة المستقبل، ما أدى، وما زال، إلى إهدار رأس المال البشري للدولة.

وتحتاج الدولة إلى سياسات عامة قابلة للتطبيق بعدالة في مجالات التعليم والتدريب والتوظيف وريادة الأعمال والابتكار، وإلى توفير بيئة تتيح للشباب المشاركة في صناعة القرار في جميع مستوياته. كما أن مكافحة الفقر والبطالة والإدمان والفراغ الثقافي ليست مسائل اجتماعية منفصلة، بل هي جزء من الأمن الوطني والاستقرار الاستراتيجي للدولة.

خامسًا: العجز عن مواكبة التحولات والمتغيرات العالمية

يشهد العالم تغيرات متسارعة في السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة والطاقة والذكاء الاصطناعي. ومن ثم، فإن القيادة التي لا تستشرف هذه التحولات، ولا تضع سيناريوهات للتعامل معها، تجعل الدولة في موقع المتلقي بدل الفاعل في جميع المجالات المدنية والأمنية والعسكرية.

ويحتاج العراق إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى استشرافها، ومن رد الفعل إلى صناعة المبادرة، ومن الاعتماد المفرط على الاقتصاد الريعي إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والإنتاج والتكنولوجيا.

سادسًا: الولاءات وتراجع مركزية الانتماء الوطني

تزداد خطورة الأزمة عندما تتعدد الولاءات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على حساب الولاء للدولة والوطن، فالدولة الحديثة لا يمكن أن تستقر إذا أصبحت المصالح الخارجية أو الحزبية أو الفئوية مقدمة على المصلحة الوطنية العليا.

ويقتضي بناء الدولة العراقية تعزيز مفهوم المواطنة، بحيث يكون الانتماء الوطني هو الإطار الجامع لجميع مكونات المجتمع، مع احترام التنوع الديني والقومي والثقافي، دون تحويله إلى أدوات للصراع السياسي.

سابعًا: توظيف الانقسامات المجتمعية

إن استخدام التقسيمات الدينية والمجتمعية، أو الهويات الفرعية، وسيلة للسيطرة السياسية يمثل خطرًا يتجاوز آثاره اللحظة الانتخابية، لأنه قد يؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإضعاف القيم المشتركة التي تشكل أساس الدولة.

والدولة المستقرة هي التي تحول التنوع إلى مصدر قوة، لا إلى أداة للاستقطاب، وتؤسس شرعيتها على المواطنة وسيادة القانون والعدالة وتكافؤ الفرص.

ثامنًا: مستقبل العراق ومسؤولية القيادة

إن مستقبل العراق لن يتحدد بموارده النفطية أو موقعه الجغرافي فحسب، وإنما بنوعية القيادة التي ستدير هذه الموارد، وتوظف الموقع، وتبني الإنسان. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من ثقافة إدارة السلطة إلى ثقافة بناء الدولة، ومن الحسابات الآنية إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.

فالقيادة الوطنية الحقيقية لا تنظر إلى العراق بوصفه غنيمة سياسية، ولا إلى السلطة بوصفها ملكية شخصية أو حزبية، وإنما تراها أمانة ومسؤولية تجاه الحاضر والأجيال القادمة.

الخاتمة

بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن أزمة القيادة في العراق ليست مجرد أزمة أشخاص، إنما هي في جوهرها أزمة رؤية ومنهج وثقافة سياسية. ومعالجتها تتطلب إعادة بناء مفهوم القيادة على أساس الوطنية والكفاءة والنزاهة والاستشراف والمساءلة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات والعقول والشباب.

إن العراق يمتلك من الموارد البشرية والطبيعية والتاريخية والجيوسياسية ما يؤهله لبناء دولة قوية فاعلة ومؤثرة، إلا أن ذلك مشروط بوجود قيادة تستطيع أن ترى أبعد من مصالحها المباشرة، وأن تدرك أن معيار نجاحها الحقيقي ليس مقدار ما تحصل عليه من امتيازات ونفوذ خلال وجودها في السلطة، وإنما ما تتركه للدولة وللأجيال بعد مغادرتها.

ولذا، فإن مستقبل العراق يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرته على إنتاج قيادة وطنية ذات رؤية استراتيجية، تجعل من الإنسان العراقي محور التنمية المستدامة، ومن الدولة إطارًا جامعًا، ومن المستقبل هدفًا سياسيًا، ومن المصلحة الوطنية العليا معيارًا لكل قرار وطني، سواء أكان على المستوى الداخلي أم الخارجي.

* تخصص: علاقات دولية ودبلوماسية

اضف تعليق