حقيقة الحياة التي تنشأ حين يتخلى الإنسان عن إرادته ويقبل بالعيش تحت سلطة الظلم. إنها تبدأ بالتمكين من الظلم حين يستسلم الإنسان للخوف أو الطمع أو الرغبة، ثم تنتقل إلى التطبع حين يصبح السكوت على الظلم عادة مألوفة. وبعد ذلك يصل إلى التطبيع فيستحسن القبيح، وتنقلب المفاهيم في نظره...
توقفنا في المقالين السابقين عند معنى السعادة في قول الإمام الصادق عليه السلام في زيارة الأربعين: «أكرمته بالشهادة وحبوته بالسعادة»، وعند قول الإمام الحسين عليه السلام: «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا».
وتبيّن أن السعادة في نهج الإمام الحسين عليه السلام لا تُعرّف باللذة المادية أو الراحة الجسدية، ولا تُقاس بما يحصل عليه الإنسان من مال ومكاسب. إنها ترتبط بالشهادة في سبيل الله وبذل المهجة والرضا بقضاء الله والتسليم له، كما ترتبط بالهداية التي يستلهمها الإنسان من الإمام الحسين عليه السلام بوصفه مصباح هدى وسفينة نجاة.
وتناولنا في المقال الثاني الحياة الطيبة باعتبارها من أبرز معاني السعادة. فالحياة الطيبة تقوم على الإيمان والعمل الصالح والحلال والقناعة، وتجعل الإنسان مطمئنًا ومستقيمًا ومتحررًا من الحرص والطمع. كما تبيّن أن سيرة الإمام الحسين عليه السلام أصبحت معيارًا لفهم السعادة، لأن أسمى معانيها ظهرت في يقينه وعطائه وموقفه من الحياة والموت.
أما في هذا المقال فننتقل إلى الشق الثاني من كلمته عليه السلام: «والحياة مع الظالمين إلا برمًا». فما المقصود بالحياة مع الظالمين؟ ولماذا تتحول هذه الحياة إلى ضيق شديد وتعب وملل منفّر؟ وكيف ينتقل الإنسان من مجرد الخوف أو الطمع إلى التعايش مع الظلم، ثم إلى اعتياده واستحسانه، حتى يصبح النفاق ثقافة سائدة في حياته ومجتمعه؟
وجود بجسد بلا معنى
ان السعادة تُعرف بنقيضها، فيقال إنها خلاف الشقاء. ومن أراد أن يعرف معنى السعادة احتاج إلى معرفة معنى الشقاء وآثاره. ومن هنا فإن فهم قول الإمام الحسين عليه السلام: «إني لا أرى الموت إلا سعادة» يكتمل بفهم قوله: «والحياة مع الظالمين إلا برمًا».
فالبرم في اللغة هو الضيق الشديد والتعب والارهاق النفسي والملل المنفّر. يقال: برم من الشيء إذا ضاق به وكرهه كراهة شديدة. وقد اختار الإمام الحسين عليه السلام هذه الكلمة ليبيّن طبيعة الحياة التي تنشأ حين يقبل الإنسان بالعيش تحت سلطة الظالم، صامتًا عن الحق، راضيًا بالذل والخنوع، أو متواطئًا مع ما يصدر عن الظالم من ظلم وفساد.
إنها حياة يكون فيها الإنسان موجودًا بجسده، لكنه يفقد المعنى الذي يمنح وجوده غايته وجدواه. يعيش من دون هدف حقيقي، ومن دون شعور بقيمة الحياة التي يعيشها، لأنه سلّم إرادته للظالم، ورضي بأن تكون أهدافه ورغباته تابعة لأهداف الظالم ورغباته.
ويمكن أن نفهم العيش مع الظالمين من خلال أربع مراحل متتالية. تبدأ بالتمكين من الظلم، ثم تنتقل إلى التطبع مع الظلم، وبعد ذلك إلى التطبيع الكامل معه، وتنتهي بالنفاق الذي يمثل نتيجة هذه المراحل وعصارة الشقاء الذي تحدث عنه الإمام الحسين عليه السلام.
التمكين من الظلم بالخوف والطمع والرغبة
المرحلة الأولى: هي التمكين من الظلم. وهذا التمكين لا يبدأ دائمًا بالقوة الخارجية وحدها، بل قد يبدأ حين يمكّن الإنسان الظالم من نفسه، ويسلمه إرادته وقراره بسبب الخوف أو الطمع أو الرغبة.
وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«فَمَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ وَأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللَّهِ فِي أَيْدِيهِمْ يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ لَجَمَعَكُمُ اللَّهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ»(1).
فالإنسان هو الذي يمنح الظالم فرصة السيطرة حين يلقي إليه زمامه ويسلم إليه أمره. وعند ذلك يستطيع الظالم أن يقوده بالشبهات والشهوات، وأن يجعله أداة لتنفيذ مشروعاته وأهوائه.
ومن أسباب التمكين من الظلم هو:
- الخوف: والإنسان بطبيعته قد يشعر بالخوف، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح خوفه من الظالم أكبر من خوفه من الله سبحانه وتعالى، فيلبسه هذا الخوف ثوب الذل.
فهو يخشى أن يقتله الظالم، أو يصادر أمواله، أو يحرمه من موقعه ومصالحه. ويخاف أن يعلن التزامه بالحق، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أو يظهر ولاءه لأهل البيت عليهم السلام.
وحين يستسلم الإنسان لهذا الخوف يصبح سهل الانقياد. ينخفض صوته، ويتخلى عن موقفه، ويمنح الظالم القدرة على التحكم في حياته. وقد يظن أنه اختار السلامة، لكنه في الحقيقة دخل طريق الذل الذي يسمح للظالم بالاستيلاء على إرادته.
- الطمع: فالظالم يفتح أمام الإنسان أبواب المال والمناصب والنفوذ، ويمنحه فرصة الحصول على ما يريد من دون رادع من أخلاق أو تقوى. فالطماع يرى في وجود الظالم فرصة للحصول على المال الحرام، أو الوصول إلى منصب لا يستحقه، أو ممارسة ما يريده من دون محاسبة. ولهذا كان الطمع من أبرز الأسباب التي دفعت بعض الناس إلى الوقوف في وجه الإمام الحسين عليه السلام.
وقد ظهر ذلك في موقف عمر بن سعد وغيره ممن عرفوا الحق، لكنهم سمحوا للطمع بأن يقودهم إلى معسكر الظلم.
وعن الإمام الباقر عليه السلام:
«بئس العبد عبد له طمع يقوده»(2).
فالطمع ليس حرص عابر في نفس الإنسان، بل يتحول إلى قائد يسوقه إلى حيث يريد الظالم. يغريه بالمال، ثم بالمنصب، ثم بالسلطة، حتى يصبح عبدًا لما يطمع فيه.
الرغبة: وهي الاهواء التي تذل الإنسان، فقد تتحول الشهوات والرغبات إلى قوة تقوده، خصوصًا حين يعيش الإنسان لنفسه وحدها، وينظر إلى الحياة من خلال ما يحقق لذته ومصلحته.
حيث يصبح هذا الإنسان أنانيًا لا يرى إلا ذاته، فيقبل بالظلم إذا كان يحقق له رغبة، ويسكت عن الباطل إذا كان يوفر له لذة أو منفعة.
وعن الإمام الباقر عليه السلام:
«وبئس العبد عبد له رغبة تذله»(3).
فالرغبة حين تسيطر على الإنسان تضعف إرادته وتجعله مستعدًا للتنازل عن كرامته. وحين تجتمع الرغبة مع الطمع والخوف يصبح الإنسان سهل الانقياد، ويستطيع الظالم أن يستمكن منه ويسيطر عليه.
وهذه هي الطريقة التي استطاع بها المستبدون على طول التاريخ أن يسيطروا على الناس. فهم يخيفون بعضهم، ويطمعون بعضهم الآخر، ويفتحون أبواب الشهوات لمن يريد أن يتخلى عن موقفه.
وقد وصف القرآن الكريم طريقة فرعون في السيطرة على قومه فقال تعالى:
(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)الزخرف/54
لقد استخف فرعون قومه لأنهم مكّنوه من أنفسهم حين أطاعوه وخضعوا له. فالاستخفاف لا يكتمل إلا حين يتنازل الإنسان عن وعيه وإرادته، ويجعل الخوف والطمع والرغبة أقوى من ضميره وإيمانه.
ومن هنا لا يكون الوقوف على التل موقفًا آمنًا كما يتصور البعض، فالإنسان لا يستطيع أن يعزل نفسه عن الصراع بين الحق والظلم، لأن صمته قد يمنح الظالم فرصة التمكين، ويجعله شريكًا في استمرار الواقع الذي قد يرفضه في داخله لوهلة.
فالتمكين من الظلم لا يعني دائمًا أن يمارس الإنسان الظلم بنفسه، بل قد يتحقق حين يخضع له، أو يفتح أمامه الطريق، أو يسلمه إرادته، أو يصمت عن ممارساته خوفًا أو طمعًا أو رغبة.
التطبع مع الظلم وتحول الخضوع إلى عادة
المرحلة الثانية: وهي التطبع مع الظلم تبدأ بعد أن يمكّن الإنسان الظالم من نفسه. وفي هذه المرحلة يتعايش الإنسان مع الباطل تدريجيًا، حتى يصبح وجود الظلم أمرًا مألوفًا ومقبولًا في حياته.
والتطبع هو بداية تكوّن العادة في النفس. فكل صفة أو سلوك يبدأ بخطوة، ثم يتكرر حتى يصبح عادة مترسخة في داخل الإنسان، سواء كان ذلك السلوك صالحًا أو فاسدًا.
يبدأ الإنسان بالسكوت عن جريمة واحدة، ثم يسكت عن جريمة أخرى. ويقبل ظلمًا صغيرًا، ثم يصبح مستعدًا لقبول ظلم أكبر. ويتهاون في حكم من أحكام الحلال والحرام، ثم يعتاد هذا التهاون حتى يفقد حساسيته تجاهه.
وفي هذه المرحلة ينتقل الإنسان من الذل إلى الخنوع، والذل قد يكون ضعفًا يعيشه في موقف معين، أما الخنوع فهو استسلام أعمق يجعل الإنسان مسلمًا إرادته للظالم، وقابلًا بما يفرضه عليه.
ويأتي التطبع من خلال السكوت عن الجريمة والظلم والحرام والاستبداد. فالإنسان لا يعترض ولا يرفض ولا يحاول تغيير ما يستطيع تغييره، حتى يصبح الصمت جزءًا من سلوكه.
قال تعالى:
(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) التوبة/67.
هذه الآية تصور انقلابًا في وظيفة الإنسان، حيث يصبح المنكر هو الذي يؤمر به، والمعروف هو الذي ينهى عنه. ولا يحدث هذا الانقلاب دفعة واحدة، بل يبدأ بالتطبع مع المنكر والاستهانة بالمعروف.
وقد نرى في العصر الحديث أشكالًا من التطبع مع المنكر، حين تتحول بعض الممارسات المخالفة للفطرة إلى أمور عادية، ويستهان بالحلال والحرام، ويصبح المعروف موضع استغراب، بينما يقدم المنكر بوصفه سلوكًا طبيعيًا ينبغي قبوله.
ومن أهم العبارات في الآية قوله تعالى: «نسوا الله فنسيهم». فبداية التطبع أن ينسى الإنسان الله في خطوة واحدة، فيسير في طريق الحرام أو الظلم، ثم لا يرجع بالتوبة والاستغفار.
ولو أنه تاب بعد الخطوة الأولى لرجع إلى الطريق الصحيح، لكن تغافله يجعله ينتقل إلى خطوة ثانية ثم ثالثة، حتى يصبح الحرام عادة مستقرة.
وهذا هو معنى النسيان المتدرج، لا ينسى الإنسان الله في لحظة واحدة، بل ينساه كلما قدم هواه على طاعته، وكلما سكت عن باطل يعرفه، وكلما برر لنفسه معصية كان يستطيع تركها.
ولهذا ورد التحذير من صغار الذنوب، لأن الذنب الصغير إذا استهان به الإنسان قد يجره إلى ذنب أكبر. ومع تكرار الذنوب يبدأ القلب بالتكيف معها، ثم يصبح ما كان يستنكره في البداية أمرًا مألوفًا لا يثير فيه قلقًا أو ندمًا.
والتطبع مع الظلم لا يبقى أثره في الفرد وحده، بل ينتقل إلى الأسرة والمجتمع. فالآباء الذين يسكتون عن الظلم ويبررونه قد يربون أولادهم على هذا الصمت، حتى تصبح الطاعة العمياء والخنوع جزءًا من التربية والثقافة العامة.
ويصبح الإنسان مع الوقت متعايشًا مع المنكر، لا لأنه اقتنع به منذ البداية، بل لأنه كرر السكوت عنه حتى فقد القدرة على استنكاره. ومن هنا تظهر خطورة العادة حين تتحول إلى جزء من تكوين النفس، لأن تغييرها بعد رسوخها يكون أشد صعوبة.
التطبيع مع الظلم وقسوة القلب
المرحلة الثالثة: التطبيع الكامل مع الظلم، حين يتراكم التطبع فينتقل الإنسان إلى التطبيع، والفرق بين التطبع والتطبيع أن التطبع هو عملية التراكم التدريجي للعادات والمواقف، أما التطبيع فهو أن يصبح الظلم جزءًا من البنية الثقافية والتربوية والسلوكية للإنسان والمجتمع.
في مرحلة التطبيع لا يعود الظلم أمرًا مستنكرًا، بل يصبح طبيعيًا. ولا يعود القبيح قبيحًا في نظر الإنسان، بل قد يستحسنه ويدافع عنه ويشارك فيه ولو لم يمارسه بنفسه.
وعن الإمام الجواد عليه السلام:
«مَنِ استَحسَنَ قَبيحاً كانَ شَريكاً فيهِ»(4).
فالإنسان قد لا يرتكب الفعل القبيح بيده، لكنه حين يستحسنه ويدافع عنه ويسوغ وقوعه يصبح شريكًا فيه. وهذا يفسر ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: « من أحب قوما حشر معهم، ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم»(5).
والاستحسان هنا نتيجة لقلة الوعي وضعف الفهم وعدم التفقه، فالإنسان الذي لا يتعلم ولا يراجع مواقفه قد يقع تحت تأثير التضليل، فينظر إلى القبيح على أنه حسن، وإلى الظلم على أنه ضرورة، وإلى الفساد على أنه إصلاح.
وقد كان هذا من أهداف الغزو الثقافي والتضليل الإعلامي على طول التاريخ. فالظالم لا يعتمد على القوة وحدها، بل يعمل على تغيير وعي الناس، حتى يتقبلوا ما يفعله ويعدوه أمرًا طبيعيًا.
وقد استخدم الطغاة أساليب متعددة لتحقيق ذلك، كما حدث في زمن معاوية، حيث استعمل التضليل والترغيب والوسائل التي تجعل الناس يتقبلون الواقع شيئًا فشيئًا، حتى قيل: «إن لله جنودًا من عسل»(6).
ومع استمرار هذا التضليل تصبح الفطرة الحقيقية هي الغريبة، ويصبح السلوك المخالف لها هو الطبيعي. فلا يعود الناس يرون الظلم شذوذًا عن الأخلاق، بل يصبح جزءًا من عاداتهم ومعاييرهم.
قال تعالى:
(وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) التوبة/101.
ومعنى «مردوا على النفاق» أنهم تمرسوا عليه وتطبعوا به حتى صار متجذرًا فيهم. وهذا يكشف خطورة التطبيع، لأنه لا يجعل الإنسان يمارس السلوك الفاسد فقط، بل يعيد بناء شخصيته على أساسه. ويعبر عن ذلك التجذر والاستمكان العميق هو قوله تعالى:
(فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) البقرة10/12.
إنه مرض يستوطن في القلب ويزداد استيطانا مع استمرار الإنسان في الكذب والتبرير. وتصل خطورته إلى أن تنقلب المفاهيم، فيرى المفسد نفسه مصلحًا، ولا يعود قادرًا على التمييز بين الفساد والإصلاح.
وقد يبرر الإنسان الظلم باسم حماية المجتمع، أو الدفاع عن المكاسب، أو المحافظة على الاستحقاق، أو رد مظالم سابقة. لكنه حين يقبل بأن يظلم الآخرين يكون قد دخل في المنهج نفسه الذي كان يرفضه.
فالظلم لا يتحول إلى عدل بسبب هوية من يمارسه، والقبيح لا يصبح حسنًا بسبب المصلحة التي يراد تحقيقها من خلاله. وقد علمنا الإمام الحسين عليه السلام أن نقف ضد الظلم مهما كان مصدره، وألا نبرره للظالم بحجة المصلحة أو الانتماء.
والتطبيع الكامل مع الظلم يقود إلى قسوة القلب. وقسوة القلب من المفاهيم المهمة في علم الأخلاق والهداية والبصيرة، لأنها تعني أن الإنسان فقد قدرته على التأثر بالحق والرحمة والرأفة.
وقد تكون هذه القسوة نتيجة لعادات سيئة تربى عليها الإنسان، ثم ترسخت في داخله حتى أصبح تغييرها شديد الصعوبة. فهو يفعل السلوك نفسه من دون أن يشعر بقبحه، ويؤذي الآخرين من دون أن يتحرك ضميره.
وقسوة القلب تعني غياب الرحمة والقدرة على الإحساس بآلام الآخرين. فالإنسان القاسي لا يراعي حقوقهم ولايتعاطف معهم، ويفقد بوصلته في القيم والأعراف والضمير.
قال تعالى:
(لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) الحج/53.
تجمع هذه الآية بين الفتنة ومرض القلب وقسوته والظلم والشقاق. وهي تقدم صورة متكاملة للحياة التي تنشأ تحت سلطة الظالمين.
فالإنسان يعيش في فتنة لا يعرف فيها الحق من الباطل، ولا يعرف بمن يثق ولا إلى أين يتجه. ويصبح المجتمع مرتعًا للرذائل والشكوك والصراعات، وتغيب منه الطمأنينة والأمان.
وتعمل الأنظمة الاستبدادية على إماتة قلوب الناس بالعنف والتضليل وتكريس النزاعات، وتشركهم في استحسان القبيح والظلم والنميمة والتجسس بعضهم على بعض.
فالواحد يبلغ عن الآخر، وكل جماعة تتهم الأخرى، ويتحول الناس إلى خصوم يتكالب بعضهم على بعض. وإذا فرقهم الظالم استطاع أن يستمكن منهم.
إن نشر الحقد والكراهية والصراع بين الناس من أدوات الطغاة، لأن المجتمع المتماسك يصعب إخضاعه، أما المجتمع المنقسم فإن أفراده ينشغلون بالصراع فيما بينهم، ويتركون الظالم يوسع سلطته.
وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة لا يعود الإنسان يأمن حتى أهله ومن حوله، لأن الثقة تكون قد انهارت، وكل فرد ينظر إلى الآخر بعين الشك والحذر.
وهذه الحياة هي التي وصفها الإمام الحسين عليه السلام بالبرم. إنها حياة الفتنة وغياب الأمان والطمأنينة، حيث يضيق الإنسان بما حوله، ويجد نفسه في واقع ممتلئ بالشك والحيرة والضلال.
ومن صور التعاسة أن يعيش الإنسان في مثل هذه الأجواء، فلا يعرف أين يسير ولا إلى أين يصل، ولا يجد في واقعه ما يمنحه الاستقرار والثقة والسكينة.
النفاق واغتراب الإنسان عن ذاته
المرحلة الرابعة: النفاق، فإذا استمر التمكين من الظلم والتطبع والتطبيع يصل الإنسان والمجتمع إلى النفاق. وعندما يصبح النفاق ثقافة سلوكية سائدة تفتح الأبواب أمام الرذائل كلها.
النفاق من أشد الحالات خطورة على الإنسان، لأنه يفقده وحدته الوجودية. يظهر شيئًا ويبطن شيئًا آخر، ويتكلم بلسان لا يعبر عن قلبه، ويتخذ موقفًا لا يؤمن به في داخله.
ومع استمرار هذه الحالة يفقد الإنسان انسجامه الداخلي، ويضعف لديه وضوح الموقف والغاية والانتماء. يكون جسده حاضرًا، لكنه لا يملك موقفًا ثابتًا ولا انتماءً صادقًا إلى دين أو مجتمع أو عائلة أو قيمة.
بل قد يفقد انتماءه إلى ذاته، لأنه يعيش في تناقض دائم بين ما يظهره وما يخفيه. وهذا هو الاغتراب عن الذات، حين يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه، ولا يعرف حقيقته ولا يستطيع أن ينسجم مع نفسه.
وقد حذر القرآن الكريم كثيرًا من النفاق، وجعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار، لما في النفاق من فساد عظيم وآثار مدمرة في المجتمع.
وقد يدعي الإنسان محبة أهل البيت عليهم السلام، لكنه لا يظهر هذه المحبة في طاعته وموقفه وسلوكه. فالمحبة الحقيقية تعرف بالطاعة والالتزام بالقيم التي نهض من أجلها أهل البيت عليهم السلام، لا بمجرد الادعاء.
وعن الإمام الباقر عليه السلام:
«بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكُونُ ذَا وَجْهَيْنِ وَذَا لِسَانَيْنِ، يُطْرِي أَخَاهُ شَاهِداً، وَيَأْكُلُهُ غَائِباً؛ إِنْ أُعْطِيَ حَسَدَهُ، وَإِنِ ابْتُلِيَ خَذَلَهُ»(7).
هذا الإنسان لا يملك شخصية ثابتة. يمدح أخاه في حضوره، ثم يغتابه ويطعنه في غيابه. وإذا نال أخوه نعمة حسده، وإذا أصابته محنة خذله.
وهذه الازدواجية هي ثمرة المراحل السابقة. فالذي وقع في التمكين من الظلم، ثم تطبع مع سلوكه، ثم قبل بتطبيع الظلم في حياته، يصل في النهاية إلى النفاق.
والنفاق يؤدي أيضًا إلى غياب الأهداف الحقيقية، لأن الإنسان يصبح متعايشًا مع أهداف الظالمين. يعمل لمصالحهم، ويحمي مكاسبهم، ويفقد عزيمته على بناء مشروعه الخاص في الحياة.
وعن الإمام علي عليه السلام:
«مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ وَأَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ الْهِمَمِ»(8).
فالإنسان الذي يفقد عزيمته وهمته يصبح عاجزًا عن أداء دوره، ويعيش في حالة من السكون والجمود. والنفاق يزيد هذا الضعف، لأنه يجعل الإنسان مترددًا ومنقسمًا على نفسه.
كما يقود النفاق إلى الاغتراب النفسي والقلق وضياع الهوية ومسخ الشخصية. فالإنسان لا يعرف أين يقف، ولا يشعر بالأمان، ويعيش خائفًا من انكشاف حقيقته.
أما الذي يسلم وجهه لله ويكون محسنًا فإنه يجد الطمأنينة والأمان. قال تعالى:
(بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة/112.
وقال تعالى:
(أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) يونس/62.
فالخروج من الخوف والحزن والاغتراب يتحقق حين يسلم الإنسان نفسه لله تعالى، لا حين يسلم زمامه للظالم. فالإنسان الذي ينتمي إلى الله يعرف غايته ويستقر قلبه، أما الذي يجعل نفسه تابعًا للطاغية فإنه يبقى قلقًا خائفًا متناقضًا ضائعا.
تطبيق مراحل السقوط في الذين قاتلوا الإمام الحسين
يمكن أن نقرأ هذه المراحل في حال الذين وقفوا في وجه الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء.
فبعضهم كان في مرحلة التمكين من الظلم، حيث قاده الخوف إلى معسكر بني أمية. وبعضهم كان قد تطبع مع الطاعة للسلطة والسكوت عن ظلمها. وبعضهم وصل إلى مرحلة التطبيع، فأصبح يستحسن ما يفعله المعسكر الأموي ويبرره.
وكثير منهم عاش النفاق الحقيقي، لأنه كان يعرف منزلة الإمام الحسين عليه السلام ويظهر الانتماء إلى الإسلام، لكنه وقف في الميدان ضد ابن رسول الله صلى الله عليه وآله.
وقد يكون المنافق غير مدرك تمامًا لحقيقة نفاقه، لأنه اعتاد التناقض حتى أصبح لا يرى نفسه على حقيقتها.
وقد ذُكر أن جماعة ممن أُحضروا إلى كربلاء كانوا يقفون جانبًا ويقولون: إن نزل النصر على الحسين كنا معه. وهذا الموقف يكشف أنهم لم يملكوا الشجاعة الكافية للانحياز إلى الحق، بل انتظروا النتيجة حتى يكونوا مع المنتصر.
وهذا هو أثر الخوف والطمع والتطبع. فالإنسان يعرف الحق، لكنه لا يتحرك نحوه، لأنه لا يريد أن يخسر مصالحه أو يعرض نفسه للخطر.
السعادة ليست في المظاهر والمكاسب
إذا أردنا أن نتحدث مع شبابنا ومجتمعاتنا وأسرنا عن معنى السعادة، فعلينا أن نتعلمها من الإمام الحسين عليه السلام. فالسعادة ليست في الأكل اللذيذ، ولا في اللباس الجميل، ولا في كثرة السفر. هذه كلها وسائل يمكن للإنسان أن ينتفع بها، لكنها لا تصنع وحدها السعادة التي تستقر في القلب.
كما أن السعادة لا تعني أن يسير الإنسان مع كل موضة، أو يركض وراء كل ما تقدمه شبكات التواصل الاجتماعي، أو يجعل قيمته في كثرة ما يملك ويعرض أمام الآخرين.
السعادة كما علمنا الإمام الحسين عليه السلام هي أن يتعلم الإنسان كيف لا يعيش ذليلًا، وكيف يحمي قلبه وشخصيته من المراحل التي تقوده إلى النفاق.
فالإنسان الذي يتربى على عادات مادية لا تنتهي رغباته، ويظل يبحث عن المزيد حتى يصبح أسيرًا لما يملك.
والخوف أحد أسباب التمكين من الظلم، لكن الطمع والحرص والرغبة الشديدة في الدنيا تفتح أبوابًا واسعة للظالم. فإذا وصل الإنسان إلى حالة من التشبع المادي بقي يدافع عن مكاسبه ومغانمه بكل وسيلة، لأنه تصور أنها مصدر سعادته.
وحين يخاف خسارة هذه المكاسب يبدأ بتبرير الظلم. يرى الظالم يرتكب جريمة فيبحث له عن عذر، ويرى الآخرين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فيتهمهم ويسقطهم، لأنه يعدهم خطرًا على مصالحه.
وقد يبرر ذلك باسم الحفاظ على المكاسب أو الاستحقاق التاريخي، فيرى أنه تعرض للظلم في الماضي، ولذلك يحق له أن يسكت عن ظلم جديد أو يكون شريكًا فيه.
لكن الظلم لا يتغير حكمه بتغير الشخص الذي يمارسه، ولا يصبح القبيح مقبولًا بسبب مصلحة يراد تحقيقها. وهذه هي القاعدة التي علمنا إياها الإمام الحسين عليه السلام حين وقف ضد الظالم من دون أن يبرر له أو يتعايش مع ظلمه.
فإذا بدأ الإنسان بتبرير الظلم وقع في التمكين منه، ثم اعتاد السكوت والتبرير حتى أصبح الظلم جزءًا من ثقافته وسلوكه، وكانت النتيجة فقدان صدقه الداخلي والدخول في النفاق.
وهذه المراحل لا تقف عند الجيل الذي يعيشها، بل تنتقل إلى الأبناء. فالأسرة التي تبرر الظلم تربي أولادها على التطبيع معه، ويصبح ذلك منهجًا متكاملًا في التربية.
ومن أبرز أسباب سكون المجتمعات وجمودها أن تتربى على هذه المراحل الأربع. فالمجتمع الذي يمكّن الظالم من نفسه، ثم يعتاد وجوده، ثم يجعل سلوكه طبيعيًا، يصبح أقرب إلى الخنوع وفقدان القدرة على مقاومة الظلم.
مصير الظالم ومن مكّنه من نفسه
يختم كلام أمير المؤمنين عليه السلام هذه القضية بوضوح في هذه الرواية:
«فمكنتم الظلمة من منزلتكم...».
إن الذين يعملون للظالم ويبيعون آخرتهم بدنياه هم الذين مكنوه من أنفسهم. تركوه يعمل بالشبهات ويسير في الشهوات، ثم أصبحوا أدوات في يده ينفذون ما يريد.
لكن الظالم لا يبقى إلى الأبد. فلكل طاغية يوم ينتهي فيه، وحين ينهار ينهار معه الذين ربطوا مصيرهم به، لأنهم لم يبنوا لأنفسهم وجودًا مستقلًا، بل جعلوا حياتهم امتدادًا لحياته.
وقد رأينا ذلك في انهيار الدولة الأموية وفي سقوط كثير من الطغاة. فالذين عاشوا مع الظالم وتطبعوا معه وربطوا مصالحهم بمصالحه انهاروا بانهياره.
ولا يقتصر أثر ذلك عليهم وحدهم، بل قد يمتد إلى أولادهم والأجيال التي ربوها على الخضوع والتطبيع.
ومن هنا نفهم معنى قول الإمام الحسين عليه السلام:
«ومثلي لا يبايع مثله».
فالإمام لم يقل فقط: أنا لا أبايعه، بل قال: «مثلي لا يبايع مثله». إنه يضع قاعدة لكل إنسان يحمل قيم الحق والكرامة، بأنه لا يمكن أن يسلم زمامه للظالم، ولا أن يمنحه الشرعية والتمكين.
خاتمة وتمهيد للمقال الرابع
يكشف قول الإمام الحسين عليه السلام: «والحياة مع الظالمين إلا برمًا» عن حقيقة الحياة التي تنشأ حين يتخلى الإنسان عن إرادته ويقبل بالعيش تحت سلطة الظلم.
إنها تبدأ بالتمكين من الظلم حين يستسلم الإنسان للخوف أو الطمع أو الرغبة، ثم تنتقل إلى التطبع حين يصبح السكوت على الظلم عادة مألوفة. وبعد ذلك يصل إلى التطبيع فيستحسن القبيح، وتنقلب المفاهيم في نظره، وتقسو نفسه حتى لا تعود تتأثر بالحق. وتكون النهاية هي النفاق، حيث يفقد الإنسان وحدته الداخلية وهدفه وانتماءه، ويعيش غريبًا عن ذاته.
هذه المراحل توضح لماذا وصف الإمام الحسين عليه السلام الحياة مع الظالمين بالبرم. فهي حياة الضيق والقلق والفتنة وغياب الأمان، حتى لو ظن الإنسان أنه يحمي نفسه ومصالحه.
أما السعادة الحقيقية فتبدأ حين يسلم الإنسان وجهه لله ويحفظ كرامته، ولا يسمح للخوف والطمع والرغبة بأن تجعله أداة في يد الظالم. ومن هنا كان موقف الإمام الحسين عليه السلام طريقًا لتحرير الإنسان من الخضوع، وحماية قلبه من القسوة، وشخصيته من النفاق.
وعن الإمام علي عليه السلام: «خلو الصدر من الغل والحسد من سعادة العبد»(9).
فالإنسان السعيد هو الذي يخلو قلبه من الغل والحسد والحقد والكراهية. أما إذا امتلأ قلبه بهذه الأمراض فإنه يعيش الشقاء ولو ظهر أمام الناس في صورة الناجح أو القوي.
وفي المقال الرابع: سوف نجد أن أشد أشكال الشقاء خطورة لا يتجسد فقط في الانحياز الصريح للباطل، بل في سلوك مسلك "المنطقة الرمادية" والادعاء الواهي بالحياد. فالمنطقة الرمادية هي تلك المساحة التي يزعم قاطنوها أنهم ليسوا مع الباطل ولا ضد الحق، لكنهم يفتقرون إلى الهمة والمسؤولية لنصرة الحق والوقوف بوجه الباطل. حيث يتوهم المحايد أنه بوقوفه على التل والاعتزال قد حقق لنفسه الأمان والراحة وتجنب الألم والمشكلات.
انتهى المقال الثالث من السلسلة...



اضف تعليق