تشير المواجهة الأميركية مع إيران إلى انتقال تدريجي من الاستنزاف الواسع نحو ضغط استراتيجي أكثر انتقائية، يركز على مضيق هرمز وشبكات الالتفاف على العقوبات، مع محاولة ضبط التصعيد ومنع اتساعه. غير أن الردود الإيرانية وتوسيع مسارح المواجهة يهددان هذا النموذج، ويجعلان الأشهر المقبلة مفتوحة على الاحتواء المحدود أو التصعيد...
تطرح موجة الضربات الأميركية على أهداف عسكرية وبنى تحتية إيرانية قبل شهر أيلول سؤالًا محوريًا في نسق المواجهة بين الطرفين: هل تعيد الولايات المتحدة أولوياتها في مواجهة إيران، من نمط استنزاف واسع النطاق إلى نموذج انتقائي محسوب متعدد الأدوات يركز على مضيق هرمز؟
تدعم عدة مؤشرات هذه القراءة، فتركيز الضربات جغرافيًا على الساحل الجنوبي للمضيق، ومنصات التهديد البحري، وتزامنها مع حزمة عقوبات جديدة من وزارة الخزانة في 24 آب المنصرم، استهدفت شبكات الالتفاف على العقوبات بدل الاقتصاد الإيراني ككل.
غير أن التطورات الأخيرة تدفع أكثر نحو التحفظ في تبني هذا المسار، ففي 8 أيلول دمرت القيادة المركزية الأميركية خمس ناقلات نفط إيرانية، وفي فجر 9 أيلول رد الحرس الثوري بإطلاق صواريخ باليستية ثقيلة على قاعدة الأزرق الجوية في الأردن، التي يستخدمها الجيش الأميركي، مع اعتراضات صاروخية في المفرق وإربد وعمان، في أول هجوم إيراني مباشر على الأردن بهذا الحجم منذ أشهر.
هذا يعني أن السؤال الحقيقي ليس: هل تحولت الولايات المتحدة إلى نموذج متحفظ ومحسوب في التصعيد؟ بل: هل يمكن لأي نموذج كهذا أن يبقى مستقرًا ومستمرًا، بعد أن اتسعت دائرة الأطراف المتضررة؟
منذ شباط 2026، خاضت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة ضربات واسعة شملت أهدافًا عسكرية واقتصادية وبنى تحتية موزعة على الجغرافيا الإيرانية. كانت هذه الحملة، بحكم اتساعها، مكلفة من حيث استهلاك الذخائر، وصعبة من حيث ترجمة التفوق العسكري إلى نتائج سياسية واضحة، وهي مشكلة تقليدية تتكرر في كل حملات القصف الاستراتيجي التي تفتقر إلى استراتيجية محددة.
لكن موجة التصعيد من 30 آب إلى 2 أيلول بدت مختلفة في طابعها، من حيث استهداف أميركي لمنصات صواريخ إيرانية في جزيرة لارك كانت -بحسب الرواية الأميركية- تُحمَّل بألغام بحرية موجهة لمضيق هرمز، ورادارات وقواعد بحرية وجوية قريبة من الساحل، واستهداف مباشر لناقلات نفط إيرانية بعد هجمات الحرس الثوري على سفن حربية أميركية. هذا الأسلوب في المواجهة بدا أضيق جغرافيًا وأكثر ارتباطًا بوظيفة محددة: منع إيران من إغلاق أو تهديد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
بالتوازي، لم تعد وزارة الخزانة الأميركية تكتفي بعقوبات قطاعية عامة، بل توجهت إلى الشبكات الوسيطة التي تسمح لإيران بتخفيف أثر العقوبات، وهو تحول من عقاب الدولة المباشر إلى خنق قنوات التكيف، وهو نمط عقوبات أثبت فعالية أكبر تاريخيًا من الحظر الشامل وحده.
قراءة هذا التحول في التصعيد المحسوب بدل الاستنزاف المفتوح تُبيّن أن الفارق الجوهري بين المرحلتين هو إدراك واشنطن أن قدرة إيران على التكيف والردع كفيلة بمواجهة حرب الاستنزاف؛ لذلك عملت على تفكيك القدرة المادية على تنفيذ تهديد معين قبل وقوعه: الزوارق السريعة، والألغام البحرية، ومنظومات الاستشعار، والصواريخ الساحلية. وهذا هو الفارق بين الردع بالعقاب «اجعل الكلفة مرتفعة بعد الفعل»، والردع بالمنع «اجعل الفعل نفسه غير ممكن».
من زاوية إدارة التصعيد، يخدم هذا التحول واشنطن بثلاث أفضليات:
1- يقلص استهلاك الذخائر والموارد العسكرية بعد ستة أشهر من الحملة الموسعة.
2- يضبط دائرة الأهداف بما يقلل احتمالات انزلاق غير محسوب نحو مواجهة إقليمية أوسع.
3- يحافظ على قدرة التصعيد اللاحق عند الحاجة بدل استنزافها دفعة واحدة.
لكن السؤال المطروح: هل التحفظ أو التصعيد المحسوب سيكون منهجيًا ومستقرًا؟ أم إنه مجرد هدوء مؤقت؟
المؤشرات الواقعية على التحول الاستراتيجي لا تنفي أن الأيام التي تلت 2 أيلول شهدت تصعيدًا متبادلًا لافتًا: هجمات إيرانية على ناقلات نفط ومسيرة بحرية أميركية، وصواريخ باليستية إيرانية على حاملة طائرات ومدمرة أميركيتين، إلى جانب ضربات أميركية استهدفت عدة ناقلات نفط إيرانية. هذا لا يشبه نموذجًا مستقرًا من التحفظ والتحول الاستراتيجي الثابت المُدار بعناية، بل يشبه، بشكل أكبر، دورة مواجهة واستهداف من خلال فعل ورد فعل لم تصل بعد إلى نقطة توازن واضحة.
وقد بلغت هذه الدورة نقطة مفصلية فعلية مع ضربة قاعدة الأزرق، فبحسب تقارير متعددة، كانت المنطقة تعيش هدوءًا نسبيًا دام نحو شهر قبل أن تُنهيه ضربات الناقلات والرد الصاروخي على الأردن. فالانتقال من استهداف قدرات بحرية في هرمز إلى استهداف قاعدة جوية أميركية داخل دولة ثالثة ليس تفصيلًا تقنيًا، بل إنه توسيع فعلي لمسرح المواجهة يتجاوز منطق المواجهات المحسوبة.
الاستنتاج الأكثر وضوحًا ليس أن واشنطن انتقلت إلى نموذج جديد ومستقر، بل إنها تفضل هذا النموذج وتحاول فرضه، بينما ترفض طهران قواعد اللعبة التي يقترحها هذا التحفظ في التصعيد الانتقائي، وترد بتوسيع الجبهة بدل الانحصار فيها.
وفي ضوء هذه المعطيات تبرز أمام الولايات المتحدة وإيران عدة مسارات للمواجهة في الأشهر القادمة:
1- إدارة التصعيد والانتقاء الجغرافي للضربات
من المرجح جدًا أن تعيد واشنطن فرض نمط ضربات محدودة ومركزة على قدرات التهديد البحري الإيرانية، مع ضغط اقتصادي شبكي متصاعد، فيستقر شكل من الاحتواء والضغط على إيران دون حرب مفتوحة. هذا المسار يتطلب أن تقتنع إيران بأن كلفة الرد المتصاعد تفوق عائده، وهو أمر لم يظهر بوضوح حتى الآن، خاصة مع تصاعد المواجهة بين الحوثيين وحكومة عدن المدعومة من السعودية، وهذا ما حصل في الوقت الحاضر. وقد يرافقه دخول الفصائل العراقية إلى خط التصعيد إذا فشلت مسارات تنظيم أو حصر سلاحها من قبل الحكومة العراقية الحالية، والمؤشرات الحالية ترجح ذلك، وحصوله يعني الذهاب إلى المسار التالي بشكل تدريجي.
2- الانزلاق إلى تصعيد واسع
قد تدفع الضربات المتبادلة على الناقلات والسفن الحربية الطرفين إلى دائرة تصعيد تتسع تدريجيًا حتى تفقد صفة الانتقائية أو الضبط المحسوب تمامًا، وتعود واشنطن إلى حملة موسعة شبيهة بموجة شباط الماضي، بكل ما تحمله من كلفة سياسية داخلية قبل انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني القادم، أو بعدها، والتركيز مرة أخرى على تدمير البرنامج النووي الإيراني في جبل الفأس وتدمير منشأة نطنز، كما لوّح بذلك الرئيس ترامب.
3- نقل مسارح الصراع
يُرجح في هذا المسار أن تختار إيران، إن ضاق الخناق في مضيق هرمز، نقل جزء من ضغطها إلى مسارح أخرى بدل خوض معركة مباشرة في المضيق، وهو ما بدأت ملامحه تظهر فعليًا: من ضرب قاعدتين في البحرين والإمارات أوائل أيلول، إلى استهداف قاعدة الأزرق في الأردن، ومحاولة ضرب مواقع قرب المفرق فجر 9 أيلول. هذا المسار يعقد حسابات واشنطن؛ لأنه يوسع الجبهة ويجر طرفًا ثالثًا «الأردن» وأطرافًا أخرى إلى معادلة لم يخترها، دون أن يمنح واشنطن هدفًا مركزيًا واضحًا للرد.
4- استهداف مراكز الطاقة
ربط مسار العقوبات الاقتصادية بمؤشرات الحرب بشكل متصاعد، مع زيادة استهداف الشبكات والقنوات المتخادمة ماليًا وطاقويًا مع إيران، لضبط حجم التدفقات المعاد توجيهها، كمحاولة لإضعافها عسكريًا من خلال زيادة الضغط الداخلي اجتماعيًا.
5- التلويح بالدبلوماسية والضربات المحددة
الإبقاء على قنوات تواصل دبلوماسية للتهدئة مع إيران، لكن بالتوازي مع الاستمرار بالضربات المحدودة المنتقاة؛ لأن نموذج التصعيد الانتقائي المحسوب يفقد جدواه إذا لم يكن مصحوبًا بمخرج تفاوضي محتمل يمنح الطرف الآخر حافزًا لقبول قواعد المواجهة بدل التصعيد. وهذا الاحتمال وارد إذا وافقت إيران على التفاوض، أو أنها ستصر على المقاومة لحرب الاستنزاف مع واشنطن، وهذا سيرتبط بنتائج الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة وما تتمخض عنها، فأي تراجع للحزب الجمهوري يقوي من مسارات هذا الاحتمال.
في الختام
أظهرت سياقات المواجهة الأميركية ضد إيران في الأسابيع الأخيرة تحولًا ملموسًا في التصعيد والضغط، عسكريًا واقتصاديًا، وهنالك دلالات على وجود مؤشرات حقيقية لمحاولة أميركية لإعادة ضبط استراتيجيتها تجاه إيران؛ عسكريًا نحو منع القدرة على تهديد الملاحة وإفقادها ورقة مضيق هرمز، واقتصاديًا نحو خنق شبكات وقنوات الالتفاف على العقوبات وإضعافها تدريجيًا.
لكن هذا التحول لا يزال قيد الاختبار الميداني، وقد فشلت واشنطن حتى صباح 9 أيلول في احتواء الرد الإيراني ضمن حدود المضيق بعد تدمير خمس ناقلات نفط إيرانية، وقابل ذلك رد صاروخي مباشر على قاعدة أميركية في الأردن، وهو تصعيد يتجاوز جغرافيًا وسياسيًا حدود الضغط الاستراتيجي المحسوب.
المتغير الحاسم في المرحلة المقبلة ليس حجم القوة الأميركية المستخدمة، بل قدرة واشنطن على منع اتساع الجبهة إلى أطراف أخرى كالأردن والإمارات والبحرين والكويت والسعودية، وقدرتها على تحويل تفوقها التقني والعسكري إلى معادلة ردع يقبل بها الطرف الآخر، وهو ما لم يتحقق بعد. بل تشير أحدث المؤشرات إلى أن الاتجاه الراهن أقرب إلى الانزلاق نحو تصعيد عسكري واسع بعد انتخابات التجديد النصفي، إذا لم ترضخ إيران، منه إلى تثبيت نموذج تصعيد استراتيجي انتقائي مستقر.



اضف تعليق