الذكي هو الذي يقرأ العواقب ويحسن استثمار عمره، ويعرف أن حقيقة السعادة تظهر في حسن الخاتمة، فيعقل طريق الإيمان، ويزهد في الحرام ويتحرر من هيمنة عالم الأشياء، ويبني بصيرته لينتفع بالعبر، ويخلص عمله لله، ويعمل على فهم ذاته وإصلاحها ومحاسبتها، ويتحرك نحو أهدافه العظيمة بالعزم والحزم والصبر والاستقامة والبذل...
تحدثنا في المقالات السابقة عن السعادة، وما يرتبط بها، والنتائج التي يصل إليها الإنسان عندما يختار طريقها ويسير في اتجاهها، وقد انطلقنا من قول الإمام الصادق عليه السلام في زيارة الأربعين وهو يصف الإمام الحسين عليه السلام: «أكرمته بالشهادة وحبوته بالسعادة»، لنفهم معنى السعادة في النهج الحسيني، وكيف أصبح الإمام الحسين عليه السلام ذاتًا تجسدت فيها السعادة بمعناها الحقيقي؛ فإذا أراد الإنسان أن يحيا سعيدًا فإن طريقه إلى ذلك يكون بالسير في درب الإمام الحسين عليه السلام، والتعلم من منهجه في كيفية النظر إلى الحياة واختيار الموقف وبناء الذات وحسن التعامل مع الدنيا.
وقد رأينا خلال المقالات السابقة أن السير في طريق الإمام الحسين عليه السلام يقود الإنسان إلى السعادة الحقيقية بما هي راحة واطمئنان نفسي، وإيمان وتقوى، وشعور بالحياة الحقيقية البعيدة عن الظلم والباطل والحرام؛ لأن الإمام الحسين عليه السلام أراد أن يستنقذ الإنسان من التعاسة، وأن ينقله إلى حياة حلال طيبة سعيدة، ملؤها الإيمان بالله سبحانه وتعالى والسير في طريقه من خلال نهج أهل البيت عليهم السلام.
وهنا نصل في خاتمة هذا البحث إلى قضية مهمة تتعلق بالذكاء في الحياة، وبكيفية توظيف الإنسان لعقله وعمره واختياراته للوصول إلى السعادة وحسن العاقبة.
معادلة الأذكياء في السعادة
الإنسان الذكي هو الذي يعرف إلى أين يتجه، وما النتيجة التي يريد أن يصل إليها، وكيف يريد أن تكون عاقبته وخاتمة حياته، ولذلك يكون الذكاء الحقيقي في معرفة السعادة التي تستحق أن يتحرك الإنسان نحوها، لأن قيمة الاختيارات لا تظهر في اللذة الآنية أو المكسب العابر وحدهما، وإنما تظهر بصورة أوضح في العواقب التي تنتهي إليها حياة الإنسان، وفي النتيجة التي يصل إليها بعد سلسلة طويلة من الخيارات والقرارات والمواقف التي اتخذها طوال عمره.
قد يعتقد الإنسان أن السعادة كامنة في المال، وأن زيادة المال تعني بصورة تلقائية زيادة السعادة، فيمضي عمره في الجمع والتحصيل ثم يصل إلى نهاية حياته ليجد أنه عاش في خواء واضطراب، وأن الأموال التي جمعها لم تمنحه السعادة التي كان ينتظرها؛ بل إن بعض الناس كلما ازداد المال عندهم ازداد طلبهم له، لأنهم يبحثون فيه عن سعادة لا يستطيع المال بذاته أن يعطيها، فيدخلون في عملية طلب مستمرة لا تصل بهم إلى الشبع النفسي والراحة الداخلية التي كانوا يريدونها.
من هنا يعرف العاقل كيف يستفيد من حياته، وكيف يستثمر عمره في الطريق الذي يؤدي به إلى العاقبة الحسنة، ولذلك يقول الامام علي عليه السلام: «أسعد الناس العاقل المؤمن»(1)، فالعقل لا يكتمل إلا بالإيمان، لأن الإيمان يربط الإنسان بعناصر الحياة الحقيقية، ويجعله قادرًا على الانسجام معها ومع النظام الذي وضعه الله سبحانه وتعالى، وعندما يتعقل الإنسان طريق الإيمان ويتحرك فيه تتحقق لديه حالة من التوازن والانسجام والراحة، ويصبح أكثر قدرة على فهم ما يريد من حياته وإلى أين يتجه بها.
وعن الامام علي عليه السلام: «إن أسعد الناس في الدنيا من عدل عما يعرف ضره، وإن أشقاهم من اتبع هواه»(2)، وهذه قاعدة مهمة في فهم السعادة؛ فالإنسان السعيد هو الذي يعرف ما يضره فيعدل عنه، ويدرك ما ينفعه فيسير إليه، ويوجّه اختياراته نحو ما يصلح ذاته وأسرته وحياته وينفع الآخرين، مستضيئًا بالعقل ومنهج أهل البيت عليهم السلام. أما التعيس فهو من يجعل الرغبات والشهوات محورًا للحياة، حيث أن الشهوة حالة عابرة مرتبطة بتلبية حاجة معينة، فإذا أصبحت هدفًا بذاتها دخل الإنسان في طريق لا يصل فيه إلى الشبع، وانتهت اللذة ليبدأ بعدها البحث عن لذة أخرى، في دوامة بعيدة عن الراحة الحقيقية والأمان الداخلي.
حسن العاقبة منتهى الاذكياء
وهنا تظهر أهمية حسن العاقبة في معادلة الذكاء والسعادة؛ فالإنسان الذكي ينظر إلى حياته بما هي مسار كامل، ويبصر الطريق منذ بدايته حتى يستطيع أن يصل إلى العاقبة الحسنة ويختم حياته بأحسن ختام، ولذلك يقول الامام علي عليه السلام: «إن حقيقة السعادة أن يختم للمرء عمله بالسعادة، وإن حقيقة الشقاء أن يختم للمرء عمله بالشقاء»(3). فالسعادة بهذا المعنى لا تختزل في لحظة عابرة، وإنما تظهر في الطريقة التي عاش بها الإنسان حياته والنتيجة التي انتهى إليها عمله.
ويمكن تقريب هذه الفكرة بما نراه في التجارة والاستثمار؛ فبعض الناس يدخل التجارة أو سوق الأسهم ويخسر لأنه لا يملك الذكاء التجاري الذي يمكنه من فهم حركة السوق، بينما يعرف الآخر متى يشتري ومتى يبيع، ومتى ترتفع الأسهم ومتى تنخفض، فيحسن إدارة تجارته ويصل إلى الربح. وكذلك الإنسان العاقل المؤمن يعرف كيف يربح تجارته في الدنيا والآخرة، ويحسن عاقبته في الدنيا من أجل الآخرة، فيعيش سعيدًا في الدنيا ويصل إلى السعادة في الآخرة، وهذه هي قمة الذكاء في استثمار العمر والحياة.
(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ) فاطر/29.
ويقول الامام علي عليه السلام في وصف المتقين:
«وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَلَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ، سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ، وَأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ الْمُتْرَفُونَ، وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلِّغِ وَالْمَتْجَرِ الرَّابِحِ»(4).
فالمتقون أحسنوا التصرف في الحياة، وربحوا في تجارتهم الدنيا والآخرة، وشاركوا أهل الدنيا في دنياهم من دون أن يسمحوا للدنيا بأن تستولي على آخرتهم؛ فكانت التقوى صورة من صور الذكاء التجاري الذي يجعل الإنسان يعيش الدنيا براحة واطمئنان، ويحفظ في الوقت نفسه عاقبته وآخرته.
والمتقي هو العاقل الذي يجتنب المحرمات والمعاصي والذنوب التي تؤدي إلى التعاسة وسواد القلب وتحجره وتصلبه، فيبقى قلبه لينًا ومرنًا وقادرًا على التعامل مع المشكلات والأزمات، ويستطيع أن يستغفر ويرجع ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى ويدفع بالتي هي أحسن؛ وبهذا يعيش راحة واطمئنانًا قد لا يعيشهما الذين جعلوا الدنيا أكبر همهم، لأن هؤلاء ربما خسروا الدنيا والآخرة، بينما أحسن المتقي استثمار الدنيا وربح معها الآخرة.
وفي مقابل هذه الصورة تقدم لنا زيارة الأربعين صورة الإنسان الذي أخطأ في معادلة الحياة، فنقرأ: «وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا، وَباعَ حَظَّهُ بِالأَرْذَلِ الأَدْنى، وَشَرى آخِرَتَهُ بِالثَّمَنِ الأَوْكَسِ»، فقد غرته الدنيا، وباع حظه بالأرذل الأدنى، واشترى آخرته بالثمن الأوكس؛ وهذا يعني أنه لم يحسن اغتنام فرص الحياة ولا الاستثمار في عمره وعاقبته، فاختار الأدنى البخس وترك الأعلى الثمين، بينما يعرف الإنسان الذكي قيمة ما بين يديه ويحسن توجيهه نحو العاقبة الحسنة.
وتظهر صورة عملية لهذه المعادلة عند زوار الإمام الحسين عليه السلام الذين يأتون في الأجواء الحارة ويتحملون الصعوبات ويمشون خطوات طويلة، ومع ذلك يشعرون بالسعادة؛ لأنهم يشعرون بأنهم يربحون لأنفسهم ويبنون ذواتهم ويستثمرون أعمارهم، فالجهد الذي يبذلونه في الطريق يصبح جزءًا من عملية تنمية الذات والاستثمار في العمر بالسير نحو الإمام الحسين عليه السلام. وهكذا يكون الذكي هو من يتخذ من الإمام الحسين عليه السلام طريقًا للسعادة.
غير أن تحقق هذه المعادلة يحتاج إلى مجموعة من العوامل التي تكمل بعضها بعضًا وتبني الإنسان في هذا الطريق.
أولًا: طاعة الله طريق السعادة
أول هذه العوامل طاعة الله سبحانه وتعالى؛ التي معناها أن يسير الإنسان في إطار السنن والقوانين الإلهية التي تنظم حياته وتضعه في الطريق الصحيح، ومن أجل هذه الطاعة نهض الإمام الحسين عليه السلام واستشهد حتى يعود الناس إلى طاعة الله ويخرجوا من طاعة الطاغوت. ولذلك فإن عملية الاستنقاذ التي نقرأها في زيارة الأربعين: «ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة»، هي انتقال بالإنسان من الجهالة والضلالة إلى معرفة الطريق وطاعة الله سبحانه وتعالى، ومن التشتت بين الطواغيت إلى الانسجام مع المنهج الإلهي والسنن الإلهية.
وطاعة الله تحقق حالة من الانسجام والنظام والوحدة الإنسانية؛ لأن الناس عندما يجتمعون على طاعة الله يتحركون في إطار مرجعية واحدة تنظم علاقتهم وتمنع الصراع بينهم، بينما يؤدي الابتعاد عن طاعة الله إلى تعدد الطاعات للطواغيت والأهواء، ومن هذا التعدد تنشأ الانشقاقات والصراعات والحروب.
ولذلك يقول الامام علي عليه السلام: «لا يسعد امرؤ إلا بطاعة الله سبحانه، ولا يشقى امرؤ إلا بمعصية الله»(5)، فالطاعة ميزان للسعادة، والمعصية طريق للشقاء، ثم يقول عليه السلام: «السعيد من أخلص الطاعة»(6)، ليؤكد أن الطاعة التي تبني السعادة هي الطاعة القائمة على المعرفة والإخلاص والنقاء والطهارة.
قال تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال 46، فالآية تربط الطاعة بوحدة المجتمع وقوته، وتربط النزاع بالفشل وذهاب القوة؛ لأن النزاع إذا اتسع تحول إلى فوضى وقسوة وصدام وأزمات وتفكك اجتماعي وانهيار أخلاقي، وحين تذهب «ريح» المجتمع التي هي –الريح: الراية التي ترفرف معبرة عن العزة والقوة- تذهب قوته ويصبح ضعيفًا أمام الآخرين.
وفي الاتجاه المقابل تقود الطاعة إلى الرحمة، كما يقول سبحانه: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) آل عمران: 132، ومع انتشار الرحمة تنتشر المحبة والعاطفة والتكافل والعطاء والتسامح، وهي جميعًا عناصر تدخل في بناء السعادة الاجتماعية.
وعن الامام علي عليه السلام: «وَرِضَاهُ أَمَانٌ وَرَحْمَةُ»(7)، فالحياة التي تقوم على رضا الله تقود إلى الأمن والرحمة والراحة، ويقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) محمد: 33، فتكون الطاعة طريقًا لحفظ العمل من الضياع ووضعه في المسار الذي يحقق غايته؛ وبهذا تصبح الطاعة بناءً للإنسان من داخله، وبناءً للمجتمع من خلال النظام والرحمة والأمان.
ويصف الامام علي عليه السلام السالك في طريق الله سبحانه وتعالى بقوله:
«قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ وَأَمَاتَ نَفْسَهُ حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ وَلَطُفَ غَلِيظُهُ وَبَرَقَ لَهُ لَامِعٌ كَثِيرُ الْبَرْقِ فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ وَسَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ وَتَدَافَعَتْهُ الْأَبْوَابُ إِلَى بَابِ السَّلَامَةِ وَدَارِ الْإِقَامَةِ وَثَبَتَتْ رِجْلَاهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الْأَمْنِ وَالرَّاحَةِ بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ وَأَرْضَى رَبَّهُ»(8).
وهذا النص يرسم صورة متكاملة للسعادة؛ إحياء للعقل، وإماتة للنفس، ولين بعد الغلظة، ووضوح للطريق، ثم سلامة وأمن وراحة وطمأنينة، وكل ذلك ينتهي إلى قوله: «بما استعمل قلبه وأرضى ربه».
وتكتسب عبارة «ولطف غليظه» أهمية خاصة في هذا السياق؛ فالإنسان قد يحمل في داخله العصبية والغلظة والتصلب، لكن السير في طريق الله وإحياء العقل والقلب وترويض النفس يجعل هذا الغليظ لطيفًا، فيتحول إلى إنسان أكثر مرونة وهدوءًا وقدرة على استقبال الآخرين والتعامل معهم، وهذه الحالة من اللطف والنعومة الداخلية تمثل جانبًا مهمًا من السعادة التي يصنعها رضا الله وطاعته.
وتكتمل طاعة الله بطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وأولي الأمر، كما يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً») النساء: 59، ومن هنا نصل إلى ولاية أهل البيت عليهم السلام بوصفها الطريق الذي يدل الإنسان على طاعة الله ويضع هذه الطاعة في مسارها الصحيح.
ثانيًا: ولاية أهل البيت عليهم السلام ونظام الحياة
طاعة الله سبحانه وتعالى تكتمل بطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وطاعة أهل البيت عليهم السلام وولايتهم، لأنهم هم الذين يدلون الناس على الله تعالى ويعرفونهم طريق طاعته؛ فالإنسان حين يطلب الوصول إلى الله عزوجل يحتاج إلى الطريق الذي أراده الله له، وإبليس أراد أن يطيع الله عزوجل بالطريقة التي يريدها هو، بينما أمره الله بالسجود لآدم، ولذلك تكون الطاعة الحقيقية التزامًا بما أراده الله، لا اختيار الإنسان شكل الطاعة بحسب هواه.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله للامام علي عليه السلام: «إن السعيد حق السعيد من أحبك وأطاعك، وإن الشقي كل الشقي من عاداك ونصب لك وأبغضك، يا علي»(9)، والتعبير هنا يؤكد معنى السعادة الحقيقية المرتبطة بالحب والطاعة؛ فمحبة أمير المؤمنين عليه السلام تتجسد في اتباع المنهج والسير خلف الطريق الذي يمثله، لأن أهل البيت عليهم السلام مناهج للحياة، وطاعتهم طريق لبناء حياة الإنسان ونظام المجتمع.
وعن الامام علي عليه السلام: «أسعد الناس من عرف فضلنا، وتقرب إلى الله بنا، وأخلص حبنا، وعمل بما إليه ندبنا، وانتهى عما عنه نهينا، فذاك منا وهو في دار المقامة معنا»(10)، وفي هذا النص ترتبط السعادة بمعرفة فضل أهل البيت عليهم السلام والتقرب إلى الله بهم وإخلاص حبهم والعمل بما دعوا إليه وترك فعل عما نهوا عنه، وتصل النتيجة إلى أعلى درجات السعادة حين يقول: «فذاك منا وهو في دار المقامة معنا».
وفي الزيارة الجامعة الكبيرة نقرأ: «سَعَدَ مَنْ وَالاكُمْ، وَهَلَكَ مَنْ عاداكُمْ، وَخابَ مَنْ جَحَدَكُمْ، وَضَلَّ مَنْ فارَقَكُمْ، وَفازَ مَنْ تَمَسَّكَ بِكُمْ، وَأَمِنَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْكُمْ، وَسَلِمَ مَنْ صَدَّقَكُمْ، وَهُدِيَ مَنْ اعْتَصَمَ بِكُمْ»(11)، وهذه الكلمات ترسم طريق السعادة والنجاة والأمان والهداية، وتجعل الولاية والتمسك بأهل البيت عليهم السلام محورًا لهذا الطريق؛ فالسعادة والفوز والأمان والسلامة والهداية ترتبط كلها بالتمسك بهم والسير في منهجهم.
ثم تنتقل الولاية من بناء الفرد إلى بناء المجتمع، فتقول السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام: «فَجَعَلَ اللهُ... وَالعَدْلَ تَنْسِيقاً لِلْقُلُوبِ، وَطاعَتَنَا نِظاماً لِلْمِلَّةِ، وَإمامَتنَا أَماناً لِلْفُرْقَةِ»(12)، وهنا نرى ترابط العدل والطاعة والإمامة؛ فالعدل يحقق تنسيق القلوب، وطاعة أهل البيت عليهم السلام تحقق النظام، وإمامتهم تحقق الأمان من الفرقة، وبذلك تتحول الولاية من علاقة فردية إلى أساس للتناسق الاجتماعي والتعايش والأمن والسلام.
وعن الامام علي عليه السلام: «الإمامة نظام الأمة»(13)، ويقول أيضًا: «وَالسَّلَامَ أَمَاناً مِنَ الْمَخَاوِفِ، وَالْأَمَانَةَ نِظَاماً لِلْأُمَّةِ، وَالطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلْإِمَامَةِ»(14)، كما يقول الإمام الرضا عليه السلام: «إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين»(15)، فتلتقي هذه النصوص عند معنى ارتباط الإمامة بالنظام وصلاح الدنيا وأمن المجتمع وعز المؤمنين؛ وبذلك تصبح طاعة أهل البيت عليهم السلام أساسًا لبناء السعادة الاجتماعية، لأنها تحفظ المجتمع من الفوضى والانشقاق وتضعه في طريق النظام والوحدة.
ويقول الامام علي عليه السلام: «وَلَو أنّ الأمَّة منذ قَبَضَ اللهُ نَبِيَّه اتّبعُوني وأطاعُوني لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِم ومِن تحتِ أرجُلِهِم رَغَداً إلى يَومِ القِيامة»(16)، وهو ما يكشف أن أثر الطاعة يمتد إلى صلاح الدنيا والرزق والاستقرار والرغد، لأن الإمامة في منهج أهل البيت عليهم السلام نظام للحياة كلها، وليست مسألة منفصلة عن واقع الناس ومعاشهم وأمنهم.
ومن هذا المنطلق نفهم نهضة الإمام الحسين عليه السلام بوصفها حركة لإرجاع الأمة إلى نظام الله سبحانه وتعالى ونظام أهل البيت عليهم السلام الذي يحفظ لها وحدتها وأمنها؛ فوجود الإمامة وطاعتها يصنع الوحدة والأخوة والتعايش والتناسق، بينما يؤدي الابتعاد عنها إلى الفوضى والانشقاق والتشرذم، ولذلك كانت حركة الإمام الحسين عليه السلام حركة لاستعادة الشرعية واستنقاذ الأمة من الشقاء وإعادتها إلى الطريق الذي يحقق لها النظام والسلامة.
وعن الامام علي عليه السلام: «فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً، وَأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشِّقْوَةِ»(17)، فالإنسان يمكن أن يعيش عمرًا طويلًا، لكن القيمة الحقيقية لهذا العمر تكون في طريقة استثماره والنتيجة التي يقوده إليها؛ وحين ينتهي العمر إلى الشقوة يصبح العمر نفسه حجة على صاحبه، لأن الأيام كانت فرصة للسعادة لكنه لم يحسن استخدامها.
وفي زيارة الأربعين نقرأ في وصف الذين توازروا على الإمام الحسين عليه السلام: «وَأَسْخَطَكَ وَأَسْخَطَ نَبِيَّكَ، وَأَطاعَ مِنْ عِبادِكَ أَهْلَ الشِّقاقِ وَالنِّفاقِ وَحَمَلَةَ الأَوْزارِ المُسْتَوْجِبِينَ النَّار»، وهنا تظهر العلاقة بين نوع الطاعة ونوع العاقبة؛ فقد تركوا طريق الله وأهل البيت عليهم السلام واتجهوا إلى طاعة أهل الشقاق والنفاق، فتحولت هذه الطاعة إلى سبب للتعاسة والشقاء. ومن يقرأ زيارة الأربعين بدقة يستطيع أن يعرف أي طريق يختار وأي طاعة يتبع، حتى يكون اختياره طريقًا إلى السعادة لا إلى الشقاء.
وهنا يظهر معنى آخر للذكاء؛ فالمجتمع الذكي لا يقيس ذكاءه بامتلاك التكنولوجيا وحدها، لأن التكنولوجيا وسائل صماء، وإنما يكون الذكاء الحقيقي بوعي الإنسان بالقواعد والسنن التي ينبغي أن يتبعها حتى يصل إلى غايته. فالذي يريد السفر إلى مكان معين يحتاج إلى طريق وخريطة ودليل يرشده، وكلما تحرك من دون طريق واضح ابتعد عن الهدف مهما كثرت خطواته؛ وكذلك الإنسان في حياته يحتاج إلى طريق ودليل، وولاية أهل البيت عليهم السلام هي الطريق الذي يرشده إلى طاعة الله وإلى السعادة.
ثالثًا: الزهد.. التحرر من عالم الأشياء
ومن العوامل المهمة في بناء السعادة الزهد، وهو من المفاهيم التي قد يساء فهمها عندما يحصر في التقشف أو لبس الثياب الخشنة أو الاكتفاء بأقل الطعام أو الابتعاد عن الدنيا، بينما الزهد في منهج أهل البيت عليهم السلام يحمل معنى أعمق؛ فهو من أهم عوامل السعادة، لأنه يحرر الإنسان من هيمنة الأشياء والماديات ويعيد إليه السيطرة على رغباته، بحيث تصبح الأشياء في يده ولا تتحول إلى قوة تستولي على قلبه ونفسه وحياته.
فالإنسان عندما يستغرق في عالم الماديات والأشياء يزداد طلبه لها، ومع ازدياد الأشياء قد تزداد تعاسته، لأن الممتلكات وحدها لا تشبعه؛ فقد تكون عنده سيارة فيريد أخرى، وبيت فيطلب غيره، ويحصل على شيء فتتولد في داخله رغبة جديدة، وهكذا تتحول الحياة إلى مطاردة مستمرة للماديات من دون أن تمتلئ النفس. ومن هذه الحالة ينشأ الحرص، ويمكن أن ينشأ الطغيان والانحراف الذي يقود الإنسان إلى اختيارات خاطئة، كما حدث مع الذين وقفوا أمام الإمام الحسين عليه السلام ودفعهم الحرص على الدنيا إلى معسكر الباطل.
وعن الامام علي عليه السلام: «السعيد من استهان بالمفقود»(18)، فالشيء الذي من طبيعته الفوات والفناء لا ينبغي أن يتحول إلى سجن نفسي يعيش داخله، وما لم يكن في يده لا ينبغي أن يصبح محورًا لحياته؛ ومن هنا يأتي معنى الزهد في أن يمتلك الإنسان الأشياء من دون أن تملكه الأشياء، فقد يكون عند شخص مال وممتلكات وقلبه غير متعلق بها، بينما قد لا يمتلك آخر هذه الممتلكات لكنه يعيش عمره كله أسير الرغبة فيها، ولذلك يكون الزهد الحقيقي في غنى النفس وقناعتها وكفافها وعفافها.
وعن الامام علي عليه السلام: «كفى بالمرء سعادة أن يعزف عما يفنى، ويتوله بما يبقى»(19)، فالذي يفنى لا ينبغي أن يستولي على قلب الإنسان، وما يفوته من الدنيا لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر دائم للهم والقلق؛ ولهذا يقول عليه السلام: «الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي وَلَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ»(20)، وهكذا يربح الإنسان الدنيا لأنه يعيش مرتاحًا من الحسرة واللهاث، ويربح الآخرة لأنه لم يجعل الدنيا غايته.
أما الإنسان الذي يظل يطارد الأشياء التي ليست في يده فإنه يدخل في القلق والهم والطمع والحرص والتحاسد، لأن الرغبة تتجدد في داخله كلما حصل على شيء؛ ومن هنا يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «وَالرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ النَّصَبِ وَمَطِيَّةُ التَّعَبِ»(21)، فالرغبة حين تتحول إلى محرك دائم تفتح أبواب التعب والمشقة، بينما يمنح الزهد الإنسان حالة من الراحة الداخلية والقدرة على التوازن مع ما يملك وما يفقد.
وعن الامام علي عليه السلام: «وَلَا زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الْحَرَامِ»(22)، وهنا يبدأ الزهد من نقطة عملية واضحة؛ أن يرى الإنسان الحرام أمامه فيتركه، ثم يتكرر هذا الموقف حتى ينشأ لديه ارتقاء معنوي وأخلاقي ونفسي، ويصل إلى مرحلة يستطيع فيها أن يزهد حتى في بعض الأشياء الحلال التي يقدر على اقتنائها لكنه لا يحتاج إليها، فتضعف رغبته في الدنيا وتقوى رغبته في الله سبحانه وتعالى.
ومن هنا يصبح الزهد عنصرًا مهمًا في بناء الارتباط بالإمام الحسين عليه السلام؛ فالإنسان الذي يريد أن يأخذ السعادة من ذات الإمام الحسين عليه السلام يحتاج إلى تربية نفسه على الزهد في الحرام وفيما يفوته من الأشياء، حتى لا يضيع في عالم الرغبات والممتلكات. فالذين اختاروا معسكر الباطل أمام الإمام الحسين عليه السلام عرفوا الحق، لكن طمع الدنيا وغرورها دفعهم إلى اختيار المعسكر الآخر، وهنا يظهر معنى قوله في زيارة الأربعين: «وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا...»؛ فالزهد برؤية أهل البيت عليهم السلام يستنقذ الإنسان من عالم الأشياء إلى عالم الراحة والاطمئنان.
رابعًا: البصيرة.. تذوق الحياة ومعرفة الطريق
البصيرة هي النافذة التي من خلالها يتم فهم معاني الحياة، وترتبط بالذكاء؛ لأن الإنسان الذكي هو الذي يبصر الطريق قبل أن يتحرك فيه، وجمال الحياة يكمن في الوعي بالنعم الإلهية والقدرة على تذوقها بمعناها الحقيقي. فالتذوق لا يتم باللسان وحده، وإنما يتذوق الإنسان الحياة بقلبه وعقله، وكلما ازدادت بصيرته ووعيه ازداد فهمه لمعنى النعم التي يعيش معها وأصبح أكثر قدرة على إدراك قيمتها والاحساس بلذتها.
قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) طه: 124-126، فالإعراض عن ذكر الله يؤدي إلى العمى الذي ينتهي إلى المعيشة الضيقة؛ لأن الإنسان لم يبصر الآيات التي كانت أمامه ولم ينتفع بما كان يراه ويسمعه.
ويقول سبحانه: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف: 179، وهنا يتضح أن وجود القلب والعين والأذن لا يكفي وحده؛ لأن القضية تتعلق بالوعي والبصيرة، فالإنسان يمكن أن يرى ولا يبصر، ويسمع ولا ينتفع بما يسمع، ويملك قلبًا لكنه لا يفقه به.
وعن الامام علي عليه السلام:
«فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ... وَلَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلَاتُ الْغُرُورِ، وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ، ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى وَرَاحَةِ النُّعْمَى، فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ وَآمَنِ يَوْمِهِ، وَقَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً، وَقَدَّمَ زَادَ الْآجِلَةِ سَعِيداً»(23)، فصاحب اللب شغل التفكر قلبه، وحمته بصيرته من فتن الغرور ومن اشتباه الأمور، فكانت النتيجة فرحة البشرى وراحة النعم والأمن والسعادة.
وقال تعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) طه: 2-3، فالقرآن تذكرة تقود الإنسان إلى الوعي الذي يحفظه من الشقاء، وصاحب البصيرة ينتفع بالتذكرة والعبرة؛ ولذلك يقول الامام علي عليه السلام: «وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ»(24)، فالسعيد يتعلم من تجارب الآخرين ونتائج اختياراتهم، وينظر إلى العواقب فيتعظ بها قبل أن يقع فيها.
وعن الامام علي عليه السلام: «فَلْيَنْتَفِعِ امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي وَالضَّلَالَ فِي الْمَغَاوِي»(25)، فالبصير هو الذي يسمع ويستمع فيتفكر، وينظر فيبصر وينتفع بالعبر، ونتيجة هو سلوكه الطريق الواضح لذلك يتجنب السقوط؛ وهذا هو الذكاء الذي يجعل الإنسان يفهم كيف يصل الى النعم الإلهية من خلال سلوك طريق أهل البيت عليهم السلام والوعي العميق بمعنى الإمام الحسين عليه السلام، ولا يقف عند النظرة السطحية إلى نهضته.
فالذكي المستبصر هو الذي يدرك ويفهم معنى كلمة الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء: «فقد ملئت بطونكم من الحرام، وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟ ألا تسمعون؟»، فيتجنب الهلاك والسقوط في هاوية الانحراف والضلال حين يتجنب الحرام، فالحرام يغلق القلب ويفقد الإنسان قدرته على الاستماع والتبصر، وهنا ينطبق عليه ما نقرأه في زيارة الأربعين: «وَتَغَطْرَسَ وَتَرَدّى فِي هَواهُ»، فقد تردى في هواه حتى أصبح غير مستعد للموعظة والنصيحة والتذكر والفهم؛ أما البصيرة فتعطي الإنسان القدرة على فهم الحياة والإمام الحسين عليه السلام، وتجعله يختار معسكر الحق والحلال ويسير بوعي مستقيم في طريق السعادة.
وهكذا نعود إلى بداية معادلة الأذكياء؛ فالذكاء الذي تحدثنا عنه ليس مجرد قدرة على الحساب أو امتلاك الوسائل، وإنما قدرة على رؤية الطريق والعاقبة، والبصير هو الذي يعرف أين يضع خطواته، ويتعلم من العبر، ويعرف قيمة الإمام الحسين عليه السلام ومعنى السعادة التي تتجسد في السير على منهجه.
خامسًا: الإخلاص وحكمة السعادة
إذا كانت البصيرة تجعل الإنسان يعرف الطريق، فإن الإخلاص يجعله يسير فيه بقلب متوجه إلى الله سبحانه وتعالى؛ فطاعة الله والعمل في سبيله يحتاجان إلى إخلاص يحفظ العمل من الرياء والسمعة ويضع الإنسان في حالة من الصفاء الداخلي. ولذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما أخلص عبد لله عز وجل أربعين صباحًا إلا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه»(26)، فالإخلاص يفتح طريق الحكمة والاستبصار ويجعلها تنبع من قلب الإنسان وتظهر على لسانه.
وعن الامام علي عليه السلام: «من أخلص بلغ الآمال»(27)، ويقول: «أمارات السعادة إخلاص العمل»(28)، فالإخلاص يصبح علامة على السعادة لأنه يجعل العمل متجهًا إلى غايته الحقيقية، ويحرر الإنسان من التطلع إلى رضا الآخرين ومن الحاجة إلى الرياء والسمعة؛ وبهذا يصبح الإنسان أكثر انسجامًا مع ذاته ومع الله سبحانه وتعالى، ويعرف لماذا يعمل ولمن يعمل وإلى أي غاية يتجه.
وهذا المعنى حاضر في زيارة الإمام الحسين عليه السلام، فقد ورد عن أبي عبد الله عليه السلام: «مَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ مُحْتَسِباً، لَا أَشَراً وَلَا بَطَراً وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، مُحِّصَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا يُمَحَّصُ الثَّوْبُ بِالْمَاءِ، فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ دَنَسٌ، وَيُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حِجَّةٌ، وَكُلِّ مَا رَفَعَ قَدَماً عُمْرَةٌ»(29)، فالزيارة نفسها تحتاج إلى الاحتساب والإخلاص والتجرد من الأشر والبطر والرياء والسمعة حتى تتحول إلى عملية بناء وتطهير للإنسان.
وهذا هو المنهج الذي نقرأه في زيارة الأربعين في وصف الإمام الحسين عليه السلام: «فَجاهَدَهُمْ فِيكَ صابِراً مُحْتَسِباً حَتّى سُفِكَ فِي طاعَتِكَ دَمُهُ وَاسْتُبِيحَ حَرِيمُهُ»، فالجهاد الحسيني كان في الله، وقام على الصبر والاحتساب والإخلاص، ومن أراد أن يستلهم السعادة من طريق الإمام الحسين عليه السلام يحتاج إلى أن يبني في نفسه هذا الإخلاص، حتى تصبح خطواته وأعماله مرتبطة بالغاية نفسها التي يسير من أجلها.
سادسًا: فهم الذات وتقديرها في طريق الإصلاح
ومن أهم عوامل السعادة فهم الذات وتقديرها في عملية إصلاحها؛ فالإنسان يحتاج إلى أن يعرف نفسه وعيوبها وإمكاناتها، وأن يعمل على تربيتها والارتقاء بها، لأن السعادة ترتبط بقدرته على إصلاح ذاته وعدم تركها للذات والشهوات. ولذلك يقول الامام علي عليه السلام: «من أجهد نفسه في إصلاحها سعد، ومن أهمل نفسه في لذاتها شقي وبعد»(30)، فالمجاهدة في إصلاح النفس تقود إلى السعادة، بينما يجعل إهمالها وانغماسها في اللذات الإنسان بعيدًا عن الغاية التي ينبغي أن يصل إليها.
ويقول الامام علي عليه السلام: «عَيْبُكَ مَسْتُورٌ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ»(31)، وفي هذا المعنى تنبيه إلى أهمية أن يلتفت الإنسان إلى ذاته وما تحتاج إليه من إصلاح، ومن أهم وسائل هذا الإصلاح محاسبة النفس؛ ولذلك يقول عليه السلام: «من حاسب نفسه سعد»، فالمحاسبة تجعل الإنسان يعرف أين أخطأ، وما الذي يحتاج إلى تغييره، وكيف يعيد توجيه حياته نحو المسار الصحيح، وبذلك تتحول معرفة الذات من مجرد تأمل إلى عملية مستمرة للبناء والإصلاح.
ويرتبط فهم الذات أيضًا بتقدير قيمتها وتحديد الأهداف التي تستحق أن يعيش الإنسان من أجلها؛ فالإنسان الذي يعرف قيمة نفسه يختار الأهداف العظيمة والغايات العليا، ويعرف أن عمره أكبر من أن يبدده في رغبات عابرة ومكاسب صغيرة. وهنا تعود أمامنا عبارة زيارة الأربعين: «وَشَرى آخِرَتَهُ بِالثَّمَنِ الأَوْكَسِ»، لأن الإنسان حين يفقد معرفة قيمة نفسه وغايته يمكن أن يبيع الأعلى بالأدنى ويشتري آخرته بثمن بخس، بينما يجعله إصلاح الذات أكثر وعيًا بقيمته وبأن حياته تستحق غاية عظيمة.
ومن داخل عملية إصلاح الذات تنشأ الروح الإيجابية والعزم والحزم؛ فالإنسان الذي فهم نفسه وحدد غايته يحتاج إلى إرادة تحوله من المعرفة إلى العمل، ولذلك يقول الامام علي عليه السلام: «إذا اقترن العزم بالحزم كملت السعادة»(32)، فالعزم يمنح الإنسان قوة الانطلاق، والحزم يجعله يحسن التقدير واتخاذ الموقف، وعندما يجتمعان تكتمل عملية الحركة نحو الغاية التي اختارها الإنسان.
وعن الامام علي عليه السلام: «هيهات من نيل السعادة السكون إلى الهوينا والبطالة»(33)، فالسعادة تتحقق بالحركة والعمل واستثمار العمر، والإنسان الذي يعرف قيمة ذاته يرفض أن يهدرها في البطالة والاستسلام، ويستثمرها في بناء نفسه وتحقيق غاياته. ومن هنا تكون الروح الإيجابية امتدادًا لإصلاح الذات؛ لأنها تمنح الإنسان العزم على التغيير، والحزم في القرار، والاستعداد للعمل من أجل بلوغ الأهداف العظيمة والغايات العليا.
سابعًا: الصبر والاستقامة
حين يفهم الإنسان ذاته، ويعرف غايته، ويملك العزم على السير، يأتي الصبر والاستقامة ليحفظا حركته في الطريق؛ فالحياة لا تخلو من الصعوبات والابتلاءات، والإنسان الذي يعرف عاقبته ويؤمن بطريقه يستطيع أن يصبر على المشقة المؤقتة من أجل الراحة الطويلة. ولذلك يقول سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آل عمران: 200، فالآية تربط الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى بالفلاح والوصول إلى النتيجة المطلوبة.
ويقول الامام علي عليه السلام في وصف المتقين: «صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ»(34)، وهنا تعود بنا الفكرة إلى معادلة التجارة والذكاء التي بدأنا بها البحث؛ فالإنسان الذكي يعرف أن الصبر أيامًا قصيرة يمكن أن يؤدي إلى راحة طويلة، فيتعامل مع حياته كتجارة رابحة، ويحسن حساب العاقبة، ولا يبيع الراحة الدائمة بلذة عابرة.
وهذا هو الذكاء في السعادة؛ أن يعرف الإنسان أين يستثمر صبره ووقته وعمره، وأن يدرك أن المشقة القصيرة في الطريق الصحيح يمكن أن تعطيه راحة طويلة، بينما تمنحه اللذة العاجلة راحة قصيرة وقد تأخذ منه العاقبة الحسنة. ومن هنا يصبح الصبر صورة عملية لحسن الاستثمار في الحياة، وتصبح الاستقامة استمرارًا واعيًا في الطريق الذي اختاره الإنسان بعقله وبصيرته.
وقد جسد الإمام الحسين عليه السلام هذا المعنى حين قال: «لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَيُوَفِّينَا أُجُورَ الصَّابِرِينَ»، فالصبر هنا يرتبط برضا الله سبحانه وتعالى؛ والسعادة في هذا المنهج تعني أن يعرف الإنسان كيف يعيش البلاء في طريق الله، ويعرف عاقبته، ويصبر عليه وهو مطمئن إلى الغاية التي يسير إليها، فيتحول الصبر من مجرد تحمل إلى استقامة واعية على الطريق.
ثامنًا: السعادة في العطاء بلا حدود
ومن معاني السعادة العطاء؛ فالإنسان الذي يتجاوز الشح وينفتح على الآخرين يوسع دائرة حياته، ويجد في البذل معنى يتجاوز جمع الأشياء لنفسه، ولذلك يقول سبحانه وتعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) التغابن: 16، ثم يقول: (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) التغابن: 17، فالإنفاق خير للإنسان نفسه، ومن يوق شح نفسه يصل إلى السعادة الجامعة.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «السعيد من اختار باقية يدوم نعيمها، على فانية لا ينفد عذابها، وقدم لما يقدم عليه مما هو في يديه قبل أن يخلفه لمن يسعد بإنفاقه وقد شقي هو بجمعه»(35)، وفي هذا الحديث تظهر مرة أخرى معادلة الأذكياء في استخدام المال والعمر؛ فقد يقضي الإنسان حياته في جمع المال ويعيش الشقاء في سبيل جمعه، ثم يتركه لمن بعده فيأتي الآخر وينفق المال نفسه ويسعد بإنفاقه، بينما يكون الأول قد خسر فرصة أن يجعل ما كان في يده طريقًا لسعادته وحسن عاقبته.
فالذكاء هنا أن يحسن الإنسان التصرف بما في يده قبل أن يخرج من يده، وأن يعرف الفرق بين الجمع الذي يستنزف عمره والعطاء الذي يحول المال إلى قيمة باقية؛ وبذلك يختار الباقية التي يدوم نعيمها ويجعل المال وسيلة للعطاء، فلا يصبح المال غاية تستولي عليه، وإنما يصبح أداة يستثمرها في الخير والسعادة وحسن العاقبة.
ويبلغ العطاء قمته في الإمام الحسين عليه السلام، إذ نقرأ في زيارة الأربعين: «وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فِيكَ لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَةِ»، فالعطاء الحسيني وصل إلى قمة العطاء واعظمه، فجسد السعادة في أسمى صورها حين جعل حياته عطاءً واستنقاذًا وهداية للإنسان، وبذلك يصبح البذل جزءًا أساسيًا من مفهوم السعادة.
خاتمة السلسلة.. كيف نسعد في حياتنا؟
لقد حاولت هذه المقالات أن تقرأ مفردة واحدة من زيارة الأربعين هي: «وحبوته بالسعادة»، غير أن هذه المفردة فتحت أمامنا معاني واسعة للحياة؛ إذ بدأنا من الإمام الحسين عليه السلام بوصفه ذاتًا تجسدت فيها السعادة، ومن قوله: «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا»، لنعرف أن السعادة ترتبط بطريقة حياة الإنسان واختياراته، وأن طريق الحق يمنحه المعنى والكرامة والطمأنينة، بينما تقوده الحياة مع الظلم والباطل إلى البؤس والتعاسة.
ثم رأينا أن الوقوف في المنطقة الرمادية وعدم نصرة الحق يقود الإنسان إلى الحيرة والضياع، وأن العيش بالنسبية يجعل الحق والباطل مختلطين في نظر الإنسان حتى يفقد المعيار الذي يعرف به الطريق؛ ولذلك كانت نهضة الإمام الحسين عليه السلام عملية استنقاذ تعيد الإنسان إلى وضوح الطريق وإلى الحياة التي يعرف فيها الحق ويملك الشجاعة للسير معه.
ورأينا أيضًا أن السعادة ترتبط بالحلال والحياة الطيبة، وأن الحرام يمتد أثره من الطعام والمال إلى القلب، وحين يطبع الحرام على القلب يفقد الإنسان قدرته على سماع الحق والاستجابة له، بينما يفتح الحلال والطعام الطيب والعمل والرزق المشروع الطريق أمام الحياة الطيبة التي تحفظ قلب الإنسان وكرامته.
وفي هذا المقال الختامي اكتملت أمامنا معادلة الأذكياء في السعادة؛ فالإنسان الذكي هو الذي يقرأ العواقب ويحسن استثمار عمره، ويعرف أن حقيقة السعادة تظهر في حسن الخاتمة، فيعقل طريق الإيمان ويطيع الله سبحانه وتعالى، ويتمسك بولاية أهل البيت عليهم السلام، ويزهد في الحرام وهيمنة عالم الأشياء، ويبني بصيرته لينتفع بالعبر، ويخلص عمله لله، ويعمل على فهم ذاته وإصلاحها ومحاسبتها، ويتحرك نحو أهدافه العظيمة بالعزم والحزم والصبر والاستقامة، ويجعل ما في يده بابًا للعطاء والبذل.
وهذه العناصر تتكامل في منهج الإمام الحسين عليه السلام لتبني الإنسان الذي يعرف كيف يعيش ويختار ويستثمر عمره، ويصنع من حياته طريقًا إلى العاقبة الحسنة؛ فالسعادة هنا ليست حالة عابرة، وإنما بناء متكامل للإنسان في علاقته بالله، وبذاته، وبالآخرين، وبالحياة التي يعيشها.
وعندما يقرأ الإنسان زيارة الأربعين بهذه الروح، تنتقل كلمات الزيارة من نص يردده إلى منهج يعيشه، فيفهم أن الإمام الحسين عليه السلام أراد له أن يتحرر من التعاسة والظلم والباطل والحرام والحيرة والغفلة، وأن يدخل إلى الحياة الطيبة واعيًا بطريقه، بصيرًا بعاقبته، قادرًا على بناء ذاته، ومتمسكًا بالحق الذي يقوده إلى السعادة.
وعند هذه النقطة تصبح كلمة «وحبوته بالسعادة» أكثر من وصف منفرد في زيارة الأربعين؛ فهي مفتاح لفهم منهج كامل للحياة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من السائرين في طريق الإمام الحسين عليه السلام، وأن يرزقنا العقل والإيمان والطاعة والولاية والزهد والبصيرة والإخلاص وإصلاح النفس والعزم والصبر والعطاء، وأن يحسن عاقبتنا حتى ننال السعادة في الدنيا والآخرة.
انتهت سلسلة: السعادة في زيارة الأربعين.. وخصوصية ارتباطها بالإمام الحسين عليه السلام.



اضف تعليق