تُبرز هذه الأطروحة قدرة الباحث العراقي على تحويل عزلات التربة المحلية ومخلفاتها الزراعية إلى بوليمرات حيوية عالية الكفاءة وذات قيمة اقتصادية. إن استثمار المفاعلات الحيوية والتطبيقات الغذائية المتقدمة يمثل الجسر العملي لتحقيق الاستدامة، وتقليل تكاليف الاستيراد، وتحويل الأبحاث من أروقة الجامعات إلى إنتاج صناعي يدعم الاقتصاد الوطني...

من بين ملايين الكائنات الدقيقة التي تعيش حولنا، قد تختبئ إجابة عن سؤال كبير يتعلق بمستقبل الغذاء والبيئة والصناعة. وبينما ينظر كثيرون إلى التربة بوصفها جزءًا من الطبيعة، يراها الباحث العلمي مكتبة مفتوحة تخفي حلولًا تنتظر من يكتشفها.

ضيفنا في هذا الحوار خاض رحلة طويلة داخل المختبرات بحثًا عن عزلة بكتيرية محلية استطاعت أن تنتج بوليمرًا حيويًا يحمل تطبيقات واعدة في الصناعات الغذائية، ويمنح الباحثين العراقيين نافذة جديدة على التقانات الأحيائية الحديثة. رحلة امتدت من جمع عينات التربة في البصرة، مرورًا بعشرات التجارب والتحاليل، وصولًا إلى تسجيل العزلة في بنك الجينات العالمي، مع رؤية تتطلع إلى تحويل النتائج الأكاديمية إلى تطبيقات إنتاجية.

في هذا الحوار مع الباحث محمد جبار حافظ الوحيلي، صاحب أطروحة الدكتوراه في كلية الزراعة بجامعة البصرة، نقترب من تفاصيل هذه التجربة العلمية، ونتابع كيف تتشكل الفكرة داخل المختبر، وكيف تتحول إلى مشروع يحمل قيمة علمية واقتصادية، وما الآفاق التي تفتحها هذه الدراسة أمام مستقبل الصناعات الغذائية والبحث العلمي في العراق.

 بدايةً، تجاوزت في دراستك حدود المألوف لتستخرج من بيئة البصرة كنزاً ميكروبياً؛ صف لنا اللحظة التي أدركتَ فيها أن العزلة "3B" ستقلب موازين بحثك، وسط ضغوط قلة الأجهزة والمواد؟

في الحقيقة لم تكن لحظة العثور على العزلة (B3) لحظة اكتشاف غير مألوفة، لأن بكتريا Bacillu cereus تُعد من البكتريا البيئية الشائعة، وكان من المتوقع الحصول على عدد من العزلات من عينات التربة. أما اللحظة التي لفتت انتباهي فعلاً فكانت بعد إجراء الفحوصات الأولية (الغربلة) بين العزلات، إذ أظهرت العزلة (B3) قدرة إنتاجية أعلى من غيرها لبوليمر كاما متعدد حامض الكلوتاميك، مما جعلها تستحق المتابعة والدراسة بصورة أعمق. وأعتقد أن القيمة الحقيقية للبحث لم تكن في العثور على البكتريا نفسها، بل في اختيار العزلة الأكثر كفاءة، وتحسين ظروف إنتاجها، ثم إثبات إمكانية الاستفادة من البوليمر المنتج في تطبيقات غذائية.

 تستهلك الدورات التدريبية والمتطلبات الإدارية جانباً كبيراً من طاقة الباحث؛ حدثنا عن صراعك الداخلي للحفاظ على شغف البحث العلمي وسط هذه العوائق؟

لا شك أن متطلبات الدراسات العليا لا تقتصر على الجانب البحثي فقط، بل تتضمن أيضاً دورات وبرامج تدريبية تُفرض بموجب تعليمات وزارية، مثل دورات السلامة المختبرية، ومكافحة المخدرات، والبحث العلمي، وغيرها. ورغم أهمية هذه الدورات من حيث المبدأ، إلا أن تزامنها مع مرحلة العمل المختبري شكّل تحدياً حقيقياً لنا، إذ كانت تستقطع جزءاً كبيراً من الوقت والجهد، وتتطلب حضوراً حضورياً أو إلكترونياً في فترات كنا نكون فيها بأمسّ الحاجة إلى التفرغ للتجارب، مما سبب قدراً من التشتيت وأثر في تنظيم برنامج البحث. لكنني كنت أتعامل مع ذلك على أنه جزء من مسؤولياتي كطالب دراسات عليا، فحرصت على إعادة تنظيم وقتي، واستثمار الساعات المتاحة لإنجاز العمل المختبري. وفي النهاية تعلمت أن الباحث لا يواجه التحديات العلمية فقط بل يواجه أيضاً تحديات إدارية وتنظيمية، والنجاح يتطلب القدرة على التكيف معها دون أن يفقد تركيزه على الهدف الأساسي.

 يواجه طالب الدراسات العليا في العراق تحديات لوجستية في توفير المواد الكيميائية والأجهزة؛ تصور لنا حجم التحدي في إجراء بحوث دقيقة بموارد محدودة؟

من أبرز التحديات التي واجهتني خلال تنفيذ الجانب العملي من البحث كانت مسألة توفير المواد الكيميائية والمستهلكات المختبرية. صحيح أن الكلية كانت توفر جزءاً من هذه المواد من خلال مخازنها، إلا أن الكميات كانت محدودة، كما أن كثيراً من المواد التخصصية لم تكن متوفرة بشكل دائم. لذلك كنت ألجأ إلى شرائها من الشركات والمجهزين المختصين وعلى نفقتي الخاصة، وكانت أسعار بعضها مرتفعة جداً، خاصة المواد المستوردة والمواد ذات النقاوة العالية اللازمة للبحوث. هذا الأمر شكّل عبئاً مادياً إلى جانب العبء العلمي، لكنه لم يكن سبباً للتراجع، بل دفعني إلى التخطيط الدقيق للتجارب لتجنب هدر المواد، وإعادة ترتيب أولويات العمل بما يضمن الاستفادة القصوى من الإمكانات المتاحة. وأعتقد أن الباحث في العراق لا يقتصر دوره على إجراء التجربة، بل يتحمل أيضاً مسؤولية توفير مستلزمات بحثه، وهذا يزيد من قيمة الإنجاز عندما يصل إلى نتائج علمية موثوقة رغم محدودية الموارد.

يظهر في بحثك إصرار على تحقيق نتائج عالمية بأدوات محلية؛ اشرح لنا فلسفتك في تحويل نقص الموارد إلى حافز للإبداع العلم؟

أعتقد أن جودة البحث العلمي لا تُقاس فقط بحجم الإمكانات المتوفرة، وإنما بقدرة الباحث على استثمار ما هو متاح بأفضل صورة ممكنة. ففي دراستنا كان المطلوب إنجاز بحث علمي رصين والوفاء بمتطلبات النشر في مجلات عالمية مفهرسة ضمن Scopus، وهي معايير لا تتغير بسبب محدودية الموارد. لذلك كان لا بد من التعامل مع الواقع بروح إيجابية، من خلال التخطيط الدقيق للتجارب، والاستفادة القصوى من الأجهزة والمواد المتاحة، والحرص على أن تكون النتائج دقيقة وقابلة للنشر. وعندما كانت بعض المواد أو المستلزمات غير متوفرة، كنت أبحث عن البدائل المناسبة أو أوفرها على نفقتي الخاصة إذا كانت ضرورية لاستكمال العمل. ومن وجهة نظري، فإن الإبداع في البحث العلمي لا يعني تجاوز الإمكانات، بل يعني حسن إدارتها، والمحافظة على المنهجية العلمية وجودة النتائج مهما كانت الظروف. وعندما ينجح الباحث في تحقيق نتائج موثوقة تُنشر في مجلات عالمية رغم هذه التحديات، فإن ذلك يمنحه شعوراً بأن الجهد الذي بذله كان يستحق العناء.

تعتبر العزلة المحلية "Bacillus cereus ARM24" إنجازاً وطنياً؛ أخبرنا عن الرحلة التي قطعتها منذ عزلها من تربة البصرة حتى تسجيلها في بنك الجينات؟

أود أولاً أن أوضح أن القيمة العلمية لا تكمن في كون البكتريا من نوع Bacillus cereus، فهي بكتريا بيئية معروفة وشائعة، وإنما في اختيار عزلة محلية أثبتت كفاءة متميزة مقارنةً ببقية العزلات التي حصلنا عليها. بدأت الرحلة بجمع عينات التربة من مناطق مختلفة في محافظة البصرة، ثم عزل البكتريا وإجراء الفحوصات المظهرية والمجهرية والكيموحيوية والاختبارات الأولية لاختيار أفضل العزلات المنتجة. وبعد ذلك خضعت العزلة المختارة للتشخيص الجزيئي باستخدام تسلسل جين 16S rRNA للتأكد من هويتها، ثم أُرسلت نتائج التسلسل إلى بنك الجينات العالمي وسُجلت باسم Bacillus cereus ARM24 . لكن التسجيل لم يكن نهاية الرحلة، بل كان بداية مرحلة جديدة تمثلت في دراسة ظروف إنتاج بوليمر γ-PGA، وتنقيته، وتوصيفه، ثم تقييم إمكانية الاستفادة منه في تطبيقات غذائية. لذلك أرى أن الإنجاز الحقيقي يتمثل في تحويل عزلة بيئية محلية إلى مادة علمية موثقة يمكن البناء عليها في أبحاث مستقبلية، وليس في مجرد العثور على البكتريا نفسها.

يعد البوليمر الناتج عن دراستك صديقاً للبيئة ومنافساً للمواد الصناعية؛ قيم لنا مستقبل البوليمرات الحيوية في تقليل التلوث في العراق؟

أعتقد أن مستقبل البوليمرات الحيوية ومنها بوليمر γ-PGA، واعد في العراق لكنها تحتاج إلى دعم البحث العلمي وربط نتائجه بالقطاع الصناعي. تمتاز هذه البوليمرات بأنها قابلة للتحلل الحيوي وغير سامة ويمكن أن تكون بديلاً لبعض المواد الصناعية غير القابلة للتحلل في مجالات مثل الصناعات الغذائية، والتغليف، والطب، والزراعة. وإذا تم إنتاجها محلياً بكفاءة اقتصادية، فإنها قد تسهم في تقليل الاعتماد على بعض المواد الصناعية المستوردة، والحد من الأثر البيئي الناتج عنها. لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب تعاوناً بين الجامعات، والمؤسسات البحثية، والقطاع الصناعي لتحويل نتائج البحوث إلى منتجات قابلة للتطبيق. 

تحمل نتائج بحثك أرقاماً دقيقة حول زيادة إنتاجية البوليمر؛ أرنا كيف يمكن لتطوير ظروف التخمير أن يغير مستقبل هذه الصناعة؟

تطوير ظروف التخمير يعد من أهم العوامل التي تحدد نجاح إنتاج البوليمرات الحيوية على المستوى الصناعي، لأن إنتاجية البكتريا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بدرجة الحرارة، والأس الهيدروجيني، ومدة الحضن، والتهوية، ومصادر الكربون والنتروجين. في دراستي أدى تحسين هذه العوامل واختيار الظروف المثلى إلى زيادة إنتاج بوليمر γ-PGA بشكل ملحوظ مقارنةً بالظروف غير المحسنة، مما يؤكد أن تحسين عملية التخمير يمكن أن يرفع الإنتاجية ويخفض كلفة الإنتاج في الوقت نفسه. وعندما تتحقق إنتاجية أعلى باستخدام مواد أولية متوفرة محلياً، تصبح فرص الانتقال من المختبر إلى الإنتاج شبه الصناعي أو الصناعي أكبر. لذلك أرى أن مستقبل هذه الصناعة لا يعتمد على اكتشاف بكتريا جديدة بقدر ما يعتمد على تطوير عمليات الإنتاج، وتحسين كفاءة التخمير، واستثمار نتائج البحوث في إنشاء خطوط إنتاج محلية قادرة على إنتاج بوليمرات حيوية ذات جودة عالية وتكلفة تنافسية.

يظهر تحليل الرنين النووي (1H-NMR) وتقنية مطيافية الأشعة تحت الحمراء تطابقاً مع القياسات العالمية؛ ماذا يعني هذا التطابق للباحث العراقي الطموح؟

إن تطابق نتائج تحليل ¹H-NMR و FTIR مع ما هو موثق في الدراسات العالمية يعني قبل كل شيء أن العمل أُنجز وفق منهجية علمية صحيحة، وأن البوليمر الذي تم إنتاجه وتشخيصه يمتلك الخصائص الكيميائية المتوقعة لكاما متعدد حامض الكلوتاميك (γ-PGA) بالنسبة لي، لم يكن الهدف مجرد الحصول على أطياف متطابقة، بل الوصول إلى نتائج يمكن الوثوق بها ومقارنتها عالمياً. وهذا يبعث برسالة مهمة مفادها أن الباحث العراقي، عندما يلتزم بالمنهج العلمي ويثابر في عمله يستطيع إنتاج نتائج تضاهي ما يُنشر في المجلات العالمية، حتى وإن أنجز البحث بإمكانات محدودة لذلك أرى أن هذا التطابق ليس إنجازاً شخصياً فحسب بل دليل على أن جودة البحث تعتمد على دقة العمل العلمي أكثر مما تعتمد على مكان إجراء البحث وأن الجامعات العراقية تمتلك باحثين قادرين على تقديم أعمال علمية رصينة تحظى بالاعتراف على المستوى الدولي.

 يمتلك كاما متعدد حامض الكلوتاميك خصائص فريدة في حفظ الأغذية؛ حلل لنا كيف يمكن لهذا المنتج أن يغير مفهوم "الطزاجة" على المائدة العراقية؟

يتميز بوليمر γ-PGA بقدرته العالية على الاحتفاظ بالماء وتكوين أغشية حيوية رقيقة، فضلاً عن كونه بوليمراً طبيعياً وآمناً وقابلاً للتحلل الحيوي، وهذه الخصائص تمنحه إمكانات واعدة في الصناعات الغذائية. ومن خلال دراستي ظهر أنه يمكن أن يسهم في المحافظة على رطوبة بعض المنتجات الغذائية وتحسين قوامها مما يساعد على إبطاء التغيرات التي تحدث أثناء الخزن ويمنح المستهلك منتجاً يحتفظ بجودته مدة أطول. لذلك لا أقول إنه سيغير مفهوم الطزاجة بشكل كامل لكنه قد يكون جزءاً من التقنيات الحديثة التي تساعد على الحفاظ على جودة الأغذية بطريقة أكثر أماناً وصداقة للبيئة. وإذا نجحنا في تطوير إنتاجه محلياً وربطه بالصناعة الغذائية، فقد يسهم مستقبلاً في إنتاج أغذية ذات جودة أعلى وتقليل الفاقد الغذائي والاعتماد بصورة أكبر على إضافات حيوية بدلاً من بعض المواد الصناعية، وهو ما يتماشى مع التوجه العالمي نحو أغذية أكثر استدامة وأماناً.

أثبتت فحوصات السلامة الحيوية خلو العزلة من السمية؛ طمئن المستهلك العراقي حول مأمونية هذا المضاف الغذائي في حياته اليومية؟

من المهم التوضيح أن ما يستخدم في التطبيقات الغذائية ليس بكتريا Bacillus cereus نفسها، وإنما البوليمر الحيوي γ-PGA الذي تنتجه بعد استخلاصه وتنقيته. وفي دراستي، خضع هذا البوليمر لاختبارات السلامة الحيوية، وأظهرت النتائج عدم وجود سمية خلوية أو نشاط محلل لكريات الدم الحمراء ضمن ظروف الدراسة، مما يدعم مأمونيته للاستخدام المقترح. كما أن بوليمر γ-PGA يُعد من البوليمرات الحيوية الآمنة غذائياً، وقد حظي باعتراف إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) بأنه آمن للاستخدامات الغذائية المحددة ضمن تصنيف GRAS (Generally Recognized As Safe)، الأمر الذي يعزز الثقة بإمكاناته في التطبيقات الغذائية عند إنتاجه وفق المواصفات القياسية والاشتراطات التنظيمية. ومع ذلك، فإن أي مضاف غذائي لا يطرح للاستهلاك اليومي إلا بعد استكمال جميع متطلبات التقييم والاعتماد من الجهات الرقابية المختصة في كل دولة. لذلك فإن رسالتي للمستهلك العراقي هي أن البحث العلمي يسير وفق خطوات دقيقة لضمان سلامة المنتجات قبل وصولها إلى الأسواق، وأن النتائج التي توصلنا إليها تمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، لكنها ليست بديلاً عن إجراءات الاعتماد والتنظيم المعمول بها.

تحتاج وزارة الزراعة ووزارة التجارة إلى حلول مبتكرة لخفض تكاليف الاستيراد؛ ارسم لنا مسار تحويل هذا البحث إلى منتج تجاري يدعم الاقتصاد الوطني؟

أرى أن تحويل هذا البحث إلى منتج تجاري يمر بعدة مراحل مترابطة. تبدأ المرحلة الأولى بتوسيع الإنتاج من المستوى المختبري إلى المستوى شبه الصناعي، مع تطوير تقنيات التخمير والتنقية لخفض كلفة الإنتاج وزيادة الكفاءة. ثم تأتي مرحلة التعاون بين الجامعات ووزارة الزراعة ووزارة التجارة والقطاع الصناعي لتقييم الجدوى الاقتصادية وإنتاج البوليمر وفق المواصفات القياسية. وإذا أثبت المنتج نجاحه على المستوى الصناعي، فمن الممكن استخدامه في الصناعات الغذائية والتطبيقات الزراعية وغيرها، مما يقلل الحاجة إلى استيراد بعض المواد المماثلة من الخارج ويدعم المنتج الوطني. وأعتقد أن العراق يمتلك الكفاءات العلمية والمواد الأولية التي تؤهله للدخول في هذا المجال، وما نحتاجه هو الاستثمار في نتائج البحوث وتحويلها من رسائل جامعية إلى مشاريع إنتاجية. ومن هذا المنطلق، فإن دراستي تمثل خطوة أولى في هذا الاتجاه، وأتمنى أن تكون أساساً لتعاون مستقبلي بين المؤسسات الأكاديمية والقطاعين الحكومي والخاص بما يخدم الاقتصاد الوطني ويعزز الأمن الغذائي.

تفتح أطروحتك آفاقاً جديدة لطلاب المايكروبيولوجي والتقانات الأحيائية؛ وضح لنا كيف يمكن لنتائجك أن تكون خارطة طريق للجيل القادم من الباحثين؟

أتمنى أن تكون نتائج هذه الأطروحة نقطة انطلاق للباحثين في مجالي المايكروبيولوجي والتقانات الأحيائية، وليست نهاية للموضوع. فقد وفرت الدراسة عزلة محلية مشخصة جزيئياً وحددت الظروف المثلى لإنتاج بوليمر γ-PGA، وأجريت عمليات استخلاصه وتنقيته وتوصيفه، ثم بينت إمكانية توظيفه في تطبيقات غذائية. هذه النتائج يمكن أن يبني عليها الباحثون مستقبلاً من خلال تحسين الإنتاجية باستخدام تقنيات التقانة الحيوية الحديثة، أو دراسة تطبيقات جديدة لهذا البوليمر في الصناعات الغذائية والدوائية والزراعية، أو التوسع نحو الإنتاج على المستوى شبه الصناعي والصناعي. وأتمنى أيضاً أن تشجع هذه الدراسة طلبة الدراسات العليا على الاهتمام بالموارد الميكروبية المحلية، لأنها تمثل ثروة علمية يمكن استثمارها في إنتاج مواد ذات قيمة مضافة. ومن وجهة نظري فإن قيمة أي أطروحة لا تكمن في النتائج التي تحققها فقط، بل في قدرتها على فتح أسئلة بحثية جديدة وإلهام باحثين آخرين لاستكمال ما بدأته وتطويره بما يخدم المجتمع والاقتصاد الوطني.

 يمثل التوجه نحو المفاعل الحيوي (Bioreactor) الخطوة القادمة؛ استشرف لنا أثر هذا التوجه على استدامة الصناعات الغذائية في العراق؟

يمثل الانتقال إلى استخدام المفاعل الحيوي (Bioreactor) المرحلة المنطقية التالية بعد نجاح الإنتاج على المستوى المختبري لأنه يوفر تحكماً دقيقاً في جميع ظروف التخمير، مثل درجة الحرارة، والأس الهيدروجيني، والتهوية، وسرعة الاهتزاز، مما يؤدي إلى زيادة إنتاجية بوليمر γ-PGA وتحسين جودة المنتج وثباتها بين الدفعات الإنتاجية. وعند الوصول إلى هذه المرحلة، يصبح من الممكن إنتاج كميات تجارية تلبي احتياجات الصناعات الغذائية المحلية بدلاً من الاكتفاء بالإنتاج المختبري. وإذا اقترن ذلك باستثمار حكومي أو من القطاع الخاص فإنه يمكن أن يسهم في دعم الصناعات الغذائية الوطنية، وتقليل الاعتماد على استيراد بعض المضافات الغذائية، وخلق قيمة مضافة من الموارد المحلية. ومن وجهة نظري فإن استدامة الصناعات الغذائية لا تعتمد على وجود منتج حيوي فحسب بل على القدرة على تحويل نتائج البحوث الجامعية إلى تقنيات إنتاجية قابلة للتطبيق. لذلك أرى أن المفاعل الحيوي يمثل الجسر الذي يربط البحث الأكاديمي بالصناعة، وأتمنى أن تكون نتائج هذه الدراسة خطوة أولى نحو إنتاج محلي مستدام لبوليمر γ-PGA يخدم القطاع الغذائي والاقتصاد الوطني.

 استطعتَ تحويل مخلفات العنب وفول الصويا إلى مصادر إنتاج غنية؛ انظر معنا إلى مستقبل استثمار المخلفات الزراعية في دعم الأمن الغذائي؟

أعتقد أن استثمار المخلفات الزراعية يمثل أحد أهم التوجهات المستقبلية في مجال التقانات الحيوية، لأنه يحول مواد كانت تُعد نفايات إلى مواد أولية ذات قيمة اقتصادية. ففي دراستي أثبتت النتائج إمكانية الاستفادة من عصير العنب كمصدر للكربون، وكسبة فول الصويا كمصدر للنتروجين في إنتاج بوليمر γ-PGA بكفاءة جيدة، مما يوضح أن بعض المخلفات أو المنتجات الثانوية الزراعية يمكن أن تدخل في عمليات إنتاج ذات قيمة مضافة بدلاً من التخلص منها. وإذا توسعنا في هذا النهج، فمن الممكن خفض كلفة الإنتاج وتقليل الهدر ودعم مفهوم الاقتصاد الدائري إلى جانب توفير مواد تدخل في الصناعات الغذائية وغيرها. وهذا ينعكس بصورة غير مباشرة على الأمن الغذائي من خلال تعزيز كفاءة استغلال الموارد المحلية وتقليل الاعتماد على المواد المستوردة. وأرى أن العراق يمتلك ثروة كبيرة من المخلفات الزراعية التي يمكن أن تكون أساساً لبحوث ومشاريع صناعية مستقبلية إذا توافرت الشراكة بين الجامعات والقطاعين العام والخاص لتحويل هذه الأفكار إلى تطبيقات عملية.

 تتحدث التوصيات عن دراسة التعبير الجيني لزيادة الإنتاجية؛ أكد لنا أن هذا البحث هو مجرد البداية لسلسلة ابتكارات حيوية قادمة؟

أعتقد أن أي بحث علمي ناجح لا ينتهي عند نتائجه بل يفتح الباب لأسئلة ودراسات جديدة. وفي أطروحتي، أوصيت بدراسة التعبير الجيني للجينات المسؤولة عن إنتاج بوليمر γ-PGA، لما لذلك من دور في فهم الآليات الجزيئية التي تتحكم بالإنتاج، وهو ما قد يسهم مستقبلاً في رفع الكفاءة الإنتاجية باستخدام تقنيات التقانات الحيوية والهندسة الوراثية. كما يمكن أن تمتد الأبحاث إلى تطوير سلالات ذات إنتاجية أعلى، أو تحسين ظروف التشغيل في المفاعلات الحيوية، أو توسيع تطبيقات هذا البوليمر في المجالات الغذائية والدوائية والزراعية. لذلك أنظر إلى هذه الأطروحة على أنها خطوة تأسيسية وليست المحطة الأخيرة، وأتمنى أن تكون منطلقاً لبحوث أخرى يكمل فيها الباحثون ما بدأناه، وصولاً إلى تطبيقات عملية تخدم المجتمع والاقتصاد، وتعزز مكانة البحث العلمي العراقي في مجال التقانات الأحيائية.

في الختام

لا يسعنا إلا أن نتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى الباحث محمد جبار حافظ الوحيلي على سعة صدره، وما قدّمه من إضاءات علمية عكست حجم الجهد الذي بُذل في هذه الأطروحة، ورؤيته لمستقبل التقانات الأحيائية ودورها في خدمة الأمن الغذائي والتنمية المستدامة.

نتمنى له دوام التوفيق والنجاح في مسيرته العلمية، وأن تجد نتائج هذا البحث طريقها إلى التطبيق العملي، لتسهم في دعم البحث العلمي العراقي وتعزيز حضوره في ميادين الابتكار والإنتاج.

شكراً لكم أعزاءنا قرّاء شبكة النبأ المعلوماتية على حسن المتابعة، وإلى لقاءٍ جديد مع تجربة علمية أخرى تستحق أن تُروى.

اضف تعليق