القول بأن العفّة والحياء صناعة خارجية وليست من ذات الانسان، تأتي في سياق الحديث عن حرية الانسان في اختيار طريقه دون وجود قاعدة ينطلق منها مثل النفس، او السبيل والطريق الذي يفترض ان يتفرع الى طريقين او منهجين في الحياة، يعني؛ يكون مجرداً من كل شيء، كما لو أن الله –تعالى- لم يقل شيئاً عندما خلق الانسان!...

حرية المرأة؛ تُعد من المباحث المحورية الهامة في مجال الاجتماع، لما له من تأثير مباشر على شخصية المرأة، وعلى الكيان الاجتماعي بشكل عام، وكلما كانت هذه الحرية في مسار التكامل للعلم والمعرفة والأخلاق، كان نسبة نجاحها في الحياة أكبر. 

ومن أهم المعارف في حياة المرأة؛ وجود العفّة في نفسها، والبحث عما اذا كانت ذاتية وضمن تكوينها كأنثى، أم كانت مفروضة عليها من أطراف خارجية مؤثرة مثل؛ الأسرة، او القانون، او الدين، او الأعراف الاجتماعية؟ 

تحديد الإجابة يمكنه مساعدتنا على حل كثير من المشكلات المعقدة في السلوك، وفي العلاقات بين الافراد، وايضاً؛ مساعدة فتياتنا ونساءنا على اختيار الطريق السليم في التعامل مع العالم الخارجي بما لا يورث الندم، ولا يتقاطع مع العقل والفطرة السليمة.

بدايةً؛ يجدر بنا معرفة المعنى اللغوي والاصطلاحي للعفّة، فقد غلب عليها اصطلاحاً أنها تنصرف كلياً الى بنات حواء بينما في اللغة؛ تَعَفَّفَ: عَفّ؛ امتنع عمَّا لا يحلُّ ولا يليق، وتجنَّب سيِّئَ القول والفعل، و عَفِيفُ النَّفْسِ: أَبِيُّ النَّفْسِ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ. بمعنى أن الحالة تشمل الرجل كما تشمل المرأة في جوانب سلوكية مختلفة. 

أما اصطلاحاً؛ فانها تنصرف بالدرجة الأولى الى المظهر الخارجي للمرأة بحجابها الكامل والساتر لكل مثير لشهوة الرجل الجنسية، فكما أن الرجل مطالب بعفّة البصر، على المرأة ايضاً بالمقابل مساعدة الرجل لإنجاح مهمة تجميد الشهوة الجنسية في الاماكن العامة من خلال غلق كل ما من شأنه التمييع وجذب الانظار، وهي معادلة تبدو منطقية وعقلية. 

عفّة المرأة في المنظار الديني

تزخر الآيات القرآنية والروايات الشريفة عن المعصومين، عليهم السلام، بالتأكيد على ذاتية العفّة وأنها من صميم تكوين الأنثى، فهي تحمل هذه السمة منذ ولادتها وتنمو معها طوال حياتها. بلى؛ ربما تؤثر عوامل المحيط الاجتماعي على تغييب هذه الحالة النفسية المتأصلة، ودفع الفتاة او المرأة الى فعل ما تريد خارج ضوابط العفّة، بيد ان تجارب الحياة تؤكد لنا أنه حتى هذا العامل لا يكون ذو تأثير دائمي على طول الخط بفضل الإرادة الذاتية وحرية الاختيار عن إيمان عميق. 

ومن روائع القرآن الكريم في الإشارة الى ذاتية الحياء لدى بنات حواء ما جاء في قصة نبي الله موسى مع ابنة نبي الله شعيب عندما وصفت الآية الكريمة طريقة مشي تلك الفتاة بأنها {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}، والآية الأخرى في سورة البقرة التي تتحدث عن العفّة بشكل عام في سياق الدعوة الى معالجة حالة الفقر لدى الرجال والنساء على حدٍ سواء؛ {لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ}، فإن لم تكن هذه الحالة النفسية موجودة لما لجأ اليها الفقراء، ويمكن الإشارة الى مثال أقوى واكبر في قصة نبي الله يوسف مع زليخا في لحظة الإغواء الشهيرة، فقد جاء عن الامام زين العابدين، عليه السلام، أن "امرأة العزيز" قبل أن تتقدم نحو يوسف لتنفيذ فعلتها السيئة، جاءت بقطعة قماش وغطت به وجه صنمٍ قريب لها، فسألها يوسف عن هذا العمل فقالت: "أستحيي من الصنمِ أن يرانا!

فقال لها يوسف: أتستحيين ممن لا يسمعُ ولا يُبصرُ ولا يفقهُ ولا يأكلُ ولا يشربُ، ولا أستحيي أنا ممن خلق الإنسان وعلمهُ"؟! (عيون أخبار الرضا- ج2-ص45). 

ومما جاء عن أمير المؤمنين، عليه السلام، في "غُرر الحكم ودُرر الكلم" عن فضيلة العفّة لدى الانسان؛ الرجل والمرأة، ودورها تحديد الشخصية الاجتماعية؛ "العفة تضعف الشهوة"، وعنه، عليه السلام: "ثمرة الحياء العفّة"، وعنه ايضاً: "ينبغي لمن عرف نفسه أن يلزم القناعة و العفة". 

فهي حالة نفسية كامنة في ذات الأنثى، كما أن الشهوة الجنسية كامنة في نفس الذكر، تبقى طريقة الاستخدام والغاية، هنا يكون الاختبار بين الاستفادة من العفّة لصياغة شخصية مُكرمة في الاجتماع، وفي الوقت نفسه؛ الإسهام في حمايته من الانزلاق الى مهاوي الشهوة الجنسية، وإطلاق العنان للشهوات والرغبات أن تهدم جدار العفة والحياء، وعندما يدعو القرآن الكريم في سورة الأحزاب، بنات حواء الى عدم إظهار المفاتن من ابدانهنّ؛ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ}، فهذا تصريح واضح بوجود الحياء في نفس الأنثى عليها تفعيله خدمة لها هي نفسها بأن لا تتعرض للأذى، كما نلاحظ الدعوة الى غضّ البصر للرجال في سورة النور: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} لوجود الشهوة الجنسية الكامنة في النفس، تحتاج الى سيطرة وتنظيم حتى لا تخرج من عقالها نحو الفوضى والكوارث. 

ماذا تخسر المرأة من فرض العفّة والحياء

الحديث عن عدم وجود منظومة أخلاقية وقيمية، منها؛ الحياء والعفة في نفس المرأة، يفرض عليها واقعاً سيئاً مفتوحاً على كل الاحتمالات دون حماية لشخصيتها وكرامتها، وذلك من خلال ثلاثة مسارات نشير اليها:

1- المسار الفردي والشخصي

تغييب دور الرقابة الذاتية والقدرات الهائلة لبناء الشخصية مقابل تضخيم هاجس الغريزة الجنسية وأنها قدر الانسان (الرجل والمرأة)، وليس من السهل عليه تجاوزها، وقد جاءت نظرية "كلاب بافلوف" لتروج الى فكرة "التحمية" في السلوك الفردي وأن لا مناصّ للإنسان من الاستجابة للمثيرات، لاسيما الجنسية منها ضمن قاعدة "المنعكس الشرطي"، فكما أن الرجل محتوم عليه التأثّر بالصورة العارية للمرأة في أي مكان، فان المرأة ايضاً؛ محتومٌ عليها التأثر بمنظر الرجال، ولا مهرب من القضية بتاتاً، ومن ثمّ؛ فلا تأثير للتقوى، والورع، وتهذيب النفس!

2- المسار الاجتماعي 

عقوبات القانون، وتحذيرات الدين، وعيون الأسرة، وتهديدات العشيرة، لا تصنع العفّة للفتاة والمرأة بقدر ما يجعلها متهمة على الدوام باحتمال ارتكاب الخطأ مما يستوجب منها الانصياع للأوامر والتعليمات الواردة من المحيط الاجتماعي، بما يعني أن غياب هذه المحاذير في حالة الهجرة –مثلاً- الى بلد آخر مثل البلدان الغربية، كما يحصل اليوم، فان أي فتاة او امرأة ستتخلّى –وفق قاعدة الردع- عن رداء العفّة والحياء وتنطلق في أجواء التحلل من كل شيء! وهذا حكم ظالم واجحاف بحق كل فتاة وامرأة مسلمة، فهنالك الكثير الكثير من الفتيات والنساء المسلمات ناجحات بتفوق في الالتزام بالحياء والعفّة عندما يهاجرن الى بلاد الغرب، مع الحرص على نقل هذه الثقافة الى الابناء والاحفاد في تحدٍ ثقافي صعب.  

3- المسار الفكري 

عندما يَحرُم البعض بنات حواء من حقها في الإيمان بقيم ومبادئ أصيلة، يعني تجريدها من حقٍ انساني كبير، وفي الوقت نفسه يكشف عن تناقض في النوايا بشأن فكرة "حرية المرأة" بشكل عام، بينما القرآن الكريم يعطي هذه الحرية للإنسان ليؤمن عن طيب خاطر وفهم وإدراك وإرادة، واختيار الطريق السليم في الحياة؛ {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}، و الآية الاخرى في سورة الشمس: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}. 

القول بأن العفّة والحياء صناعة خارجية وليست من ذات الانسان، تأتي في سياق الحديث عن حرية الانسان في اختيار طريقه دون وجود قاعدة ينطلق منها مثل "النفس"، او "السبيل" والطريق الذي يفترض ان يتفرع الى طريقين او منهجين في الحياة، يعني؛ يكون مجرداً من كل شيء، كما لو أن الله –تعالى- لم يقل شيئاً عندما خلق الانسان! كما افترض صاحب النظرية الوجودية، ففي مقدمة كتاب "الذباب"، وهي مسرحية مكتوبة لسارتر، يقول المترجم؛ حسين مكي نقلاً عن الاخير: "إن الارادة تفقد حريتها اذا قبلنا بالحق كضرورة في الحياة، فقد جاء الشر بصيغة النهي، بينما جاء الخير بصيغة الأمر، والنهي أهون من الأمر لأنها –الأمر- يمثل حرية ناقصة ثم إنها سوف تُرضخ الإرداة من فوق"!

بالمحصلة؛ أرى أن الله –تعالى- خصّ بنات حواء بميزات باهرة أبرزها؛ العفّة والحياء لتكون ذات شخصية قوية وبناءة في الاجتماع، الى جانب العاطفة والحنان لتكون الأم والمربية لأفراد الأمة، فهي نعمة ولطف إلهي عظيم لنا جميعاً يستوجب الحفاظ عليها ورعايتها، ثم تكريسها في النفس، وثم التثقيف عليها بين طلبة المدارس، وشباب الجامعات وجميع فئات المجتمع كونه عنوانٌ لشخصية الفتاة والمرأة الناجحة، وعامل أساس في الأمن المجتمعي. 

اضف تعليق