سياسة - تقارير

الولايات المتحدة والمفاوضات على طاولتين

والمسيّرات تعيد سؤال الانقسام داخل مراكز القرار الإيراني

كم طاولة تحتاجها واشنطن كي تتأكد من أنها تفاوض إيران القادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، لأن الحرب التي أضعفت مركزية السلطة ورفعت نفوذ الحرس وأظهرت الخلافات بين البراغماتيين والمتشددين ربما تركت أمام الولايات المتحدة دولة واحدة من الناحية القانونية والسياسية، لكنها في ملفات الحرب والسلام باتت تبدو كمنظومة...

لم تعد المعضلة التي تواجه الولايات المتحدة في مفاوضاتها مع إيران محصورة في حجم التنازلات التي يمكن أن تنتزعها من طهران بشأن برنامجها النووي أو مضيق هرمز أو الترتيبات الأمنية التي يمكن أن تنهي أشهرًا من المواجهة العسكرية، إذ بدأت تطفو على سطح الأزمة معضلة أكثر تعقيدًا تتعلق بهوية الطرف الإيراني الذي يمتلك فعلًا سلطة اتخاذ القرار، بعدما كشفت تقارير أميركية أن واشنطن، في خضم محاولاتها التوصل إلى تسوية، لم تكن واثقة من أن المفاوضين الإيرانيين الرسميين يستطيعون إلزام الحرس الثوري بما يتم الاتفاق عليه، الأمر الذي دفع إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تجاوز القناة التفاوضية التقليدية والبحث عن اتصال مباشر بقيادة الحرس عبر رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني.

هذه الصورة ازدادت تعقيدًا في السابع عشر من أغسطس/آب، أي بعد يوم واحد من كشف تفاصيل القناة السرية التي لعب فيها بارزاني دور الوسيط بين البيت الأبيض والحرس الثوري، عندما أعلنت الأجهزة الأمنية في إقليم كردستان أن طائرتين مسيّرتين انطلقتا من الأراضي الإيرانية واستهدفتا المكتب الشخصي لرئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني ومنزل رئيس جهاز الأمن والاستخبارات في الإقليم، من دون وقوع خسائر بشرية ومن دون إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، وهي تفاصيل لا تسمح بإسناد العملية مباشرة إلى مؤسسة إيرانية بعينها، لكنها تجعل التزامن بين المسارين السياسي والعسكري مادة مشروعة لطرح سؤال أوسع حول ما إذا كانت إيران تتحدث إلى الخارج بصوت واحد أم أن الحرب أعادت تشكيل السلطة بطريقة أوجدت أكثر من مركز قادر على إرسال رسائل مختلفة وربما متعارضة.

وهنا تبرز فرضية قد تكون مفتاح فهم المرحلة المقبلة من الصراع: هل ستضطر واشنطن إلى التفاوض مع إيران على طاولتين، إحداهما مع الدولة ومؤسساتها السياسية والدبلوماسية، والأخرى مع الحرس الثوري بوصفه مركز القوة الذي بات يمتلك وزنًا متزايدًا في قرارات الأمن والحرب والسياسة الخارجية، أم أن ما يبدو انقسامًا ليس سوى توزيع متعمد للأدوار داخل نظام يحتفظ في النهاية بقدرة على إنتاج قرار موحد عندما تصبح التسوية ضرورة وجودية؟

من خلاف سياسي إلى أزمة في مركز القرار

الحديث عن انقسام داخل النظام الإيراني لم يبدأ مع قناة بارزاني، إذ كانت علامات التصدع قد ظهرت بصورة علنية منذ الأسابيع الأولى للحرب، عندما أثار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان غضب شخصيات متشددة في الحرس والمؤسسة الدينية بعد إعلانه موقفًا أكثر تصالحًا تجاه دول الخليج وتعهدًا بكبح الهجمات عليها، وهو موقف اضطر لاحقًا إلى تعديله جزئيًا بعد موجة اعتراضات داخلية، فيما نقلت رويترز عن مصادر مقربة من دوائر القيادة أن الخلافات التي كان المرشد الراحل علي خامنئي قادرًا طوال عقود على احتوائها وإبقائها تحت سقف النظام بدأت تظهر بصورة أكثر وضوحًا بعد مقتله، خصوصًا بين البراغماتيين الذين يرون أن استمرار الحرب يهدد الدولة اقتصاديًا وسياسيًا وبين تيارات متشددة تعتقد أن أي تراجع تحت الضغط العسكري سيُقرأ بوصفه هزيمة استراتيجية.

المهم في هذه الخلافات أنها لم تعد مجرد إعادة إنتاج للانقسام الإيراني التقليدي بين إصلاحيين ومحافظين، لأن الحرب نفسها غيّرت توزيع القوة داخل الجمهورية الإسلامية، وأعطت الحرس الثوري نفوذًا أوسع في القرارات العسكرية والأمنية والسياسية، بينما لم يتمكن المرشد الجديد مجتبى خامنئي حتى الآن، وفق مصادر تحدثت إليها رويترز، من أداء الدور الذي كان والده يؤديه بوصفه الحكم النهائي القادر على حسم التنافس بين المؤسسات، وهو ما جعل صناعة القرار تعتمد بدرجة أكبر على دائرة أمنية ضيقة تضم الحرس ومجلس الأمن القومي الأعلى ومكتب المرشد ومجموعة من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين.

وتشير هذه التطورات إلى أن وصف الحالة الإيرانية بـ«الانشقاق» يحتاج إلى قدر من الدقة، لأن المصادر المتاحة لا تقدم دليلًا على انقسام النظام إلى سلطتين متنافستين أو خروج الحرس على القيادة السياسية، لكنها تقدم أدلة أوضح على تصدع في آلية صنع القرار وتراجع وجود مركز واحد يستطيع فرض رؤيته بصورة مطلقة، وهو تحول بالغ الأهمية بالنسبة لأي دولة تحاول التفاوض مع طهران، لأن الاتفاق مع مسؤول سياسي لا تكون له قيمة استراتيجية كاملة إذا بقيت مؤسسة عسكرية تمتلك أدوات التنفيذ والتعطيل غير مقتنعة بما جرى الاتفاق عليه.

عندما لم تعرف واشنطن من يملك الكلمة الأخيرة

ربما كانت قناة نيجيرفان بارزاني أكثر المؤشرات وضوحًا على أن هذه المشكلة لم تعد مجرد موضوع للنقاش بين الباحثين في بنية النظام الإيراني، وإنما تحولت إلى أزمة عملية واجهها المفاوض الأميركي نفسه، إذ كشف موقع «أكسيوس»، استنادًا إلى ثلاثة مصادر مطلعة بصورة مباشرة على الاتصالات، أن المسؤولين الأميركيين توصلوا في منتصف مايو/أيار إلى قناعة بأنهم لا يستطيعون التأكد مما إذا كان رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، اللذان شاركا في المسار التفاوضي، يمتلكان السلطة اللازمة لإبرام اتفاق أو أنهما قد يتعرضان للنقض من جانب الحرس الثوري.

ومن هذه النقطة تحديدًا ولدت «الطاولة الثانية»، عندما تواصلت تولسي غابارد مع نيجيرفان بارزاني وطلبت منه، بموافقة الرئيس ترامب ونائبه جيه دي فانس بحسب «أكسيوس»، استخدام علاقاته القديمة داخل إيران للوصول إلى قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، ليس بهدف نقل رسالة بروتوكولية وإنما للحصول على جواب مباشر عن سؤال شديد الحساسية: هل يؤيد الحرس ما يتفاوض عليه قاليباف وعراقجي، أم أن لديه شروطًا وأفكارًا مختلفة؟، وهو سؤال يكشف أن واشنطن لم تعد تفترض تلقائيًا أن وجود ممثل رسمي لإيران على طاولة المفاوضات يعني بالضرورة وجود تفويض كامل من المؤسسة العسكرية التي ازداد نفوذها خلال الحرب.

وبحسب الرواية التي نقلها «أكسيوس»، وصل مسؤول من الحرس الثوري إلى مكتب بارزاني في أربيل في الرابع عشر من مايو/أيار حاملًا هاتفًا مشفرًا أتاح إجراء اتصال آمن بين رئيس إقليم كردستان وأحمد وحيدي، الذي أكد خلال المحادثة أنه يقف خلف المفاوضين الإيرانيين وأن قيادة الحرس تفضل تسوية الأزمة عبر المفاوضات، ثم نقل بارزاني مضمون الاتصال إلى غابارد التي أحاطت البيت الأبيض بالنتيجة، وبعد ذلك ذهبت واشنطن أبعد من مجرد استخدام أربيل كحلقة لنقل الرسائل وطرحت إمكانية استضافتها اجتماعات سرية بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين كبار.

المفارقة هنا أن جواب وحيدي نفسه يضعف فرضية وجود انشقاق كامل بين الحرس والدبلوماسيين، لأنه أكد دعمه للمسار التفاوضي، لكنه في الوقت ذاته يعزز فرضية أكثر تعقيدًا وأهمية، وهي أن واشنطن لم تكن مستعدة للاعتماد على موافقة المفاوضين الرسميين وحدها وكانت بحاجة إلى شهادة مستقلة من الحرس بأن الاتفاق الذي يجري بحثه يحظى بموافقته، وبذلك تصبح فكرة «الطاولتين» انعكاسًا لتغير حقيقي في بنية القوة داخل إيران حتى لو لم يصل هذا التغير إلى مستوى القطيعة المؤسسية.

انقسام حول التفاوض.. أم حول شروطه؟

التصدعات داخل إيران لا تعني بالضرورة وجود معسكر يريد السلام في مواجهة معسكر يصر على الحرب، لأن الصورة التي تقدمها المصادر أكثر تعقيدًا من هذا التقسيم المبسط، فرئيس الجمهورية بزشكيان خرج في السابع من أغسطس/آب مدافعًا علنًا عن التفاوض مع الولايات المتحدة في مواجهة المتشددين الذين يعارضونه، وقال إن معظم كبار القادة العسكريين يدعمون المحادثات الرامية إلى وقف القتال، في الوقت الذي تحدث فيه محللون عن مؤشرات على خلافات بين الرئيس المدني من جهة والمرشد مجتبى خامنئي والحرس ومراكز القوة الأخرى من جهة ثانية، بما قد يجعل الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة.

وهذا يعني أن الخلاف ربما لا يدور حول مبدأ التفاوض بقدر ما يدور حول شكل الاتفاق وحدود التنازلات والثمن الذي تستطيع إيران دفعه من دون أن يبدو الأمر استسلامًا تحت الضغط الأميركي، وهو تفسير تدعمه حقيقة أن الحرس نفسه، رغم الخطاب المتشدد وتزايد نفوذه، شارك في عملية إنتاج المواقف التفاوضية ولم يرفض بصورة مطلقة فكرة التسوية، بينما تبقى تيارات أكثر تشددًا داخل المؤسسة السياسية والدينية قادرة على الضغط على أي اتفاق ترى أنه يفرط في أدوات القوة الإيرانية.

في المقابل، كانت واشنطن تمارس هي الأخرى نوعًا من السياسة ذات المسارين، إذ أظهرت تطورات مايو/أيار أن إدارة ترامب كانت تفاوض إيران بينما تدرس في الوقت نفسه استئناف العمليات العسكرية إذا فشلت الدبلوماسية، بعدما رفضت طهران أجزاء من المقترحات الأميركية واعتبر البيت الأبيض عرضًا إيرانيًا معدلًا غير كافٍ، في حين تحدث ترامب في تلك المرحلة عن وجود انقسام داخل القيادة الإيرانية بين تيارات أكثر اعتدالًا وأخرى شديدة التشدد، ولذلك فإن ازدواجية التفاوض والضغط العسكري ليست ظاهرة إيرانية خالصة وإنما جزء من طريقة إدارة الطرفين للصراع.

مسيّرات كردستان.. الرسالة التي جاءت من الاتجاه الآخر

وسط هذه الصورة جاء هجوم السابع عشر من أغسطس/آب على مواقع مرتبطة بقيادة إقليم كردستان ليضيف بعدًا جديدًا إلى السؤال، لأن الإقليم الذي استخدمته واشنطن للوصول سرًا إلى قيادة الحرس أصبح في الوقت نفسه هدفًا لطائرات قالت الأجهزة الأمنية الكردية إنها انطلقت من الأراضي الإيرانية، بينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية، وهو ما يجعل من الخطأ المهني القفز إلى استنتاج بأن جناحًا داخل الحرس نفذ الهجوم بهدف إفشال وساطة بارزاني، لكنه يجعل من المشروع التساؤل عن مدى قبول جميع مراكز القوة الإيرانية بالدور الذي أصبحت أربيل تؤديه في المسار الأميركي الإيراني.

فالفرق جوهري بين القول إن الهجوم دليل على انشقاق، وهو أمر لا تثبته المعلومات الحالية، وبين القول إن الهجوم يمثل قرينة إضافية على بيئة إيرانية مضطربة تتحرك داخلها رسائل سياسية وعسكرية في اتجاهات لا تبدو متطابقة دائمًا، خصوصًا أن كردستان تعرضت خلال السنوات الماضية لسلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وأن طهران والجماعات القريبة منها تنظر منذ فترة طويلة إلى أجزاء من الإقليم باعتبارها مساحة أمنية حساسة مرتبطة بالجماعات الكردية الإيرانية المعارضة وبالوجود الأميركي والإسرائيلي المفترض، الأمر الذي يوفر تفسيرات أخرى للهجوم لا علاقة لها مباشرة بوساطة نيجيرفان بارزاني.

غير أن توقيت العملية يجعل تجاهل البعد السياسي أمرًا صعبًا أيضًا، لأن الكشف عن أن رئيس إقليم كردستان تحول إلى قناة وثيقة بين البيت الأبيض والحرس يعني أن أربيل لم تعد مجرد عاصمة إقليم عراقي يقع على تخوم إيران، وإنما أصبحت، ولو بصورة مؤقتة وسرية، مكانًا يمكن أن تلتقي فيه شبكتان من العلاقات لا تجتمعان بسهولة في مكان آخر، إحداهما تمتد إلى دوائر القرار الأميركية والأخرى إلى قلب المؤسسة الأمنية الإيرانية، ولذلك فإن أي تصعيد عسكري يستهدف دوائر الحكم الكردية سيحمل بالضرورة انعكاسات على قدرة الإقليم على الاستمرار في أداء هذا الدور، بغض النظر عن الجهة التي تقف وراءه.

إيران واحدة بواجهات متعددة

إحدى المفارقات الأساسية في النظام الإيراني أن تعدد مراكز القوة ليس ظاهرة جديدة، فقد قامت الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها على تداخل مؤسسات منتخبة وأخرى دينية وعسكرية وأمنية، وكان المرشد الأعلى يؤدي تاريخيًا دور الحكم الذي يسمح بوجود خلافات داخل النظام لكنه يمنعها من التحول إلى صراع يعطل القرار الاستراتيجي، إلا أن مقتل علي خامنئي والحرب الواسعة وما أعقبها من صعود الحرس أحدثت تحولًا في هذا التوازن، بحيث باتت السلطة أقل تمركزًا في شخص واحد وأكثر ارتباطًا بالتوافق بين مؤسسات القوة، وهو ما وصفته مصادر رويترز في أبريل/نيسان عندما تحدثت عن غياب هيكل قرار واحد قادر على الرد بسرعة وعن نفوذ متزايد للحرس في السياسة العسكرية والخارجية.

لكن رويترز قدمت في التقرير نفسه عنصرًا مضادًا ينبغي أخذه بالاعتبار عند تقييم فرضية الانقسام، إذ نقلت عن محللين أن المشكلة في الوصول إلى اتفاق لم تكن في ذلك الوقت ناتجة بالضرورة عن صراع داخلي بقدر ما كانت نتيجة الفجوة بين ما تستطيع واشنطن تقديمه وما يستطيع الحرس قبوله، كما أشارت إلى عدم وجود مؤشرات على تفكك جوهري داخل النظام، وهو ما يعني أن قراءة المشهد باعتباره «انشقاقًا» تحتاج إلى التمييز بين الخلاف على الاستراتيجية وبين انهيار وحدة السلطة.

ومن هنا يمكن فهم ما يجري باعتباره انتقالًا من إيران كانت تمتلك مركزًا نهائيًا واحدًا لحسم الخلافات إلى إيران تحتاج قراراتها الكبرى إلى تفاوض داخلي بين عدة مؤسسات قبل انتقالها إلى طاولة التفاوض الخارجي، ولذلك فإن بطء الردود الإيرانية وتغير المواقف وظهور رسائل متباينة لا يعني بالضرورة وجود حكومتين داخل دولة واحدة، لكنه يعني أن الاتفاق مع واشنطن أصبح يتطلب بناء إجماع داخلي أكثر تعقيدًا مما كان عليه في ظل سلطة علي خامنئي.

بارزاني وسيط بين إيرانين أم بين مؤسسات إيران الواحدة؟

هذا التحول هو الذي يمنح دور نيجيرفان بارزاني أهميته الاستراتيجية، لأن الرئيس الكردي، الذي يتحدث الفارسية وعاش ودرس في إيران ويتمتع بعلاقات مع مسؤولين إيرانيين وبعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، لم يُستخدم فقط لنقل رسائل بين دولتين متخاصمتين، وإنما استُخدم للوصول من مركز قرار أميركي واحد إلى مركز قوة إيراني لم تكن واشنطن واثقة من أن قنواتها الأخرى تمثله بصورة كاملة، وهو فارق كبير بين الوساطة التقليدية وبين الدور الذي لعبه بارزاني وفق الرواية الأميركية.

وإذا استمرت المفاوضات على هذا النحو، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مسار رسمي يجري عبر قاليباف وعراقجي والوسطاء الباكستانيين والقطريين، ومسار موازٍ هدفه التأكد من موافقة الحرس على التفاهمات، وهو ما لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستجلس حرفيًا أمام وفدين إيرانيين مختلفين، لكنه يعني عمليًا أن أي اتفاق لن يكون مكتملًا بالنسبة إلى البيت الأبيض ما لم يكن الطرف السياسي والطرف العسكري الأمني قادرين على ضمانه في الوقت نفسه.

السؤال الحقيقي: مع من توقع واشنطن الاتفاق؟

لهذا السبب قد تصبح مشكلة المفاوضات المقبلة أقل ارتباطًا بالسؤال التقليدي حول ما الذي ستقدمه إيران وما الذي ستقدمه الولايات المتحدة، وأكثر ارتباطًا بسؤال الطرف الذي يستطيع التوقيع والتنفيذ والضمان، فإذا كان وزير الخارجية يستطيع التفاوض لكن الحرس يمتلك نفوذًا حاسمًا على الأمن ومضيق هرمز والسياسة العسكرية، وإذا كان الرئيس يدافع عن الحوار بينما تواجه سياساته اعتراضًا من تيارات أكثر تشددًا، فإن واشنطن لن تبحث فقط عن اتفاق مع الجمهورية الإسلامية وإنما عن اتفاق قادر على المرور عبر مراكز القوة المختلفة داخل الجمهورية الإسلامية.

وفي المقابل، سيكون من المبالغة تفسير كل اختلاف إيراني باعتباره مقدمة لانشقاق أو انهيار داخلي، لأن النظام أظهر حتى الآن قدرة كبيرة على الحفاظ على تماسكه المؤسسي رغم مقتل قياداته والحرب والضغوط الاقتصادية، كما أن الحرس الذي يُنظر إليه بوصفه الجناح الأكثر تشددًا أبلغ بارزاني، وفق «أكسيوس»، أنه يؤيد الحل التفاوضي، وهو ما يترك احتمالًا قويًا بأن طهران لا تشهد صراعًا بين «حزب الحرب» و«حزب السلام» بقدر ما تشهد صراعًا حول الشروط التي تجعل السلام مقبولًا من دون تقويض موقع النظام أو ردعه العسكري.

طاولتان ورسالة واحدة؟

ما سيحدد صحة فرضية «الطاولتين» خلال المرحلة المقبلة ليس عدد الوسطاء ولا أسماء المفاوضين، وإنما قدرة طهران على إنتاج موقف واحد تستطيع مؤسساتها السياسية والعسكرية الالتزام به، فإذا استمر البيت الأبيض في البحث بصورة مستقلة عن موافقة الحرس على ما يناقشه مع السياسيين الإيرانيين، وإذا استمرت في الوقت نفسه الرسائل العسكرية المتناقضة مع محاولات التهدئة، فإن ذلك سيعني أن الحرب لم تغير موازين القوى بين الولايات المتحدة وإيران فقط، وإنما غيرت كذلك موازين السلطة داخل الجمهورية الإسلامية نفسها.

أما هجوم المسيّرات على كردستان، فرغم خطورة توقيته وحقيقة أن السلطات الكردية قالت إن الطائرات جاءت من الأراضي الإيرانية، فإنه يبقى حتى الآن جزءًا من السؤال وليس جوابًا عليه، لأن غياب إعلان المسؤولية أو دليل يربط العملية بجناح إيراني محدد يمنع استخدامها لإثبات وجود انشقاق داخل الحرس أو قرار من جهة إيرانية بإفشال وساطة بارزاني، لكنه في الوقت نفسه يضع صورة شديدة الدلالة أمام المفاوض الأميركي: فبينما يستخدم طرف داخل المنظومة الإيرانية قناة كردية لتمرير رسائل التسوية، تصل من الأراضي الإيرانية، وفق رواية أربيل، طائرات مسيّرة تستهدف مركز الحكم في الإقليم ذاته.

وهكذا قد لا يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت واشنطن وطهران ستعودان إلى طاولة المفاوضات، وإنما كم طاولة تحتاجها واشنطن كي تتأكد من أنها تفاوض إيران القادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، لأن الحرب التي أضعفت مركزية السلطة ورفعت نفوذ الحرس وأظهرت الخلافات بين البراغماتيين والمتشددين ربما تركت أمام الولايات المتحدة دولة واحدة من الناحية القانونية والسياسية، لكنها في ملفات الحرب والسلام باتت تبدو كمنظومة تضم أكثر من مركز يجب أن يقول «نعم» قبل أن يصبح أي اتفاق قابلًا للحياة.

اضف تعليق