يطرح المقال قراءة إدارية واقتصادية نقدية لأزمة التأخر في اتخاذ القرار داخل المؤسسات والشركات والقطاعات الحكومية. ويسلط الضوء على الخسائر غير المرئية الناجمة عن التردد والحذر المفرط، محذراً من تحول التأني ودراسة المخاطر إلى عائق أمام الإنجاز والسبق الاستثماري، ومؤكداً أن ترك الوقت يتخذ القرار نيابة عن القادة هو أشد القرارات خطورة...
في عالم تتحرك فيه الاحداث بوتيرة متسارعة، وتتبدل فيه احتياجات المجتمعات بوتيرة أسرع، لم يعد تأخر القرار مجرد مسألة إدارية يمكن تجاوزها بسهولة، فأحيانا يكون الوقت نفسه جزءا من القرار، وقد يتحول الانتظار إلى خيار له ثمن، حتى حين يبدو لصاحب القرار أنه لا يفعل شيئا سوى جمع مزيد من المعلومات أو انتظار الظروف المناسبة.
تواجه المؤسسات والحكومات والمستثمرون بصورة مستمرة قرارات تحمل قدرا كبيرا من المسؤولية والمخاطرة، شركة تقنية تتردد في إطلاق منتج جديد خشية ألا يحقق النجاح المتوقع، ومستثمر يؤجل دخول سوق ناشئة انتظارا لمؤشرات أكثر وضوحا، ووزارة تتعامل مع مشروع تنموي يحتاج إلى موافقات متتابعة من جهات متعددة.
في جميع هذه الحالات، يبدو التأني منطقيا من زاوية تقليل المخاطر، إلا أن التأني حين يتجاوز حدوده قد يتحول إلى مصدر جديد للمخاطر.
المشكلة الأساسية أن كلفة القرار المتأخر غالبا ما تكون أقل وضوحا من كلفة القرار الخاطئ، إذا اتخذ مسؤول قرارا ولم ينجح، يمكن قياس الخسارة وتحليل أسبابها ومراجعة الإجراءات التي أدت إليها، أما حين يتأخر القرار، فإن الخسارة قد تتوزع على فرص لم تأتِ، وأسواق لم تدخل، ومشروعات لم تنفذ، وخدمات لم تصل إلى المستفيدين في الوقت المطلوب.
هذه الخسائر غير المرئية تجعل التعامل مع التأخر أكثر صعوبة، لأنها لا تظهر دائما في تقرير مالي أو رقم واضح.
في قطاع التكنولوجيا على سبيل المثال، قد تنفق شركة سنوات أو أشهر في تطوير منتج جديد، ثم تتردد في طرحه خوفا من رد فعل المستخدمين أو من احتمال وجود عيوب في النسخة الأولى.
وخلال فترة الانتظار قد يظهر منافس أكثر جرأة، يطرح منتجا مشابها ويستحوذ على اهتمام السوق، عندما تقرر الشركة أخيرا إطلاق منتجها، تكون قد فقدت ميزة السبق، وربما تغيرت توقعات المستهلكين أيضا.
وكذا الحال بالنسبة للمستثمر الذي يراقب سوقا جديدة من بعيد، قد يقضي وقتا طويلا في دراسة المؤشرات الاقتصادية، وانتظار مزيد من الاستقرار، ومقارنة الخيارات المتاحة.
هذه الخطوات ضرورية لاتخاذ قرار رشيد، لكن الفرص الاستثمارية لا تبقى ثابتة إلى الأبد، فمن المحتمل ان يدخل مستثمر آخر في الوقت المناسب، ويبني علاقات مع الموردين والعملاء، ويحصل على حصة سوقية مهمة، ثم يصبح دخول المستثمر المتردد أكثر تكلفة وصعوبة.
وفي المؤسسات الحكومية، تأخذ المشكلة أبعادا أوسع، لأن أثر التأخر قد يصل إلى آلاف أو ملايين المواطنين، مشروع لإنشاء مستشفى، أو تطوير شبكة نقل، أو تحسين خدمات المياه، أو رقمنة إجراء حكومي، قد يبقى لفترة طويلة بين لجان الدراسة والمراجعة والتدقيق والموافقات.
لكل خطوة مبرراتها وقد تكون بعض الإجراءات ضرورية لحماية المال العام وضمان سلامة التنفيذ، إلا أن تراكم الحلقات الإدارية دون تحديد واضح للمسؤولية والزمن يمكن أن يحول الإجراءات من وسيلة للحماية إلى عائق أمام الإنجاز.
التأخر في اتخاذ القرار ربما يرتبط أحيانا بالخوف من تحمل المسؤولية، فبعض أصحاب القرار يفضلون استمرار الدراسة لأن التوقيع على القرار يعني تحمل تبعاته بصورة مباشرة، وكلما تعددت الجهات المشاركة في القرار، أصبح من الأسهل نقل المسؤولية من جهة إلى أخرى.
وفي كثير من الأحيان تكون هذه العملية بمثابة الدرع الواقي من الوقوع في دائرة الأخطاء والمحاسبة، اذ ينتظر طرف من الأطراف رأي الطرف الآخر، وينتظر الطرف الثاني موافقة طرف ثالث، وتستمر الدائرة حتى يصبح مرور الوقت أمرا طبيعيا.
ومن هنا تبرز أهمية بناء ثقافة مؤسسية تفرق بين القرار المدروس والقرار المؤجل، القرار المدروس يعتمد على معلومات كافية ويحدد المخاطر، ويضع بدائل واضحة، ثم يصل إلى نتيجة ضمن إطار زمني محدد، أما القرار المؤجل فيستمر في البحث عن معلومات إضافية دون معيار واضح يحدد متى تكون المعلومات كافية.
وللخروج بحق منطقي من هذه الدائرة، يفترض إيجاد توازن بين سرعة القرار وجودته، ويمكن للمؤسسات تحقيق ذلك عبر تحديد سقف زمني للقرارات المهمة، وتفويض الصلاحيات إلى المستويات المناسبة، وتقليل حلقات الموافقة غير الضرورية، واعتماد مؤشرات واضحة لقياس المخاطر.
ومن المفيد كذلك أن تتعامل المؤسسات مع القرار على أنه عملية قابلة للتعلم، لا اختبار نهائي لا يسمح بالخطأ، فعندما تكون هناك إمكانية للتعديل والتصحيح، يصبح اتخاذ القرار في الوقت المناسب أكثر سهولة.
ليست كل خسارة نتيجة قرار خاطئ؛ بعض الخسائر تبدأ من قرار لم يُتخذ في الوقت المناسب، ولهذا تحتاج المؤسسات والحكومات إلى إعادة النظر في مفهوم الحذر، بحيث لا يتحول إلى تردد وإعادة النظر في مفهوم الدراسة، بحيث لا تصبح ذريعة للتأجيل، فالقرار المصيري يحتاج إلى عقل يزن المخاطر، وإدارة تعرف متى تستمع وشجاعة تعرف متى تحسم، وفي عالم سريع الحركة، قد يكون أخطر قرار هو أن تترك الوقت يتخذ القرار نيابة عنك.



اضف تعليق