يتناول الكاتب في هذا المقال القضية الخدمية في العراق، مستعرضاً حجم المفارقة القائمة بين البساطة المشروعة لتطلعات المواطنين وبين استمرار أزمات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية. ويفكك المقال أسباب تعثر هذه الملفات رغم توفر الإمكانات الطبيعية والمالية والبشرية، معتبراً أن الحل يكمن في التحول من أسلوب إدارة الأزمات المؤقتة إلى ثقافة إدارة الدولة المستدامة...

لم يحلم الشعب العراقي بأشياء غير منطقية او غير قابلة للتحقق، فكل ما حلم به الافراد منذ أكثر من عقدين من الزمن هو نوم ليالي الصيف القائظ دون ان يسمعون بكاء الأطفال وهم يعانون من حرارة الجو وانقطاع التيار الكهربائي! 

في العراق تحولت الكهرباء والماء والخدمات الأساسية من مجرد ملفات خدمية تنتظر المعالجة، إلى أسئلة يومية تفرض نفسها على حياة المواطن وتؤثر في تفاصيل معيشته ومستوى رضاه عن مؤسسات الدولة، فالمواطن العراقي لا يطلب رفاهية استثنائية، ولا يبحث عن خدمات تفوق إمكانات الدولة.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحا: هل أصبحت الخدمات التي يحتاجها العراقيون أحلاما عصية على التحقق؟

قد يبدو السؤال قاسيا، إلا أن الواقع اليومي يجعل طرحه ضروريا، فمن غير المنطقي أن تبقى الكهرباء أزمة متكررة في بلد يمتلك موارد طبيعية هائلة، وإمكانات مالية وبشرية واسعة، ومساحات كبيرة يمكن استثمارها في مشاريع الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة، فضلا عن موقع جغرافي يمكن أن يتيح فرصا مهمة للتعاون الإقليمي في مجال الطاقة.

المشكلة إذن ليست في غياب كل الإمكانات، العراق يمتلك الكثير من مقومات النجاح، من النفط والغاز إلى الأراضي والموارد البشرية والموقع الجغرافي، إضافة إلى الخبرات الأكاديمية والهندسية والإدارية القادرة على تقديم حلول عملية، ومع ذلك تبقى بعض الملفات الخدمية تدور في الحلقة نفسها، وكأن البلاد تعيد إنتاج المشكلة كل عام مع اختلاف الظروف والتفاصيل.

الكهرباء مثال واضح على ذلك، المواطن يريد خدمة مستقرة يستطيع بناء حياته اليومية عليها، يريد أن يشغل أجهزة منزله ويعمل في بيته ويدرس أبناؤه، من دون أن يبقى أسيرا لجدول التجهيز وانقطاعاته، الأمر ذاته ينطبق على المياه والنقل، وغيرها من الخدمات البلدية.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل يستطيع العراق توفير الخدمات؟ فالإجابة تبدو واضحة من حجم الموارد والإمكانات المتاحة، السؤال الأكثر أهمية هو: هل يمتلك العراق الإدارة والقيادة القادرتين على تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة؟

القيادة في الملفات الخدمية تعني إصدار القرارات والقدرة على تحديد الأولويات، ووضع الخطط الواقعية ومتابعة التنفيذ ومحاسبة المقصرين، ومنع هدر المال والوقت، وإعادة تقييم المشاريع التي لا تحقق أهدافها، كما تعني امتلاك رؤية تتجاوز الحلول المؤقتة، لأن معالجة أزمة الكهرباء على سبيل المثال لا يمكن أن تقوم على زيادة ساعات التجهيز في موسم معين ثم العودة إلى المشكلة ذاتها بعد أشهر.

العراق يحتاج إلى إدارة للخدمات تقوم على التخطيط طويل الأمد، فمحطات الإنتاج وحدها لا تكفي إذا كانت شبكات النقل والتوزيع بحاجة إلى تطوير، وزيادة الإنتاج لا تحقق الغاية المنشودة إذا بقيت الاختناقات الفنية والإدارية قائمة، كما أن إنفاق الأموال على مشاريع متعددة من دون منظومة متكاملة للأولويات قد ينتج الكثير من المنشآت، مع نتائج محدودة على حياة المواطن.

ولذلك فإن العراق بحاجة إلى الانتقال من ثقافة إدارة الأزمات إلى ثقافة إدارة الدولة، الفرق بينهما كبير، فإدارة الأزمة تعني التحرك عندما تتفاقم المشكلة، أما إدارة الدولة فتعني توقع المشكلة قبل حدوثها، ووضع البدائل وتوفير التمويل وقياس النتائج، وتصحيح المسار.

ومن الضروري كذلك إعادة النظر في مفهوم الإنفاق العام، فالأموال التي تنفق على الخدمات ينبغي أن تُعامل باعتبارها استثمارا في استقرار المجتمع واقتصاده، وليس مجرد أرقام في أبواب الموازنة، الكهرباء عندما تستقر تساعد الصناعة والتجارة والزراعة، والنقل الجيد يقلل كلفة الإنتاج، والمياه النظيفة تحسن الصحة العامة، والتعليم الجيد يصنع قوة العمل المستقبلية، كل خدمة ناجحة تنتج آثارا اقتصادية واجتماعية تتجاوز حدود القطاع الذي تنتمي إليه.

ولعل أكثر ما يحتاجه العراق اليوم هو مشروع وطني للخدمات، تكون له أهداف محددة ومواعيد زمنية واضحة ومؤشرات قياس معلنة، مشروع لا يتغير جوهريا مع تغير المسؤول، ولا يرتبط بموسم انتخابي، ولا يتوقف عند حدود حكومة أو دورة إدارية، فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى استمرارية مؤسسية، لأن بناء منظومة كهرباء متكاملة أو شبكة نقل حديثة أو بنية تحتية متطورة لا يمكن إنجازه بعقلية المدة القصيرة.

لذلك، فإن الأحلام ليست عصية على التحقق، والمشكلة لا تكمن في استحالة الوصول إليها، العراق يمتلك كثيرا من مستلزمات النجاح، وما ينقصه في جوانب أساسية هو حسن توظيف هذه الإمكانات ضمن رؤية واضحة وقيادة تعرف كيف تحول الموارد إلى مشاريع، والمشاريع إلى خدمات والخدمات إلى حياة كريمة.

اضف تعليق