يطرح الكاتب في هذا المقال قضية فكرية جوهرية تتناول كفاءة إنتاج المعرفة في العراق، مسلطاً الضوء على ظاهرة التبعية المعرفية الناعمة والتجاهل الشديد الذي تواجهه المفاهيم المنتجة محلياً؛ حيث يوازن المقال بين ضرورة الاستفادة من الفكر العالمي واختبار المنتج الفكري المحلي دون تقديس أو إهمال...

ثمة ظاهرة في حياتنا الثقافية العراقية تستحق أن نتوقف عندها طويلًا، لا لأنها تتعلق بحقوق المؤلفين أو بأسبقية هذا الكاتب أو ذاك في طرح فكرة معينة، وإنما لأنها تكشف مشكلة أعمق في طريقة إنتاج المعرفة العراقية والاعتراف بها وتداولها. فالمثقف العراقي يستطيع، وهو يناقش أزمة الدولة والمجتمع والسلطة والمواطنة والتغيير، أن يستدعي غرامشي وهابرماس وروالز وفوكو وبورديو وغيرهم من كبار المفكرين، وأن يستعين بمفاهيمهم في قراءة الواقع العراقي، لكنه قد لا يبدي الحماسة نفسها للدخول في حوار جاد مع المفاهيم التي ينتجها مفكر عراقي معاصر لمعالجة المشكلة العراقية نفسها، حتى حين تكون هذه المفاهيم معروفة لديه وذات صلة مباشرة بالموضوع الذي يبحثه.

ليس في استدعاء غرامشي أو هابرماس أو روالز مشكلة بطبيعة الحال، بل إن الانفتاح على الفكر الإنساني شرط من شروط حيوية أي ثقافة، ولا يمكن بناء فكر عراقي حديث داخل أسوار معرفية مغلقة. فالفكرة لا تكتسب قيمتها من جنسية صاحبها، ولا ينبغي أن نواجه المركزية الغربية بمركزية محلية معكوسة تجعل الفكرة العراقية أفضل لمجرد أنها عراقية. 

قد يكون مفهوم صاغه مفكر إيطالي قبل قرن أكثر قدرة على تفسير جانب من الواقع العراقي من مفهوم صاغه عراقي بالأمس، وقد تكون نظرية نشأت في بيئة أوروبية أو أمريكية أقدر على إضاءة مشكلة محلية من عشرات الكتابات التي أنتجت داخل العراق. المعيار الذي ينبغي أن يحكم التعامل مع الأفكار هو قدرتها التفسيرية وقيمتها المعرفية وإمكان الإفادة منها، وليس جواز سفر صاحبها.

لكن المشكلة تبدأ حين لا نطبق المعيار نفسه في الاتجاه الآخر، وحين يصبح المفهوم القادم من الخارج مؤهلًا سلفًا للدخول في النقاش الفكري لأنه يحمل اسمًا استقر في تاريخ الفكر العالمي، بينما تحتاج الفكرة التي ينتجها عراقي معاصر إلى اجتياز حواجز غير معلنة قبل أن تصبح جديرة حتى بالمناقشة. عندئذ لا نكون أمام مجرد اختيار فكري حر بين أفكار متعددة، وإنما أمام خلل في منظومة الاعتراف بالمعرفة، يجعلنا أكثر استعدادًا لاستهلاك المفهوم القادم من المراكز الفكرية العالمية من استعدادنا لاختبار المفهوم الذي تنتجه بيئتنا الثقافية نفسها.

لقد اعتدنا طويلًا أن تصل إلينا المفاهيم مكتملة الاسم والشرعية والهيبة. فعندما نتحدث عن «الكتلة التاريخية» نستدعي أنطونيو غرامشي، وعندما نتحدث عن «المجال العام» نستدعي يورغن هابرماس، وعندما نبحث في العدالة نستحضر جون روالز، وعندما نناقش العلاقة بين السلطة والمعرفة يحضر ميشيل فوكو. وهذا كله مشروع ومفيد، بل ضروري، لأن الفكر الإنساني عملية تراكمية عالمية لا يجوز لأي مجتمع أن يعزل نفسه عنها. غير أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بالتوازي هو: ماذا يحدث عندما ينتج العقل العراقي مفهومًا يحاول من خلاله تفسير الواقع العراقي واقتراح طريق للخروج من أزماته؟

المشكلة أن مثل هذا المفهوم لا يدخل دائمًا في دورة معرفية طبيعية يتلقاه فيها الباحثون والكتّاب بالنقد والاختبار والتطوير. قد يقرأه بعضهم، وقد يتفق معه آخرون أو يختلفون، وقد تنتشر بعض مفرداته في الخطاب العام، لكن قلما تتشكل حوله عملية معرفية تراكمية يكون فيها المفهوم موضوعًا للدراسة والنقد وإعادة البناء. وهنا يظهر أحد أوجه الضعف في حياتنا الثقافية: لدينا عدد كبير من الكتّاب والباحثين والأكاديميين، ولدينا إنتاج ضخم من الكتب والمقالات والدراسات، لكننا لم نبنِ بالمقدار نفسه مجتمعًا فكريًا تتراكم داخله الأفكار، بحيث يبدأ المفكر الثاني من النقطة التي وصل إليها الأول، ويختبر الثالث ما اقترحه الثاني، ويكشف الرابع مواطن الضعف، ويعيد الخامس بناء المفهوم في صورة أكثر نضجًا.

المعرفة لا تتقدم بأن يبدأ كل كاتب العالم من الصفر، وإنما بالحوار والتراكم والنقد. يطرح مفكر مفهومًا، فيختبره آخر، وينقده ثالث، ويضيف إليه رابع، ويكتشف خامس حدود صلاحيته، ثم يأتي من يعيد بناءه في ضوء التجربة والنقد. وبعد سنوات من هذه العملية لا تعود الفكرة ملكًا لصاحبها الأول، وإنما تتحول إلى جزء من الرصيد المعرفي للمجتمع. بهذه الطريقة تشكلت المدارس الفكرية الكبرى، وبهذه الطريقة أصبحت مفاهيم كثيرة نستخدمها اليوم جزءًا من اللغة الفكرية العالمية.

لم يصبح غرامشي مفكرًا عالميًا لأن كل من قرأه وافق عليه، وإنما لأن أفكاره دخلت في دورة هائلة من القراءة والنقد وإعادة التأويل والتطبيق. ولم يكتسب هابرماس مكانته لأن مفهوم «المجال العام» تحول إلى حقيقة مقدسة لا يجوز الاعتراض عليها، وإنما لأن أجيالًا من الباحثين اختبرت المفهوم وناقشته ووسعت حدوده وكشفت نقاط ضعفه. فالفكرة الحية لا تحتاج إلى المديح بقدر حاجتها إلى النقد، لأن النقد هو الذي يكشف مقدار ما فيها من قدرة على البقاء والتطور.

أما في حياتنا الثقافية، فكثيرًا ما نضع المفكر المحلي أمام خيارين غير صحيين: إما الاحتفاء الذي يقترب أحيانًا من التقديس، وإما الإهمال الذي يتصرف مع الفكرة كما لو أنها لم توجد أصلًا. وبين التقديس والإهمال تضيع المساحة التي تنمو فيها المعرفة، وهي مساحة الحوار النقدي. 

ولذلك يستطيع مثقف عراقي أن يتحدث عن حاجة العراق إلى «فكرة كبرى» أو إلى «مشروع تاريخي» يعيد بناء الدولة والمجتمع، ثم يبحث عن الأدوات النظرية لهذا المشروع في التراث الفكري العالمي من دون أن يتوقف بما يكفي أمام سؤال منطقي: هل أنتج الفكر العراقي المعاصر بالفعل أفكارًا ومشروعات تستحق أن تدخل هذا النقاش؟

ويمكن أن أذكر هنا، من دون حرج ومن دون ادعاء احتكار الحقيقة، مفهوم «الدولة الحضارية الحديثة» الذي عملت عليه سنوات طويلة. لا أطالب أحدًا بأن يتبناه لأنه فكرتي، ولا أن يذكر اسمي كلما تحدث عن الدولة والمواطنة، ولا أن يعتبره الحل النهائي لأزمة العراق. مثل هذا الطلب سيكون نقيضًا للعمل الفكري نفسه. ما أطالب به أبسط من ذلك من جهة، وأصعب من جهة أخرى: أن تدخل الفكرة ميدان الاختبار.

ناقشوا الدولة الحضارية الحديثة، واختبروا قدرتها على تفسير أزمة الدولة العراقية، وانقدوا مفهومها للمواطنة والديمقراطية والمؤسسات وحكم القانون والعلم والعمل والاقتصاد والتعليم والقيم والكفاءة. ناقشوا تصورها للإنسان بوصفه محورًا للعملية الحضارية، وللدولة بوصفها أداة لتنظيم حياة الناس وتمكينهم من بناء حياتهم في الدنيا، واختبروا مفهومها للمركب الحضاري وللعلاقة بين الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل ضمن منظومة القيم العليا، واسألوا إن كان قانون «تعظيم القيمة وتقليل الهدر» قادرًا فعلًا على تقديم معيار عام يمكن من خلاله تقييم أداء الدولة والمجتمع. وإذا وجدتم بعد هذا كله أن الفكرة عاجزة أو ناقصة أو مثالية أو غير قابلة للتطبيق، فارفضوها، ولكن ارفضوها بعد أن تدخلوا معها في الحوار الذي تستحقه كل فكرة تدعي القدرة على تفسير الواقع أو تغييره.

هذه هي المسألة التي ينبغي أن تشغلنا، وليس حصول صاحب الفكرة على الاعتراف الشخصي. فحين يبحث مثقف عراقي عن «فكرة وطنية مشتركة تعيد تعريف الدولة والمواطنة والسلطة والمصلحة العامة»، بينما توجد في البيئة الفكرية العراقية مشروعات تحاول منذ سنوات الإجابة عن هذه الأسئلة تحديدًا، يصبح تجاوزها من دون مناقشة مشكلة معرفية قبل أن يكون مشكلة في الإحالة أو الاقتباس. لأن المجتمع الذي لا يضع أفكاره في ميدان الاختبار يحرم نفسه من إمكانية اكتشاف ما إذا كانت هذه الأفكار تحتوي بالفعل على شيء يمكن البناء عليه.

وهذه الظاهرة لا تتعلق بالدولة الحضارية الحديثة وحدها، ولا ينبغي اختزالها فيها. ففي العراق باحثون ومفكرون وأكاديميون وكتّاب ينتجون أفكارًا متفاوتة القيمة؛ بعضها قد يكون عميقًا، وبعضها متوسطًا، وبعضها قد لا يصمد طويلًا أمام النقد. 

وهذا أمر طبيعي تمامًا، فلا توجد ثقافة حية تكون جميع أفكارها عظيمة. لكن الثقافة الحية تتميز بأنها تمتلك آليات لفرز إنتاجها: تقرأ أفكارها، وتنقدها، وتقارن بينها، وتختبرها، وتطور ما يستحق التطوير، وتتجاوز ما يثبت عجزه. أما الثقافة التي تنتظر أن يخبرها الآخرون أي أفكارها جديرة بالاهتمام، فإنها تتنازل تدريجيًا عن جزء من استقلالها العقلي.

ومن هنا يمكن الحديث عن نوع من «التبعية المعرفية الناعمة» التي لا يفرضها علينا أحد بالقوة، وإنما نمارسها نحن أحيانًا من خلال عاداتنا الثقافية. فقد ترسخت، عبر تاريخ طويل من العلاقة غير المتكافئة بين مراكز إنتاج المعرفة وأطرافها، صورة ذهنية تجعل المركز هو المكان الطبيعي لإنتاج المفهوم، بينما تكون وظيفة الأطراف هي الترجمة والشرح والتطبيق. ومع مرور الزمن قد يصبح الباحث الموجود في الأطراف قادرًا على إنتاج المعرفة بالفعل، لكنه يظل نفسيًا وثقافيًا أكثر استعدادًا للاعتراف بالمفهوم إذا جاءه من الخارج.

ولهذا قد يكتب الباحث العراقي رسالة جامعية كاملة عن مفهوم ولد في باريس أو فرانكفورت أو شيكاغو، ويشعر أنه يمارس عملًا أكاديميًا رصينًا، بينما يتردد في تخصيص دراسة جادة لمفهوم صاغه مفكر يعيش في بغداد أو النجف أو البصرة أو أربيل، وكأن القرب الجغرافي يقلل القيمة المعرفية للفكرة، وكأن الأفكار تحتاج إلى السفر آلاف الكيلومترات والحصول على اعتراف جامعة أجنبية أو دار نشر عالمية لكي تصبح جديرة بالبحث. وربما لو أخذ باحث غربي غدًا مفهومًا أنتجه عراقي، وكتب عنه في جامعة مرموقة، ثم عاد المفهوم إلينا باللغة الإنكليزية، لاكتشفنا فجأة أنه يستحق النقاش!

هذه ليست نكتة ثقافية بقدر ما هي علامة على خلل عميق في الثقة بقدرتنا على إنتاج المفهوم. والاستقلال الفكري الذي نحتاج إليه لا يعني قطع الصلة بالفكر العالمي، بل العكس تمامًا؛ يعني الدخول في هذا الفكر من موقع الشريك الذي يقرأ ويستفيد وينقد ويضيف، لا من موقع المستهلك الذي ينتظر دائمًا وصول المفهوم مكتملًا من الخارج.

فالعقل العراقي لا يصبح مستقلًا عندما يتوقف عن قراءة غرامشي وهابرماس وروالز، وإنما يصبح أكثر استقلالًا عندما يستطيع أن يقرأهم ويقرأ في الوقت نفسه ما تنتجه تجربته التاريخية والاجتماعية، ثم يدخل الجميع في فضاء نقدي واحد لا توجد فيه حصانة لفكرة بسبب شهرة صاحبها ولا عقوبة لفكرة بسبب قرب صاحبها.

ومن منظور الفلسفة الحضارية، فإن هذه المسألة تتصل مباشرة بقانون أوسع هو «تعظيم القيمة وتقليل الهدر». فنحن اعتدنا أن نفكر في الهدر باعتباره هدرًا للمال أو النفط أو الوقت أو الموارد الطبيعية أو الطاقات البشرية، لكن المجتمعات تهدر كذلك إنتاجها العقلي. والفكرة قيمة، والبحث العلمي قيمة، والمفهوم الجديد قيمة محتملة، والتجربة الفكرية قيمة، وما لم تدخل هذه القيم في دورة اجتماعية تسمح باختبارها وتطويرها والاستفادة منها، فإن المجتمع يكون قد أهدر جزءًا من رأسماله المعرفي.

وهذا ما يمكن أن نسميه «هدر القيمة المعرفية». فعندما ينتج عقل داخل المجتمع فكرة ثم لا تجد من يناقشها، أو ينتج باحث مفهومًا ثم يظل حبيس كتابه، أو يقدم مفكر نظرية ثم يكتفي الآخرون إما بالإشادة بها أو تجاهلها، فإن الخسارة لا تقع على صاحب الفكرة وحده، بل على المجتمع كله؛ لأنه فقد احتمالًا معرفيًا كان يمكن أن يتحول، عبر النقد والتطوير، إلى أداة أفضل لفهم الواقع أو تغييره. وقد تكون الفكرة خاطئة، لكن حتى اكتشاف خطئها يمثل قيمة معرفية إذا جرى عبر نقاش جاد، لأن المعرفة تتقدم أيضًا باكتشاف الطرق التي لا تؤدي إلى الهدف.

ومن هنا فإن حاجتنا إلى النهضة الفكرية لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى أفكار جديدة، بل تتطلب إنشاء بيئة تستطيع أن تتعرف إلى الأفكار التي تولد داخلها، وأن تضعها في التداول، وأن تنقدها من دون خصومة، وأن تستفيد منها من دون تبعية لأصحابها. نحن بحاجة إلى صحافة ثقافية تعيد الاعتبار للنقاش الفكري، وإلى جامعات تدرس الإنتاج الفكري العراقي المعاصر بالجدية نفسها التي تدرس بها النظريات الأجنبية، وإلى مراكز بحثية تنظم حوارات بين المشروعات الفكرية المختلفة، وإلى مثقفين يملكون شجاعة الاعتراف بأن فكرة جيدة يمكن أن تصدر عن شخص يعرفونه ويختلفون معه وربما يجلسون معه في المقهى نفسه.

ولذلك فإن العراق، إذا كان يبحث فعلًا عن «كتلة تاريخية» قادرة على حمل مشروع التغيير، يحتاج في الوقت نفسه إلى مجال فكري عراقي حي تتلاقح فيه الأفكار وتتعارض وتتطور. فالكتلة التاريخية ليست مشروعًا بحد ذاتها، وإنما هي، في أحد معانيها الممكنة، حامل اجتماعي للمشروع. وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي يسبق البحث عن الحامل: ما الذي سيحمله؟ وإذا جمعنا المثقفين والأكاديميين والمهنيين والطبقة الوسطى والشباب ورجال الأعمال ورجال الدين المؤمنين بالدولة الوطنية، فما الفكرة التي ستجمعهم؟ وما تصورهم للدولة التي يريدون بناءها؟ وما معيارهم للحكم على نجاحها أو فشلها؟ وما تصورهم للإنسان والاقتصاد والثروة والتعليم والعدالة والمواطنة والحرية والمؤسسات؟

لا يستطيع مفهوم «الكتلة التاريخية» وحده أن يقدم الإجابات التفصيلية عن هذه الأسئلة، لأنه يوجه اهتمامنا أساسًا إلى القوى القادرة على حمل التحول وبناء التوافق الاجتماعي حوله، بينما يبقى مضمون المشروع نفسه بحاجة إلى بناء فكري مستقل. 

وهنا ينبغي أن يبدأ الحوار الحقيقي بين المفاهيم، بدل أن نضعها في علاقة إلغاء بعضها لبعض. فقد نستفيد من غرامشي في التفكير في الحامل الاجتماعي للتغيير، ومن هابرماس في التفكير في المجال العام والتواصل، ومن روالز في مناقشة العدالة، ومن تجارب الأمم المختلفة في بناء المؤسسات، وفي الوقت نفسه نختبر ما أنتجه الفكر العراقي من مفاهيم نشأت من داخل التجربة العراقية وتحاول الإجابة عن أسئلتها الخاصة.

لا أريد، إذن، إحلال اسم عراقي محل اسم أجنبي، ولا أريد من المثقف العراقي أن يتوقف عن السفر في جغرافيا الفكر الإنساني الواسعة. ما أريده هو أن يكون للعقل العراقي مقعد في هذه الرحلة، لا أن يبقى مجرد مسافر يحمل كتب الآخرين. فالحضارة لا تقوم فقط بإنتاج السلع والطرق والمباني والتكنولوجيا، وإنما تقوم أيضًا بإنتاج المفاهيم التي يستطيع المجتمع من خلالها أن يفهم نفسه، وأن يحدد مشكلاته، وأن يتصور مستقبله.

وقد تكون الفكرة التي نحتاج إليها عند غرامشي، وقد نجد جزءًا منها عند هابرماس أو روالز أو غيرهما، وقد تكون فكرة أخرى قد ولدت في بغداد أو النجف أو البصرة أو أربيل ولم نمنحها بعد فرصة الاختبار. وليس المطلوب أن نفضل الأخيرة لأنها عراقية، وإنما أن نمنحها الحق نفسه في القراءة والنقد والاختبار، فالمعيار في النهاية ليس جواز سفر الفكرة، وإنما مقدار ما تضيفه إلى قدرتنا على فهم الواقع وتغييره، وعندما نصل إلى هذه المرحلة، ربما تبدأ نهضتنا الفكرية الحقيقية؛ لأننا لن نعود نسأل العالم فقط: ماذا فكرتم لكي نستفيد منه؟ بل سنضيف إلى هذا السؤال سؤالًا لا يقل أهمية: ماذا فكّرنا نحن، وماذا فعلنا بما فكّرنا؟

اضف تعليق