تستلزم إدارة الأزمات وفق منهج اللاعنف إجراء عملية تفكيك منهجية للبنية التشريعية والأمنية التي تعتمد عليها الأنظمة السياسية في إخضاع المجتمعات، فالقوانين الاستثنائية والمحاكم العسكرية وتكبيل الحريات العامة تعد بيئة حاضنة تنتج التطرف والعمل المسلح. لذا، فإن أولى خطوات بناء الدولة السلمية تكمن في إلغاء كافة النصوص القانونية التي...
تشكل أزمة إدارة السلطة والنزاع السياسي في الشرق الأوسط إحدى أكثر الإشكاليات التاريخية تعقيدًا، حيث أدى انسداد الأفق السياسي وسيادة النهج القسري إلى إعادة إنتاج الاستبداد وتأجيج الحروب والصراعات متعددة الأوجه.
في مواجهة هذا الواقع، برزت الحاجة إلى تجاوز الخيارات الأمنية والحلول العسكرية التي أثبتت عقمها، والانتقال نحو طرح فكري وسياسي يرى في "ثقافة اللاعنف" استراتيجية واقعية لإدارة الأزمات في العالم عمومًا، وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، لتصبح منظومة متكاملة تستند إلى الفكر الإسلامي التجديدي والقواعد العقلانية في إدارة المجتمعات.
ترتكز هذه الاستراتيجية، التي أصّل لها المرجع الراحل الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي نظريًا وعمليًا، على فهم عميق يرى أن العنف ليس أداة للتغيير، بل هو مصدر دائم لتوليد الأزمات، وأن التغيير المستدام والحقيقي لا يتأتى إلا عبر السلام وإشاعة الشورى وتفكيك أركان القمع والاستبداد من جذوره العنفية، وتجفيف البيئة الحاضنة له، واستبدالها ببيئة جديدة قائمة على أصول مختلفة.
لقد اعتبر الإمام الشيرازي أن "الجانحين إلى السلام بقوا أعلامًا في بلادهم وفي غير بلادهم، بينما الجانحون إلى العنف والخشونة والشدة والغلظة ذهبوا، ولم يبقَ لهم أثر إلا آثار النفرة والابتعاد"، معتبرًا أن "الثمار الإيجابية التي يجنيها الإنسان من سياسة اللاعنف في حياته هي محبة المجتمع لذلك الإنسان، وتقديره له، والتفاف الناس حوله".
التأصيل لمبدأ اللاعنف
إن الحاكمية الإسلامية تقوم على مبدأ السلم واللاعنف، وهما الأصل في التشريع الإسلامي، وكذا في العلاقات الإنسانية التي تقوم على الفطرة الإنسانية، بينما يعد اللجوء إلى القوة والقسر استثناءً طارئًا ينقض مقاصد الشريعة في حفظ النفوس والعمران، كما أشار الإمام الشيرازي إلى ذلك بالقول: "شعار الإسلام هو السلام، أما الحرب وأساليب العنف فما هي إلا وسائل اضطرارية شاذة على خلاف الأصول الأولية الإسلامية، وحالها حال الاضطرار لأكل الميتة".
إن التأصيل الشرعي للاعنف يتأسس على التشديد المطلق لحرمة إراقة الدماء وصون كرامة الإنسان، ويرفض رفضًا قاطعًا أي سلوك قائم على طريقة أن الغاية تبرر الوسيلة، إذ لا يمكن الوصول إلى مجتمع تُصان فيه كرامة الإنسان، وتتحقق فيه العدالة الاجتماعية، ويُحرر الفرد من قيود العبودية والاستبداد والتبعية، في ظل استخدام أدوات البطش والإكراه والقمع.
فالوسيلة العنيفة تحدد طبيعة النظام الناتج، واستخدام العنف لإسقاط الاستبداد لا ينتج سوى استبداد بديل، يتسرب فيه القمع إلى بنية الحكم الجديدة، وربما بطريقة أكثر عنفًا واستبدادًا. لذلك، يطرح اللاعنف من قبل الإمام الشيرازي (رحمه الله) كقوة إيجابية فاعلة تعتمد على سحب الشرعية والطاعة من سلطة القمع والاستبداد، وإحلال قوة الإقناع والحوار والتوافق محل قوة السلاح والهيمنة، دون اللجوء إلى العنف واستخدام ذات الأسلوب للحاكم الديكتاتور أو السلطة المستبدة، معتبرًا أن "العنف من المصاديق الظاهرية لتغلب القوى الشريرة في الإنسان على القوة الخيرة".
الشورى والمجتمع
تشخّص الرؤية الفكرية للإمام الشيرازي الاستبداد واحتكار السلطة باعتبارهما الجذر الأساسي الذي ينتج العنف في المنطقة، فعندما تُغلق منافذ التعبير السلمي للمجتمع، ويتم فرض خيار الحزب الواحد أو الحاكم الفرد، يتحول النزاع السياسي تلقائيًا إلى مواجهة حتمية بين الحاكم والمحكوم.
ولعلاج هذا الانسداد، يمكن أن تُطرح الشورى بمدلولها المؤسسي القائم على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة. إن فتح المجال أمام جميع القوى الاجتماعية والسياسية لتأسيس الأحزاب والتكتلات يعد الضمانة الأساسية لامتصاص الاحتقان وتحويل الصراع من الحلبة المسلحة إلى المنافسة السلمية، كما أن الإيمان بأن الأمة مصدر السلطات يقتضي إتاحة المجال للرأي العام ليحدد خياراته عبر صناديق الاقتراع والآليات الدستورية العادلة.
كما لا يمكن لثقافة اللاعنف أن تتحول إلى استراتيجية عملية دون نقل الأمة من موقف المتفرج إلى موقع الفاعل السياسي الأساسي. ويتطلب هذا البناء تمكين المجتمع المدني وتشجيع تأسيس المؤسسات الأهلية المستقلة، كمنظمات المجتمع المدني متنوعة الاختصاصات، والمجالس النقابية، والجمعيات الخيرية، والهيئات الفكرية والاجتماعية التي تُدار ذاتيًا وباستقلالية تامة.
إن وجود مجتمع مدني قوي ومنظم الصفوف يشكل حائط صد ضد أي تغوّل سلطوي مستقبلي، ويوفر الأدوات الكفيلة بممارسة المقاومة المدنية السلمية عند نشوب الأزمات. ولقد أثبتت التجربة التاريخية أن الضغط المدني المنظم يمتلك قدرة أكبر على تفكيك بنية القمع وإجبار السلطات، مهما كانت قوتها وتسلطها، على التراجع دون تكبيد البلاد كلفة الدمار التي تخلفها الصراعات المسلحة الدامية.
وقد أشار الشيرازي إلى هذا الأمر بقوله: "حينما لا يمكن التحرير بالسلاح، ينبغي اللجوء إلى منطق اللاعنف والأخلاق وتوحيد الصفوف إلى آخر ما يتطلب تحقيق الانتصار، وهذا بحاجة إلى أكثر قدر من التعقل لحفظ الوحدة المستلزمة للتواضع، والاستشارة، والتعاون والتماسك، بل ويلزم أن تكون العقوبات للمخالفين معقولة إلى أبعد حد، ولذا لا يقام الحد في أرض العدو، وإذا فرض أن شورى الفقهاء رأت أن المصلحة في أن يبدل الحد إلى عقوبة خفيفة من باب الأهم والمهم، فإن ذلك يوجب تماسك الصفوف واتحادهم".
تفكيك أدوات القسوة
تستلزم إدارة الأزمات وفق منهج اللاعنف إجراء عملية تفكيك منهجية للبنية التشريعية والأمنية التي تعتمد عليها الأنظمة السياسية في إخضاع المجتمعات، فالقوانين الاستثنائية والمحاكم العسكرية وتكبيل الحريات العامة تعد بيئة حاضنة تنتج التطرف والعمل المسلح. لذا، فإن أولى خطوات بناء الدولة السلمية تكمن في إلغاء كافة النصوص القانونية التي تقيد حرية الرأي والتعبير والنشر والطباعة وغيرها، وتحديد دور الأجهزة الأمنية ليقتصر دورها حصرًا على حماية القانون والأمن القومي.
كما يرافق هذا الإصلاح التشريعي ضرورة معالجة العنف الإداري والبيروقراطي المتمثل في الفساد والتعقيدات الإدارية المنتشرة في عموم الشرق الأوسط، حيث إن تبسيط المعاملات وتسهيل حياة المواطنين يسهم بشكل فاعل ومباشر في إشاعة الاستقرار الاجتماعي وتحقيق الرفاه والازدهار الحقيقي والحد من الاحتقان والغضب الشعبي.
كما أن حرية التعبير عن الرأي وضمان عدم فرض القيود من أبرز مظاهر مكافحة أدوات القسوة والعنف التي دانها الإمام الشيرازي، حيث أشار إلى أن "مِن أظهر مصاديق اللاعنف في الحوار والتعامل مع المخالف في الرأي هو ما يتبين ويظهر جليًا في سيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مع معارضيهم والمخالفين لهم بالرأي، بل حتى مع أشد المحاربين، حتى إن المخالف لا يقوم عن مجلسهم إلا معترفًا بفضلهم وعلمهم".
التوصيات
1. إلزام المؤسسات الرسمية والقوى السياسية بمبدأ حرمة اللجوء إلى السلاح في النزاعات الداخلية، واعتبار العنف جريمة بحق الدولة والمجتمع.
2. كفالة حرية تشكيل الأحزاب والتنظيمات المدنية دون الحاجة إلى تعقيد الإجراءات وتشديدها، وإلغاء مفهوم الحزب الحاكم أو السلطة الأحادية.
3. وضع أطر دستورية واضحة تضمن إجراء انتخابات دورية شفافة تحترم إرادة الأمة وتتيح الانتقال السلس للحكم.
4. إلغاء القوانين العرفية والطوارئ وتقليص التضخم الأمني، وإبعاد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية عن العمل السياسي.
5. رفع اليد عن الصحافة والإعلام ودور النشر لكفالة حرية التعبير والتفكير، باعتبارها صمام أمان يمنع الانفجار المجتمعي.
6. دعم وتمكين المجتمع المدني من خلال منح المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأهلية والخيرية الاستقلالية الكاملة لإدارة شؤون المجتمع وتنمية المبادرات الذاتية.
7. تحقيق العدالة الاقتصادية ومكافحة الفساد عبر معالجة التهميش الاقتصادي وتوزيع الثروات بشكل متكافئ، لمنع استغلال العوز والحاجة المادية في تأجيج الصراعات المسلحة.
8. تطوير المنظومة التربوية والإعلامية، وتنقية المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي من لغة الإقصاء والتكفير، وترسيخ قيم التسامح والتعايش السلمي والكرامة الإنسانية.



اضف تعليق