نحن نشهد توافد الملايين من الزائرين صوب كربلاء المقدسة هذه الايام لزيارة الامام الحسين وبينهم نسبة كبيرة من النساء والفتيات، يجدر بنا المقارنة بين هذه المسيرة ومسيرة عقيلة بني هاشم وهي مسبية على يد الطغاة والظالمين، كيف كانت هذه السيدة العظيمة؟ وكيف حال سيدات اليوم؟...

وجود الطفلة الصغيرة، والفتاة الشابة، والمرأة المتزوجة، والمرأة الكبيرة السنّ، في زيارة الأربعين، بين ركباناً، او راجلين، ليس مجرد حضور أنثوي في هذه المسيرة المدوية، كما هو الحضور الذكوري المشهود بمختلف الاعمار، إنما يحمل كل المضامين الدالة على دور المرأة في البناء الاجتماعي لأية أمة متطلعة ومتقدمة في العالم، وأي بناء هذا اذا كانت مهندسته شخصية مثل العقيلة زينب ابنة أمير المؤمنين، عليهما السلام!

نحن نسمع من اخواتنا الزائرات في الطريق الى كربلاء المقدسة أنهنّ يواسين السيدة زينب في مسيرها التعسفي وهي مسبية من كربلاء الى الكوفة، ومنها الى الشام، بينما هُنّ يسرْنَ مُعززات مُكرمات مع وافر الخدمات المشهودة، و لاشك أن هذه المواساة تستدعي معرفة اسباب السبي بالأساس، ولماذا حصلت هذه الجريمة المروعة بحق السيدة زينب وسائر نساء أهل بيت رسول الله؟ وكيف تحولت مأساة السبي الى جبهة مستحكمة جديدة بعد انتهاء عمل جبهة القتال في كربلاء؟ ومن ثمّ؛ فمن هي السيدة زينب؟ إن البحث عن الإجابات من شأنه خلق موجة وعي عارمة في صفوف المشاركات في الزحف الحاشد هذه الأيام صوب كربلاء المقدسة. 

وكلما كان مستوى الوعي والمعرفة بهذه السيدة المُلهمة، تمكنت الزائرات من اقتباس أكبر قدر من النور الكاشف لطريقهن في الحياة على الأصعدة كافة من خلال دراسة بعض جوانب شخصية السيدة زينب:

الجانب الذاتي

التربية الذاتية من المراحل الأساس في بناء شخصية الانسان، وربما تفوق دور الأبوين، والوراثة والبيئة مما أشّر اليه علماء الاجتماع، لأننا سنشهد ظهور قدرات ومهارات خاصة تمتزج بالضرورة في هذا البناء، فاحياناً تكون بالاتجاه الايجابي، واحياناً اخرى؛ الاتجاه السلبي، حسب إرادة الفرد في تفعيل تلكم القدرات الكامنة والمزروعة في النفس، ولذا نجد احياناً شاباً يبني شخصيته خارج المؤثرات التربوية؛ من أسرة وبيئة، فيكون من الصالحين وفي أعلى عليين من أسرة غير صالحة، والعكس بالعكس. 

والسيدة زينب، سلام الله عليها، كانت بارعة في البناء الذاتي من صغر سنها، ومن البراعة أن يكون هذا البناء المميز على سكتين متوازيتين: في العلاقة فيما بينها وبين الله –تعالى-، وفي العلاقة فيما بينها وبين نفسها هي، ويا له من درسٌ تربوي عظيم من هذه السيدة العظيمة، أن تكون لها علاقة حسنة مع ربها، وايضاً مع محيطها الاجتماعي، فهي المُصلّية، والتقية، و العفيفة، وفي الوقت نفسه؛ هي المتواضعة، والمتسامحة والمتعاونة، والصادقة مع الآخرين، وهي في ذلك مصداق حديث والدها أمير المؤمنين: "مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ".

فهي العابدة القانتة لله –تعالى- والملتزمة بكل تعاليم الحشمة والحجاب والعفّة، كانت المُحبة للخير للآخرين، فقد "نشأت في أفضل جو عائلي من الناحية المادية، وقد سمعت عن ثروة جدتها خديجة، كما انها عاصرت فترة انتصارات جدّها المصطفى في الغزوات والحروب الدفاعية وما كان يعود على المسلمين من أموال وغنائم وفيرة، مع ذلك كانت الأسرة النبوية تتنازل عن كل ما لديها لصالح الآخرين"، (المرأة العظيمة- قراءة في حياة السيد زينب- الشيخ حسن الصفار).

ومعروف أن سلوك الانسان في كِبره، انعكاس لنشأته في صغره، وللمثال على ما اكتسبته السيدة زينب من صغرها وصار نهجاً في كبرها، نذكر مسألتين من كثير ما تحويه مصادر التاريخ والسيرة، أحدهما؛ في اللحظات الأليمة لتعرض الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، للاغتيال بالسمّ، فقد كان الى جانبه أخوه الحسين، عليه السلام، وعندما اقتربت السيدة زينب من الغرفة، استأذنت من الإمامين، ولم تدخل فجأة، ولذا كان للإمام الحسن الفرصة أن يوصي أخاه الحسين بأن ينحّي الطشت المليئ بالدم جانباً قبل دخول أختهم لئلا تتعرض لما لا يحبونه لها. 

أما الحالة الثانية التي يرويها لنا التاريخ عن فترة ما بعد عاشوراء حينما كانت السيدة العقيلة تواصل ما دأبت عليه منذ صغرها بصلاة النوافل رغم ظروف السبي القاسية، فكانت تصلي النوافل من جلوس وفق ما جاء عن الامام زين العابدين، عليه السلام.

الجانب التربوي 

التربية الذاتية والنشأة الحسنة تمكن الفتاة من أن ترسم مستقبلها لتكون المرأة والأم والزوجة الصالحة، وهكذا كانت السيدة زينب التي نسميها: "أم المصائب"، وقبل ان تكون كذلك، كانت أمّاً صالحة لأربع أبناء أبرار وبنت واحدة، فهي لها نفس ما لأي أم أخرى في العالم من مشاعر الحب العارم للأولاد، والحرص على حياتهم، بيد ان رسالة الإصلاح التي سارت خلفها بقيادة أخيها الامام الحسين، جعلت هذه المشاعر تكون أمور ثانوية، بل تكون ضحية جاهزة لإيصال هذه الرسالة الى العالم والأجيال الى يومنا هذا.

وهنا إعراب عن أسف على قراءتنا لسيرة حياة هذه السيدة العظيمة بعدم تسليط الضوء على الابناء الأربعة لها، عليها السلام، والتركيز على شخصها هي فقط، وهذا أراه نوعاً من الاجحاف غير المباشر لها، فهي لم تأت لوحدها الى كربلاء، إنما جاءت بأبنائها الأربعة: عون، ومحمد، وعلي، وجعفر. هذه الثلّة المؤمنة تربوا في حجر الإيمان، وترعرعوا في أجواء الرسالة المحمدية فأصبحوا رجالاً أشداء وأوفياء على أهبة الاستعداد للتضحية بأنفسهم من اجل إعلاء كلمة الله –تعالى- والدفاع عن الحق والفضيلة أمام الطغيان والظلم. 

وثمة حقيقة بالغة الاهمية يجدر بأخواتنا الالتفات اليها وهنّ يشاركن في ذكرى مصاب هذه السيدة، ومصاب أخيها الامام الحسين، أن السيدة زينب لم تنقطع عن دورها التربوي في بيت والدها أمير المؤمنين رغم زواجها من ابن عمها، عبد الله بن جعفر الطيار، وفق ما جاء في مؤلف الشيخ الصفار الذي أسند قوله من مصادر عدّة بأن السيدة العقيلة "وحتى بعد زواجها لم تنقطع عن بيت أبيها، ولم تشغلها التزاماتها الزوجية والعائلية عن أداء دورها المميز في بيت علي"، مما يبين أن السيدة زينب تزوجت قبل أخويها الحسن والحسين عليهما السلام، فهي لم تشأ أن تترك الأثر الغائب لأمها الزهراء في بيت الرسالة إلا وتضع بصماتها عليه، ولذا جاءت وصية أمير المؤمنين لابن اخيه عبد الله بن جعفر الطيار عندما جاء لخطبتها بأن مسار حياتها مرتبطٌ بأخيها الحسين، فأينما حلّ وارتحل تكون معه –مضمون الرواية-.

 الجانب الاجتماعي 

بلغت السيدة زينب مرتبة القيادة بعد استشهاد الامام الحسين، عليه السلام، برعايتها الايتام والارامل، بفضل مدرسة القيادة الاجتماعية التي عاشتها في شبابها، فهي لم تستمتع بكونها ابنة قائد وزعيم للدولة، وكما اسلفنا فان الامتيازات المفترضة لها كانت تمنح كلها للمحتاجين والفقراء، وأكثر ما هذا، كانت تأخذ على عاتقها الدور التعليمي والتثقيفي لنساء الكوفة خلال إقامتها مع أبيها أمير المؤمنين في هذه المدينة بسبب الفتن السياسية والاجتماعية الحاصلة آنذاك، "فقد كانت تفسر لهن القرآن الكريم، وتروي لهن أحاديث جدّها المصطفى، وأخبار أمها الزهراء، وتوجيهات أبيها أمير المؤمنين"، فكانت المصدر الوحيد لنشر أحكام الدين لنساء المدينة، وتحديداً المسائل الخاصة بهنّ، وهو دورٌ غاية في الاهمية لبناء المجتمع الاسلامي الواعي والسليم في الجهات كافة.

من هنا؛ فنحن نشهد توافد الملايين من الزائرين صوب كربلاء المقدسة هذه الايام لزيارة الامام الحسين وبينهم نسبة كبيرة من النساء والفتيات، يجدر بنا المقارنة بين بين هذه المسيرة ومسيرة عقيلة بني هاشم وهي مسبية على الطغاة والظالمين، كيف كانت هذه السيدة العظيمة؟ وكيف حال سيدات اليوم؟

إن أهم وأبرز سمات السيدة زينب؛ الصبر والشجاعة، والصفتان متباعدتان من حيث المنشأ، فالصبر يخصّ الفرد بشخصه بالدرجة الاولى، بينما الشجاعة تترك أثرها في الاشخاص الآخرين وفي الجماعة وفي الأمة بأسرها، والجمع بين الأثنين يبدو من المحاسن والمآثر لأي شخصية ناجحة ومؤثرة مثل شخصية السيد زينب، سلام الله عليها، ولِمَ لا تكون كذلك، وهي ابنة أمير المؤمنين، الشجاع في ميادين المواجهة مع الباطل، والصابر بين افراد الأمة على الهفوات والزلّات التي تُعزى الى قلّة الوعي وسطحية الإيمان، وبهذا الصبر وتلك الشجاعة نحن مدينون الى أهل بيت رسول الله، وتحديداً السيدة زينب في اندفاعنا وحماسنا للمشاركة في زيارة أربعين الامام الحسين.

والنساء المسلمات والمؤمنات في كل مكان، وليس فقط المشاركات في هذه الزيارة المليونية، مدعوات للاقتداء بالسيدة زينب في صبرها وشجاعتها وسيرتها الاجتماعية ليحققن النجاح الحقيقي في حياتهنّ، من خلال البناء الرصين والصحيح للشخصية، والبناء الاجتماعي والمنهج التربوي البناء ليكون لدينا جيل، بل وأجيال يتحلّون بالشجاعة والصبر والتحدي والإرادة وكل الصفات والخصال الحميدة المؤهلة لبناء مستقبل مشرق.

اضف تعليق