عندما نتحدث عن العطاء والكرم والإيثار فنحن نتحدث عما هو خارج إطار الذات والمصلحة الشخصية، وإلا فمن يستغرق في شؤون ذاته، لاسيما اذا كان ذو منصب حكومي او جاه اجتماعي، يصعب عليه أمر الاحسان الى الآخرين والتخلّي عما في يده لصالح غيره...
"وأحسنوا الى أنفسكم ما استطعتم، فإن أحسنتم، أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها، وجاملوا الناس".
الإمام الصادق، عليه السلام، في رسالته الى شيعته
في منظومته الاخلاقية، يدعونا الاسلام الى سلسلة من الاعمال الخدمية بلا مقابل للأفراد المحيطين في دائرة القرابة او الصداقة، وأوسع قليلاً؛ ضمن دائرة الأخوة الإيمانية في إطار توثيق العلاقات الاجتماعية والايمانية، وتعزيز كيان المجتمع والأمة بشكل عام من خلال تكريس مفاهيم التعاون والتكافل من أجل إشاعة أجواء الحب والودّ.
وكما تحفزنا الروايات المتواترة للمضي قدماً في هذا الطريق لنجدة الفقير والمحتاج من ابناء المجتمع، فانها تكشف حقيقة نفسية هامة تكمن خلف مسألة العطاء للآخرين، توازي بفائدتها؛ أعمال البرّ ومد يد المساعدة للفقراء والمحتاجين، وهي؛ مفهوم الإحسان الذي يُعد موقفاً معنوياً في بعض الاحيان، كما يمكن أن يتجلى في المادة في أحيان أخرى، ويكون التحفيز لها أكبر بكثير من العطاء المادي الخالص مثل توزيع المساعدات النقدية او السلات الغذائية وما الى ذلك.
والامام الصادق، عليه السلام، في رسالته الى شيعته، والتي تدبّر فيها سماحة المرجع الديني السيد صادق الشيرازي في كتابه القيّم: "نهج الشيعة"، يدعونا الى الإحسان، ليس لتحقيق مصلحة اجتماعية فقط، وإنما لتكون مرقاة لنا للتكامل والتسامي في الحياة الدنيا وفي الآخرة ايضاً.
ماذا يعني الإحسان؟
عندما نقرأ الآية الكريمة التي تخاطب المسلمين في سورة التوبة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان}، ونلاحظة اقتران هذا المفهوم بقيمة مقدسة وهي العدل، نعرف أهميته في الحياة الاجتماعية بشكل عام، ولشخصية الفرد بشكل خاص.
فأنت تستدعي جماعة من العمال الى بيتك لغرض البناء بأجر يومي كلٌ حسب اختصاصه وجهده، وعند انتهاء وقت العمل ينصرف كلٌ الى وجهته بعد استلام أجورهم، فالبنّاء الذي يطلقون عليه في العراق "أُسطة"، أجره أكثر من العامل الذي يحمل اليه مواد البناء، كما أن أجر عامل الماء والمجاري يختلف ايضاً، فالجميع يأخذ حقه المقرر والمعروف حسب تخصصه، ولكنك تستثني أحدهم وتعطيه مبلغاً اضافياً على حقه، فأنت أقمت العدل في التعامل مع العمال، بيد أنك تستشف من أحوال وأوضاع أحد العمال أن ما يتقاضاه من أجر لا يكفيه لاسباب عدّة، هنا يأتي دور الإحسان ليكمّل مهمة العدل في إدارة العلاقات بين افراد المجتمع بما يخلق حالة التماسك والاطمئنان.
ولعل هذه الأهمية والصفة المحورية للإحسان جعلت سماحة المرجع الشيرازي في مؤلفه لأن يفسّر كلمة "ما استطعتم" في حديث الامام الصادق، عليه السلام، بالوجوب، وأنها "تُقرن بالأمور الواجبة المهمة، فاذا وردت فهي تعني ضرورة إنجاز المهمة على قدر الاستطاعة، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، أي؛ التزموا بالتقوى ما كان لكم من القوة والمِكنة، والإمام الصادق لم يخيّر الشيعة بالتزام الاحسان، بل عدّه أمراً لازماً لا يسع الامتناع أو الغفلة عنه".
ومما يعده المرجع الشيرازي في مؤلفه من مصاديق الإحسان، ما نقله عن الامام زين العابدين، عليه السلام، وكيف أنه اشترى من السوق مقداراً من العنب ليفطر به، فجاء فقير وطرق الباب فأعطاه العنب كله، وتكرر المشهد ثلاثة أيام، فسأله خادمه عن سبب إعطاء العنب كله، وأنه ربما يكتفي بجزء منه، فلم يحفل الامام به سوى تكرار الطلب منه بإعطاء الفقير العنب كله، وفي اليوم الرابع لم يأت فقير عند الباب عندئذ أكل الإمام العنب في إفطاره.
فعندما نتحدث عن العطاء والكرم والإيثار فنحن نتحدث عما هو خارج إطار الذات والمصلحة الشخصية، وإلا فمن يستغرق في شؤون ذاته، لاسيما اذا كان ذو منصب حكومي او جاه اجتماعي، يصعب عليه أمر الاحسان الى الآخرين والتخلّي عما في يده لصالح غيره، ولذا يوصي سماحة المرجع الشيرازي بأن يلقن الانسان نفسه الإحسان لتتحول عل ملكة في ذاته، كما هي التقوى، والورع، فهي صفات قابلة للتنمية بشكل تدريجي في النفس الى درجة ان تنصهر في شخصية صاحبها بالكامل ويكون المستفيد الأكبر من الإحسان.
فوائد مزدوجة
ذات مرة فوجئ المسلمون بقول أمير المؤمنين بأنه "لم أحسن إلى أحدٍ قط، ولم يُسئ أحدٌ إليّ قطّ"! فتعجبوا من كلامه وسألوه كيف ذاك يا أمير المؤمنين، فقال: ألا تقرأون القرآن الكريم: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}، فالاحسان الذي فعله الامام عاد عليه بالنفع قبل الآخرين، كما أن الاساءة التي وجهها البعض –وما يزالون- لم تصل اليه بشيء سوى انعكاسها على اصحابها.
في هذا الكتاب إشارة مؤكدة الى إحراز الثواب الأخروي من أعمال الإحسان، منها؛ الرواية عن الرسول الأكرم، ودعوته لأحد الفقراء الذي جاءه ليحصل منه على شيء، بأن "تصدّق"! فتعجب الرجل الفقير، فقال له النبي الأكرم: اقترض وتصدّق، بمعنى أنه، صلى الله عليه وآله، يلفت انظارنا الى الأجر المعنوي يوم القيامة أكثر من المردود المادي في الحياة الدنيا.
ولكن! لنا وقفة من وحي التجارب العملية حول الفوائد الملموسة والنتائج الايجابية للإحسان على الانسان المُحسن، في نفس الوقت ما أنتج نقيض الإحسان من نتائج سلبية على اصحابه، فالنظرة السطحية والضيقة لمن يمارسون الإساءة بمختلف اشكالها ومصاديقها من انتهاك حقوق الآخرين، ونشر الأقوال الباطلة من افتراء او بهتان عنهم، وحتى الإساءة اللفظية المباشرة، وإطلاق الاتهامات الكاذبة، وما الى ذلك، فانها لا تحقق المكاسب المرجوة عندما تصطدم كل هذه الاساءات بجدار عالٍ وضخم من الإحسان، فهو ليس بالمال وحسب، إنما يتجلّى في العفو، و كظم الغيظ، وضبط الاعصاب، ومن ثمّ عدم الانجرار الى ساحة المهاترات والحرب الكلامية المقيتة، مما يجعل صاحبها مميزاً في الساحة بأخلاقه الرفيعة، فيما تتجلّى و تنكشف الأخلاق السيئة والطباع الخبيثة امام الناس الذين تحكمهم بالأساس الفطرة في تقييم الأمور على الأغلب، فلا أحد يصدّق الكاذب، ولا أحد يُحب الظالم.
وأبرز مثال في التاريخ، وما نجده من مصاديق منعكسة من ذلك المثال العظيم، هو أمير المؤمنين، عليه السلام، وما جرت عليه من أهوال الإساءة منذ الساعات الاولى لرحيل رسول الله، صلى الله عليه وآله، عن دار الدنيا وحتى آخر لحظة من حياته في محراب صلاته، ولكن السؤال المفيد لنا للعِبرة، ماذا كان موقف الإمام من كل تلكم الاساءات؟ هل ردّ الصاع صاعين مثلاً؟! و أمثلة الإحسان لا تُعد، وقد بينتها الكتابات والخطابات على مر الزمن، وهل ثمة أخطر وأمضّ من أن يُكفّر الانسان؟! حتى أمام هذه العاصفة وقف الإمام ناصحاً أمام من كفّره وقاتله، بل وأوصى مشدداً بأن "لاتقاتلوا الخوارج بعدي"، و بعد تعرضه لتلك الضربة الغادرة من ذلك الخائن، وبعد اعتقاله راح يحاوره ويسأله بلطف عما دفعه لفعل هذا؟! ولم يأمر على الفور بقتله انتقاماً لما فعل، بل انتظر ان يفارق الحياة فيجري عليه حدّ القصاص وفق أحكام الشريعة لا وفق الرغبة النفسية والشخصية.
هذا أمير المؤمنين، ولكن! أين الأمويين؟ وأين العباسيين؟ وأين الطغاة والظلمة والفاسدين عبر التاريخ؟ لم يجنوا من أفعالهم سوى الخيبة والخسران في الدينا والآخرة، فالمحسن يموت كما يموت المُسيئ، بيد ان الاول يموت كريماً مُكرماً بقيمه ومبادئه، بينما الثاني يموت وعينه على الاموال والعقارات والمناصب التي من أجل الحصول عليها فعل كل اشكال المساوئ ضد هذا او ذاك، وهذه المساوئ لن تتخلّى عنه بعد موته، بل تلاحقه كعلامة فارقة في المجتمع على الزمن بأنه صاحب هذا الموقف او ذاك، ونفس الحالة بالنسبة للمُحسن مع الفارق، فان محاسنه لا تتخلّى عن ذكره بين الناس والاجيال فيتعلموا فوائد الإحسان في الدنيا وفي الآخرة.



اضف تعليق