علينا أن نقبل بأن المنظمات الدولية لم تكن يومًا منفصلة عن الاضطرابات السياسية بالقدر الذي ادعته. فبينما صُوّرت هذه المنظمات، ثم عوملت مع مرور الوقت، بوصفها وسائل يقودها الخبراء لتحقيق التعاون التقني، فإنها سهّلت النظام العالمي غير المتكافئ الذي نشأت منه وحمته. وعليها اليوم التخلي عن الإنكار الذي قامت...
لا تعمل الخبرة العلمية والفنية داخل المؤسسات الدولية في فراغ منفصل عن السياسة، بل يجري اختيارها وتوظيفها ضمن موازين القوة والمصالح السائدة. وفي هذا المقال المنشور في منصة مجلة «أيون»، يعود الباحث في العلاقات الدولية يان آيكينغ إلى الجذور التاريخية للمنظمات الدولية، موضحًا كيف استخدم التكنوقراط مشورة الخبراء لتقديم قرارات سياسية واقتصادية بوصفها محايدة وعلمية. ويرى الكاتب أن حماية دور الخبرة لا تتطلب رفض العلماء والمتخصصين، بل مقاومة استخدام آرائهم وسيلةً لتجاوز المساءلة العامة والنقاش الديمقراطي.
ويقول الكاتب في مقاله:
في عام 1865، اجتمع في باريس مندوبون من عشرين دولة، في وقت كان مفهوم الدولة واسعًا إلى درجة أنه شمل الإمبراطورية العثمانية ومدينة هامبورغ الحرة، من أجل إنشاء المؤسسة التي ستصبح لاحقًا الاتحاد الدولي للبرق.
كانت المهمة المطروحة أمامهم تقنية بقدر ما كانت بالغة الأهمية، وتمثلت في توحيد أنظمة الإشارات حتى تتمكن الرسائل من عبور الحدود من دون تأخير أو تحريف.
وكانت الاتفاقات الإقليمية قد حققت بالفعل قدرًا من التوحيد في خطوط البرق البرية الأوروبية، أما الآن فكان المطلوب توحيد هذه البنية التحتية على مستوى العالم.
أصر المشاركون على أن السياسة لا مكان لها في اجتماعهم. فالبرق، في نظرهم، مسألة أسلاك ورموز وكفاءة، أي مسألة قوة كهربائية وليست قوة سياسية.
وكما قال السيناتور الفرنسي ورئيس المؤتمر إدوار دروان دو لوي في خطاب ألقاه أمام المندوبين، إذا كانت «الحروب تنشأ غالبًا من سوء الفهم»، فإن «تسهيل تبادل الأفكار بين الشعوب» عبر «هذا التيار الكهربائي الذي يطير الفكر فوقه في الفضاء» من شأنه إزالة أحد أسبابها.
وأشار إلى أن العمل الذي يؤديه «رجال النخبة» المجتمعون في باريس قد يجعل الصراع السياسي نفسه شيئًا من الماضي.
لكن خطوط البرق التي كان من المقرر توحيدها أثبتت بالفعل قيمتها الهائلة بوصفها أدوات للإمبراطورية والقيادة العسكرية والهيمنة التجارية.
ولهذا اتُّخذت في باريس قرارات تتعلق بالمعايير صبت في مصلحة شركات ودول ومسارات عبور معينة. ولم تؤد الادعاءات المتعلقة بالحياد التقني إلى تعليق اختلالات القوة القائمة، بل أعادت صياغتها بلغة تنظيمية.
وأصبح هذا المنطق منذ ذلك الحين سمة ثابتة في العلاقات الدولية.
فمن مؤسسات الإقراض إلى وكالات الصحة العامة، تواصل المنظمات الدولية استخدام الخبراء الفنيين، سواء كانوا اقتصاديين أم علماء في الطب، ليس لفهم المشكلات وحلها فحسب، بل أيضًا لتقديم نفسها بوصفها ملاذات تقع فوق صراعات المصالح والتنافس، وتعمل في مجال تتحول فيه الأدلة مباشرة إلى سياسات.
وانطلاقًا من ذلك، تميل هذه المنظمات إلى الإصرار على براءتها.
فعندما تظهر ضغوط التمويل، أو يلوح الانسداد الجيوسياسي، أو تتصدى الحركات الشعبوية لتلك المنظمات، يجري دائمًا تقريبًا تقديم هذه القوى بوصفها عوامل خارجية.
ولهذا، عندما وصف جوزيب بوريل، المسؤول السابق عن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، العالم غير الأوروبي في عام 2022 بأنه «أدغال»، فإنه لم يستحضر الصور الاستعمارية فحسب، بل استحضر أيضًا صورة تُجامل الاتحاد الأوروبي بوصفه ملجأً من العاصفة.
ويظهر اليوم بوضوح مؤلم الثمن المترتب على هذا النوع من الإنكار، في الوقت الذي يُجبر فيه الاتحاد الأوروبي على إعادة تعريف دوره في السياسة العالمية.
كتب الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام عام 1782 عن القانون الدولي أنه سوف «يحلق فوق ضباب الأحكام المسبقة».
وتقوم المنظمات الدولية على الرؤية نفسها، ويشكل ادعاء احتلال هذا الموقع مصدرًا أساسيًا من مصادر شرعيتها.
وبالنسبة إلى بعض المؤسسات، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قد يكون ذلك شرطًا ضروريًا لأداء عملها.
أما مؤسسات أخرى، مثل صندوق النقد الدولي، فيسهل تقويض ادعائها الحياد بمجرد أن يظهر، على سبيل المثال، الانحياز السياسي المتضمن في فرض إجراءات التقشف.
لكن الموظفين الدوليين لا يفلتون في أي من الحالتين من السلطة، بل يعيدون صياغتها بمساعدة الخبراء الفنيين.
غير أنهم، عندما يقدمون إعادة صياغة القوة هذه بوصفها حيادًا حقيقيًا، يخلطون بين التكنوقراطية والخبرة.
ويقع هذا الخلط في صميم أزمة الشرعية التي تواجهها المنظمات الدولية اليوم.
وللتعامل مع هذه الأزمة، ينبغي لنا أن نفصل بين المفهومين. وعندئذ فقط سنتمكن من التركيز على المشكلة الأساسية، التي لا تتمثل في الخبرة نفسها، بل في الاستخدام التكنوقراطي لمشورة الخبراء.
ولكي نحافظ على الخبرة، علينا مقاومة التكنوقراطية. ويتطلب ذلك، في حالة المنظمات الدولية، تفكيك الأساطير المحيطة بنشأتها، والاعتراف بأنها لم تكن مستقلة عن السياسة في أي وقت، والامتناع عن التفكير التمنّي التكنوقراطي.
غالبًا ما توصف المنظمات الدولية بأنها ساحات يتيح فيها التبادل الدبلوماسي التوصل إلى اتفاق بشأن كيفية معالجة المشكلات المشتركة.
ولفهم مشكلة معينة وحلها على أفضل وجه، سواء كانت خطرًا صحيًا عامًا ناشئًا، أو المخاطر المحتملة لتقنية جديدة، أو الحد المقبول للتدخل العسكري، يستعين موظفو المنظمات الدولية بخبراء، مثل علماء الفيروسات والاقتصاديين والمحامين.
وهنا تبدأ المشكلة: من الذي يُعترف به بوصفه خبيرًا؟ وما مجالات التخصص التي تُعد ذات صلة بكل مشكلة؟ وعلى أي معايير يجري اختيار الخبراء؟ هل على أساس شهاداتهم الجامعية؟ أم عدد مرات الاستشهاد بأبحاثهم؟ أم ظهورهم الإعلامي؟ أم مساهماتهم السابقة في أدوار مماثلة؟
فعندما تفشى وباء كوفيد-19، على سبيل المثال، أنشأت منظمة الصحة العالمية لجنة للطوارئ ترأسها المدير العام السابق للصحة في الحكومة الفرنسية ديدييه حسين.
وكان أعضاء اللجنة ممثلين لثلاث عشرة دولة عضوًا في منظمة الصحة العالمية. وكانوا جميعًا يحملون شهادات الدكتوراه، وبعضهم مندوبون عن وزارات الصحة العامة في بلدانهم، بينما كان آخرون أساتذة جامعيين.
كما ضم مجلس استشاري إضافي ممثلين عن منظمات أخرى، مثل المنظمة البحرية الدولية ومنظمة الطيران المدني الدولي.
وباختصار، انطوت تعبئة هؤلاء الخبراء في كل مرحلة على خيارات تمنح الأولوية لبعض معايير الاختيار على حساب غيرها. ولذلك يظل اختيار الخبراء دائمًا عملية غير مكتملة.
لكن التركيز على الخبراء وحدهم لا يكفي، لأن الذين يستدعونهم ويوظفونهم هم، بوجه عام، من يصنعون السياسات.
ويستخدم هؤلاء المحرّكون التكنوقراطيون، وهم في العادة موظفون دوليون، الخبراء لتطوير سياسات يجري تقديمها على أنها محايدة وقائمة على الأدلة وتحظى بموافقة المتخصصين.
وحتى عندما يتحدث بعض الخبراء باسم التكنوقراط أحيانًا، يبقى بينهما اختلاف حقيقي، فالتكنوقراط والخبراء ليسوا الشيء نفسه.
ومع ذلك، نادرًا ما تميز المنظمات الدولية أو منتقدوها بين الخبرة في حد ذاتها والمنطق التكنوقراطي الذي يحدد موقعها في السياسة.
وكان التصريح السطحي الذي أدلى به السياسي البريطاني المحافظ مايكل غوف عام 2016، ومفاده أن «الناس في هذا البلد سئموا الخبراء»، خاطئًا، لكن ليس لأنه قوض سلطة العلماء الذين رد كثير منهم باحتجاج شديد.
ففي الواقع، خلط غوف بين الشيء المراد التخلص منه والشيء القيّم المصاحب له.
وقد أوضح لاحقًا، وإن بطريقة غير مقنعة، أنه لم يقصد يومًا رفض «الحقائق والأدلة والدقة»، وإنما قصد أشخاصًا معينين ينتمون إلى منظمات معينة. فما «سئمه» الناس لم يكن الخبراء، بل التكنوقراط.
لا يزال هذا الخلط يطارد المنظمات الدولية ويعميها في كثير من الأحيان إلى يومنا هذا. فالتعقيدات المرتبطة باختيار الخبراء المناسبين مسألة، أما تحويل مجرد الاستعانة بمشورة الخبراء إلى هوية مؤسسية شاملة فهو مسألة أخرى تثير مجموعة مختلفة تمامًا من الأسئلة.
فعندما يجري تبرير شروط صندوق النقد الدولي استنادًا إلى نماذج علمية وضعها اقتصاديون عالميون مرموقون، يبدو الأمر حتمًا كما لو أن الخبراء هم الذين اتخذوا موقفًا سياسيًا، في حين أن الذين اتخذوا ذلك الموقف فعلًا هم التكنوقراط الذين استدعوا هؤلاء الخبراء.
وبصرف النظر تمامًا عن السؤال المتعلق بما إذا كان هؤلاء الاقتصاديون هم «الخبراء المناسبين»، أو إذا كانت لديهم دوافع سياسية جذبتهم إلى صندوق النقد الدولي من البداية، فإن السؤال الذي يتعين علينا طرحه هو: ماذا يحدث لصورة الخبرة لدى الجمهور عندما تدّعي المنظمات التكنوقراطية أنها تتحدث باسمها؟
يرتبط هذا السؤال ارتباطًا وثيقًا بالأساس الذي قامت عليه المنظمات الدولية الحديثة. فمن المعروف على نطاق واسع أن جزءًا كبيرًا من سلطة هذه المنظمات لا ينبع من الإرادة الشعبية ولا من القوة القسرية، بل من ادعاء امتلاك معرفة متفوقة: معرفة الكيفية التي ينبغي بها تنظيم التجارة، وإدارة الأنهار، والتعامل مع الأمراض، وتحقيق استقرار العملات.
وهكذا تولّد الخبرة السلطة بصورة شبه تلقائية. ولا تزال هذه الرؤية المؤسسية تمثل ركيزة لشرعية المنظمات الدولية اليوم، لكن ما تنطوي عليه ضمنيًا من رضا عن الذات قد يتحول إلى حالة مرضية. فعندما تواجه المنظمات الدولية اعتراضًا، يرد ممثلوها غالبًا بالتشديد على أن أعمالها تستند إلى الأدلة.
وفي ذروة جائحة كوفيد-19، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمام الدورة الخامسة والسبعين للجمعية العامة إنه في مواجهة «الشعبوية والقومية» اللتين دفعتا إلى التنافس على اللقاحات، «يجب أن نسترشد بالعلم ونظل مرتبطين بالواقع».
لكن إذا لم يكن «العلم» شيئًا واحدًا يمكننا إدخاله ببساطة في عملية صنع السياسات، فما الوظيفة الحقيقية لمثل هذه التصريحات؟
قد تكون بعض الانتقادات الموجهة إلى منظومة الأمم المتحدة مدفوعة بالفعل بمحاولات تسجيل نقاط سياسية، لا بمظالم حقيقية. لكن شرعية الأمم المتحدة لا يمكن أن تعتمد على التكرار المستمر لشعار حياد الخبراء.
تشير مثل هذه التصريحات إلى وجود فصل حاد بين السياسة والخبرة، لكنه فصل مأمول لا حقيقي. وقد أشار المعلقون والباحثون منذ زمن طويل إلى ذلك، إلا أن ما يترتب عليه لا يزال أقل وضوحًا. فهل تستطيع الخبرة الاستمرار في إنتاج سلطة تبدو بديهية، في وقت يصعب فيه تعبئتها، بينما يسهل تقليدها وادعاؤها؟
قال دونالد ترامب خلال حملته للرئاسة الأميركية عام 2016: «الخبراء سيئون للغاية»، لكن إدارته اليوم تمارس ببساطة لعبة إحضار كل طرف خبيره الخاص.
وعلى المستوى الدولي، يمكن لانعدام الثقة أن يستمر بسهولة حتى في «قضايا الخبراء»، كما حدث عندما اتهم معلقون منظمة الصحة العالمية بأنها «شريكة الصين في فيروس كورونا».
فهل أصبحت الخبرة، إذن، ملوثة على نحو لا يمكن إصلاحه بسبب استخداماتها السياسية؟ وهل يمثل الإصرار على الفصل بين التكنوقراطية والخبرة طريقة أخرى لفصل الخبرة عن السياسة بصورة مصطنعة؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، علينا الرجوع إلى جذور التصورات التكنوقراطية للتعاون الدولي في مرحلة تاريخية أسبق.
وبدلًا من البدء بتأسيس منظومة الأمم المتحدة عام 1945، أو بسلفها قصير العمر لكنه بالغ الأثر، عصبة الأمم في فترة ما بين الحربين، رغم الأهمية الحاسمة لهاتين اللحظتين في تاريخ العلاقات الدولية، علينا العودة إلى المرحلة التي ظهرت فيها للمرة الأولى منظمات دولية تكنوقراطية مكتملة الأركان: العقود الوسطى من القرن التاسع عشر.
في أوائل القرن التاسع عشر، نشر مفكرون سياسيون مثل جيريمي بنثام وهنري دو سان سيمون فكرة أن المؤسسات المحايدة التي تمتلك صلاحيات تتجاوز الحدود الوطنية ضرورية لبناء نظام عالمي منسجم. ودافع كلاهما، بطرائق مختلفة، عن إنشاء مؤسسات دولية يقودها العلماء والمهندسون.
واقترح سان سيمون في إحدى مقالاته إنشاء «مجلس لنيوتن» مكرس لـ«تقدم الروح الإنسانية»، يستطيع توحيد الدول المتنافسة على أرضية مشتركة من الحقائق العلمية.
واستلهم منظمو التعاون الدولي في أوروبا خلال خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر مثل هذه المقترحات الجذرية، فاختبروا مؤسساتهم القائمة على الخبراء وبنوها تدريجيًا.
وكان كثير من هؤلاء المبتكرين، ومنهم سان سيمون وتلاميذه العديدون، قد تلقوا تعليمهم في المؤسسات المرموقة نفسها التي تخرج فيها الخبراء الذين أرادوا استقطابهم.
ففي فرنسا، كانت مدرسة البوليتكنيك المركز الأساسي لمثل هذه المشروعات. وفي إنجلترا، أدت المدارس الخاصة وجامعتا كامبريدج وأكسفورد، إلى جانب نوادي النخبة، دورًا مماثلًا.
وهكذا هيمن على المحاولات الأولى لبناء المنظمات الدولية مهندسون فرنسيون، ومحامون بريطانيون، واقتصاديون سياسيون ينتمون إلى جانبي القناة الإنجليزية.
وقد يكون أحد أسباب خلطنا اليوم بين الخبراء والتكنوقراط أنهما كانا ينتميان تاريخيًا إلى النخبة العابرة للحدود نفسها التي كانت لا تزال في طور التشكل.
لكن من المهم للغاية أن الأشخاص أنفسهم كانوا أيضًا خدمًا للنظام الإمبراطوري العالمي ومستفيدين منه. وكان ذلك النظام، بطبيعة الحال، مسؤولًا عن الانقسامات وأوجه عدم المساواة التي كان يفترض أن تتغلب عليها منظماتهم الجديدة.
فكيف تمكنوا من التوفيق بين هذا التناقض العميق؟
تتطلب الإجابة عن هذا السؤال أمرين.
أولًا، تقتضي مرة أخرى الحرص على التمييز بين التكنوقراطية والخبرة. فتبريرات السلطة التكنوقراطية تعتمد على ادعاءات تتعلق بالخبرة والأدلة العلمية، خلافًا للادعاءات المتعلقة، مثلًا، بالتمثيل الديمقراطي.
ومن ثم لا تمثل التكنوقراطية، ما لم تكن حكمًا حرفيًا للخبراء، سوى أسلوب أو نمط سياسي يحشد الخبرة ويستخدمها، أو يسيء استخدامها.
فكروا في «الترويكا» المكونة من المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، التي أدارت عمليات إنقاذ اليونان وقبرص والبرتغال وأيرلندا بعد الأزمة المالية عام 2008.
لقد بررت المؤسسات الثلاث تدخلاتها القاسية والمثيرة للجدل في هذه الدول بالاستناد إلى مشورة الخبراء الاقتصاديين. وأتاح لها ذلك تجاوز النقاش الديمقراطي، وكذلك المساءلة، وهو الجانب الأكثر إثارة للجدل.
وتكمن النقطة الأساسية في أن الخبراء والتكنوقراط الذين يستدعونهم مجموعتان مختلفتان من الفاعلين، ولكل منهما دوافع مختلفة. فالخبراء يحولون معرفتهم التخصصية المعتمدة إلى مشورة وتوصيات، أما التكنوقراط فيحاولون إقناعنا بأنهم لا يفعلون سوى اتباع تلك المشورة.
ثانيًا، علينا أن نفهم أن أشد المؤيدين حماسةً لفكرة «الاستقلال عن السياسة» كانوا تاريخيًا هم أنفسهم الذين يحددون شروط نقيضها.
فقد كان «التحليق فوق ضباب الأحكام المسبقة» في كثير من الأحيان امتيازًا لا يتمتع به سوى صانعي ذلك الضباب. ويصبح التحرر من السلطة أمرًا سهلًا عندما تكون أنت من يمارسها.
هكذا ينبغي أن ننظر إلى منظمي التعاون الدولي في منتصف القرن التاسع عشر: بوصفهم منتصرين ذوي تطلعات سامية في عالم الإمبراطوريات.
وليس من المصادفة أنهم وضعوا مشروعاتهم في مواجهة الجماهير التي وصفوها بأنها أسيرة الأحكام المسبقة، وفي مواجهة تنافسات النظام القديم القائم على سياسة القوة.
فقد قارن سان سيمون ومعاونه، المؤرخ الشهير لاحقًا أوغستان تييري، صراحةً بين مقترحهما الطموح لعام 1814 بشأن إقامة «اتحاد متوسطي» وبين «العملية السياسية» الوستفالية القديمة المسماة توازن القوى. وجادلا بأنه ينبغي، بدلًا منها، إنشاء «مؤسسات مشتركة» و«تنظيم»، وإلا فإن «القوة ستقرر كل شيء».
لكن ما يجري تجاهله غالبًا هو أن سان سيمون وتلاميذه المؤثرين، ومنظمي التعاون الدولي الأوروبيين عمومًا، كانوا يتصورون المنظمات الدولية بوصفها نوادي أوروبية حصرًا.
فقد استبعد سان سيمون صراحةً عضوية الأفارقة والآسيويين من مقترحاته المتعددة لإنشاء مجالس دولية يقودها الخبراء، مستندًا إلى آرائه شديدة التحيز بشأن الاختلافات «الحضارية» والعرقية. ولم تكن صناعة المنظمات الدولية، إذن، معزولة عن التوسع الإمبراطوري، أو مصالح الشركات المتعددة الجنسيات، أو التنافس بين القوى الكبرى.
بل على العكس، كانت منظمات كثيرة نمتدحها اليوم بوصفها حصونًا عظيمة، وإن كانت متداعية بصورة مأساوية، في وجه سياسة القوة، رفيقة تاريخية لهذه السياسة. ولم يؤد ادعاؤها الحياد إلى تقييد السلطة، بل جعلها أمرًا طبيعيًا، وغالبًا ما فعل ذلك عن طريق فرض القرارات.
لقد ابتكرت المنظمات الدولية نظامًا دوليًا تكنوقراطيًا لا يختلف كثيرًا عن المجتمعات السكنية المغلقة، إذ كان محميًا من الظروف التي أوجدته.
ويصبح ذلك واضحًا بمجرد تجاوز الروايات الاحتفالية عن نشأة هذه المنظمات. فغالبًا ما يُنسب إلى منظومة الأمم المتحدة، مثل الاتحاد الأوروبي، الفضل في إعادة بناء النظام العالمي من رماد الحرب، والتعلم من إخفاقات عصبة الأمم، وتيسير إنهاء الاستعمار، واستبدال التعاون الوظيفي بالصراع الأيديولوجي.
لكن الحقيقة بعيدة عن ذلك.
فكما أوضح مؤرخون مثل سوزان بيدرسن ومارك مازور بالتفصيل، كانت علاقة الأمم المتحدة بالإمبراطورية أكثر تساهلًا بكثير.
وفي ذروة النضال المناهض للاستعمار في أنحاء العالم، لم تكن الأمم المتحدة عاملًا مساعدًا على التحرر، بل كانت جهة تدير الحكم الإمبراطوري بعد أن أعادت تسميته، بعبارات مخففة، بالوصاية الدولية والأقاليم الخاضعة للانتداب.
وبمجرد أن نعود إلى فترة أبعد في التاريخ، يتضح أن المنظمات الدولية لم تنشأ استجابةً للحربين العالميتين الكارثيتين في القرن العشرين، بل ظهرت بالتزامن الوثيق مع التوسع الرأسمالي والإمبراطوري في القرن التاسع عشر، وانتهى بها الأمر إلى أن تصبح ضرورية له.
فقبل عصبة الأمم والأمم المتحدة بزمن طويل، ابتُكرت هذه المنظمات أول مرة لإدارة السكك الحديدية العابرة للحدود، وخطوط البرق، والأنهار، والشبكات البريدية، وتوحيد معاييرها والإشراف عليها.
وتحولت هذه الهيئات تدريجيًا، مثل الاتحاد الدولي للبرق الذي انبثق عن مؤتمر باريس عام 1865، إلى لجان دائمة و«اتحادات عامة».
وكانت جميعها تقدم عملها بوصفه تقنيًا في المقام الأول، إن لم يكن تقنيًا بحتًا، رغم أنها عملت داخل عالم بنته الإمبراطوريات والاحتكارات الصناعية وتنافس القوى الكبرى، وعملت لصالحه وتحت رحمته.
وبحلول أوائل القرن العشرين، أصبح ابتكار إجابات تقنية وعلمية للمشكلات السياسية المعقدة سمة معتادة في السياسة الدولية.
وما أطلق عليه لاحقًا منظّرو التكامل الأوروبي والمدافعون عنه، وأشهرهم ديفيد ميتراني، اسم «الوظيفية»، أي التعاون على أرضية تقنية مشتركة بدلًا من أرضية أيديولوجية، كان سمة مستمرة على نحو لافت، كما أدى دورًا رئيسيًا في تأسيس الاتحاد الأوروبي.
لكن لم يكن الجميع داخل هذه المؤسسات يتفقون مع التفاؤل السطحي الذي أبداه أنصار الدولية التكنوقراطية.
ففي عام 1940، حذر أعضاء المنظمة الاقتصادية والمالية التابعة لعصبة الأمم، وكانوا حينها في المنفى بجامعة برينستون، من استبدال الدكتاتورية السياسية بـ«دكتاتورية جديدة للعلماء».
وأدرك هؤلاء الاقتصاديون أن الخبرة لا تستطيع أبدًا أن تحل محل السلطة الديمقراطية.
وأكدوا أن «السلطة النهائية في العالم الديمقراطي يجب أن تبقى دائمًا في أيدي جمهور الناس، أي غير المختصين». وكان الخبراء أنفسهم، في هذه الحالة، حذرين من الإغراء التكنوقراطي.
ومع ذلك، لم تمثل مرحلة ما بعد عام 1945 قطيعة مع الأسلوب التكنوقراطي بقدر ما أعادت تقديمه في صورة جديدة.
فبعد حربين عالميتين، أعادت الأمم المتحدة ابتكار المنظمات الدولية بوصفها حارسةً في وجه الكوارث، وشددت على العمل الجماعي السلمي والثقة المتبادلة والمساواة السيادية في ظل القانون الدولي.
وعادت الثقة، وانتشرت المنظمات الدولية. لكن التنافس في الحرب الباردة، والتسلسلات الهرمية التنموية، وأولويات الاقتصادات الصناعية المتقدمة، أُدمجت في الوقت نفسه بقوة داخل صلاحيات المؤسسات وهياكل صنع القرار فيها.
وكما حدث في القرن التاسع عشر، استخدم التكنوقراط تعبئة الخبراء مرة أخرى، ليس «لحل المشكلات» فحسب، بل أيضًا لصرف الأنظار عن النتائج السياسية لأعمالهم.
ولا يزال هذا المنطق التاريخي وما يولده من توتر يحتلان موقعًا مركزيًا اليوم.
فمنذ عقود، ينتقد معارضون من مختلف أطراف الطيف السياسي المنظمات الدولية، مؤكدين أنها تُدار بواسطة النخب العالمية ومن أجلها.
واستهدف الناشطون اليساريون، من سياتل إلى بوينس آيرس، برامج التقشف التابعة لصندوق النقد الدولي، وعدّوها قيودًا استعمارية جديدة على السيادة الاقتصادية.
كما هاجمت الحركات اليمينية الاتحاد الأوروبي، متهمةً إياه بإخراج المزارعين من أعمالهم.
وغالبًا ما تُقدَّم هذه الصراعات بوصفها مواجهات بين جماهير غير عقلانية ومؤسسات حسنة النية، أو بوصفها مسألة ناتجة من «معلومات سيئة».
ويقال لنا إن المنظمات الدولية «تتعرض للهجوم».
لكن هذا الهجوم، في جزء منه على الأقل، من صنعها هي.
فبوصفها مشروعات نخبوية بطبيعتها، دأبت هذه المنظمات على وضع الجماهير المسيسة في مواجهة خبرة تزعم أنها غير سياسية.
ويؤدي إنكار هذه الحقيقة، على المدى الطويل، إلى تقويضها من الداخل. ويفاقم أنصار الدولية التكنوقراطية أزمتهم، إما بإنكار المطالب السياسية أو بتقديمها بوصفها عوامل خارجية.
إن التعامل بجدية أكبر مع أمراض التكنوقراطية ليس مجرد مسألة تتعلق بالدقة المفاهيمية، لأن الرهانات أكبر بكثير.
ففي المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عُقد هذا العام في دافوس، وقف جمهور يضم عددًا كبيرًا من المصرفيين الاستثماريين والدبلوماسيين والصحفيين، وصفق لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني وهو يدق المسامير في نعش «النظام الدولي القائم على القواعد».
ومن المفارقات أن من تولى دق تلك المسامير كانوا من أبرز تجسيدات ذلك النظام: محافظًا سابقًا لبنك مركزي، وجمهورًا من التكنوقراط.
فهل نشهد نهاية الدولية التكنوقراطية؟
كان النظام الدولي القائم على القواعد، الذي بناه وحافظ عليه أولئك الذين استبطنوا الأسلوب التكنوقراطي أكثر من غيرهم، يُفهم دائمًا بوصفه قائمًا داخل منظمات مثل وكالات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ورابطة دول جنوب شرق آسيا.
وبالطبع، كان هذا النظام قد خضع بالفعل لتحولات.
فمنذ نهاية الحرب الباردة، أشارت ساحات جديدة للتعاون الدولي، مثل منظمة شنغهاي للتعاون التي تأسست عام 2001، ومنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ الذي تأسس عام 1989، إلى تحول مراكز الثقل.
لكن هذه المؤسسات أعادت، في المجمل، إنتاج الأسلوب التكنوقراطي بدلًا من استبداله.
وبعد عدة أشهر من إثارة تسريح الموظفين جدلًا داخل الأمم المتحدة، قال غوتيريش إن الأزمة المالية للمنظمة بلغت حدًا بات يهدد تنفيذ البرامج، وإن أموالها قد تنفد بحلول يوليو من هذا العام.
ووفقًا لرئيسها، تواجه الأمم المتحدة الآن خطر «انهيار مالي وشيك» في ظل تزايد متأخرات الدول عن دفع اشتراكات العضوية.
فبعد ثمانين عامًا على تأسيسها، هل تموت منظومة الأمم المتحدة، ويموت معها الأسلوب التكنوقراطي في السياسة العالمية؟
منذ أن أطلق ترامب «مجلس السلام»، أصبحت المخاوف المستمرة من خفض التمويل وتفكك المؤسسات أكثر واقعية بالتأكيد.
ولم تعد فكرة المقاومة الشعبوية كافية لتفسير ما يحدث، هذا إن كانت كافية يومًا.
فقد تراجع الاتحاد الأوروبي مؤخرًا عن أنظمة مناخية تحت تأثير أنصار الوقود الأحفوري اليمينيين، وبدأت بالفعل حملات لإخضاع الأمم المتحدة لمنطق «دوج».
لقد تجاوزنا مرحلة الاعتراض البسيط بدرجة كبيرة. فقد وصل المناهضون للعولمة إلى السلطة، لكنهم لا يرفضون تعددية الأطراف، بل يعيدون توظيفها. ومع ذلك، ينبغي ألّا نسارع إلى افتراض أن التكنوقراط سيختفون.
فكما يرى عالم السياسة ينس شتيفك، تتسم الدولية التكنوقراطية بمرونة أيديولوجية عالية. إذ يستطيع أي طرف من أطراف الطيف السياسي ممارسة التعبئة التكنوقراطية للخبراء، وقد مارسها بالفعل في الماضي.
وإذا كان ذلك صحيحًا، وإذا أردنا الاحتفاظ بمساحة لمساهمة الخبراء في الشؤون الدولية، فستصبح مقاومة التكنوقراطية أكثر أهمية.
ولتحقيق ذلك، علينا أن نقبل بأن المنظمات الدولية لم تكن يومًا منفصلة عن الاضطرابات السياسية بالقدر الذي ادعته.
فبينما صُوّرت هذه المنظمات، ثم عوملت مع مرور الوقت، بوصفها وسائل يقودها الخبراء لتحقيق التعاون التقني، فإنها سهّلت النظام العالمي غير المتكافئ الذي نشأت منه وحمته.
وعليها اليوم التخلي عن الإنكار الذي قامت عليه. فلا تستطيع المنظمات الدولية الانسحاب إلى فضاء يقع خارج السلطة، لأن مثل هذا الفضاء غير موجود.
لكن ما تستطيع فعله هو تشكيل الكيفية التي تُمارس بها السلطة وتُبرر وتُواجَه.
وحتى اليوم، تخبرنا المنظمات الدولية بأنها قادرة على حل المشكلات بالعلم، لكن عندما تحين لحظة المواجهة، يصبح الخبراء حسنو النية أهدافًا للوم والاستياء.
ولا يزال المدافعون والمنتقدون يتحدث بعضهم من دون أن يسمع الآخر. لكن عندما نتعامل مع الاعتراضات بوصفها معادية للخبرة أو العلم، فإننا نخاطر بإنكار مطالب حقيقية ومهمة تتعلق بإعادة توزيع الموارد والسلطة، ونفوت بذلك على المنظمات الدولية فرصة كسب ثقة الجمهور بدلًا من الاستمرار في خسارتها.
ويتمثل التحدي الحقيقي، إذن، في قدرتنا على إعادة التفكير في المنظمات الدولية وفي موقع الخبرة داخلها. ويمثل الفصل بين التكنوقراطية والخبرة خطوة في هذا الاتجاه، لأنه يوضح ما ينبغي أن يكون هدف النقد.
فالهدف ليس «الخبراء»، بل الاعتماد التلقائي على قدرة الخبرة المزعومة على نزع الطابع السياسي عن القرارات. وليس الهدف «العلم»، بل التدخلات السياسية المثيرة للانقسام التي تُنفذ تحت غطائه.
إن الاستخدامات التكنوقراطية لمشورة الخبراء، التي تهدف أساسًا إلى تجاوز المساءلة العامة والمداولات، مشكلة حقيقية لا ينبغي لنا التقليل من شأنها، بل مواجهتها مباشرة.
وإن لم نفعل ذلك، فإننا نحكم على المنظمات الدولية بأن تتعرض للتقويض أو الاستبدال أو أن تفقد أهميتها.



اضف تعليق