يتجه النظام الدولي إلى مرحلة تتراجع فيها القواعد والمؤسسات أمام تصاعد القوة والإكراه والمنافسة بين الدول الكبرى. ويبرز المقال أهمية الاعتماد على الذات، وتقوية التحالفات، وبناء المرونة الاقتصادية والأمنية، والاستعداد لكلفة أعلى للمخاطر. كما يحذر من أن عالم القوة بلا قيود قد يضعف الشرعية الدولية ويقود إلى مزيد من الفوضى...
يتراجع النظام الدولي القائم على القواعد أمام عالم تزداد فيه القوة الخشنة، والإكراه الاقتصادي، والصراعات الجيوسياسية، وضعف المؤسسات والقانون الدولي. وفي هذا المقال المنشور في مجلة «فورين بوليسي»، يرسم هال براندز ملامح المرحلة الجديدة، ويبحث في أسباب انهيار النظام الذي أعقب الحرب الباردة، ثم يقدم سبعة مبادئ للتعامل مع عالم أقل استقرارًا، من الاعتماد على الذات وتعزيز المرونة والتحالفات، إلى الاستعداد لكلفة اقتصادية وأمنية أعلى، محذرًا في الوقت نفسه من أن عالم القوة بلا قيود قد ينقلب حتى على القوى التي تعتقد أنها ستستفيد منه.
منذ وقت ليس ببعيد، بدا أن العالم يصبح أكثر تحضرًا. كان من المفترض أن تؤدي نهاية الحرب الباردة إلى انتصار النظام القائم على القواعد، وأن تحل المعايير المستنيرة والتعاون، المدعومان بقوة عظمى رحبة الأفق، محل أنماط الفوضى التي اتسم بها الماضي. كانت رؤية ملهمة، لكنها، للأسف، كانت وهمًا.
أما الآن، فالقواعد تتراجع في مختلف أنحاء العالم. يتصاعد العدوان والغزو، وينتشر الإكراه والافتراس الاقتصاديان. ويتهاوى احترام القانون الدولي والمنظمات الدولية، بينما يتراجع ضبط التسلح. وتعيد القوى العظمى إحياء أحلام الإمبراطوريات، فيما تميل الولايات المتحدة إلى السعي وراء تضخيم ضيق لمصالحها الوطنية على حساب النظام العالمي. ومع تعثر المعايير العالمية، يعمل القادة الأقوياء على تمزيق القيود والمؤسسات السياسية في الداخل.
يواجه عالمنا خطر التحول إلى جنة للعصابات، تصبح فيها القواعد أقل أهمية بكثير مما كانت عليه في السابق، بينما تزداد أهمية القوة المجردة.
ويمثل هذا تحولًا قاسيًا بالنسبة إلى أولئك الذين تشكلت عقلياتهم في زمن أكثر لطفًا. كما أنه سيضع اختبارات شديدة أمام القادة الذين يتعين عليهم الإبحار في عصر لا يرحم. ولم يعد هناك في هذه المرحلة كثير من الفائدة في التحسر على سقوط نظام ما بعد الحرب الباردة. فالمهمة هي فهم متطلبات البقاء في عالمنا الذي يأتي بعد تراجع القواعد. ولذلك، تتمثل غاية هذا المقال في رسم خريطة للعصر الجديد الذي ندخله، وتقديم بعض الإرشادات التي تساعد على تحقيق أفضل الممكن في الأوقات السيئة المقبلة.
يتلاشى حلم النظام القائم على القواعد في صفحات التاريخ، لكن كانت هناك مرحلة بدا فيها كأنه المستقبل. فبعد الحرب العالمية الثانية، بنت واشنطن وحلفاؤها الغربيون نصف نظام قائم على القواعد، أي مجموعة من العلاقات التعاونية العميقة التي نظمتها معايير مشتركة ومؤسسات فوق وطنية، داخل العالم الحر، بوصف ذلك وسيلة لاحتواء الكرملين. وبعد انهيار الكتلة السوفيتية وانتهاء الحرب الباردة، ظهرت فرصة لتحويل ذلك المشروع إلى نظام عالمي.
وكان جوهر النظام القائم على القواعد يتمثل في فكرة إمكان التغلب على النزعات القديمة والمدمرة من خلال تبني الممارسات والمبادئ الليبرالية، إلى جانب التطبيق المستمر للقوة الأميركية. وكان من المفترض أن يؤدي اقتصاد مفتوح ومزدهر إلى إثراء جميع المشاركين، وأن تُحل النزاعات التجارية من خلال إجراءات منظمة التجارة العالمية، لا عبر حروب الرسوم الجمركية التي تُفقر الأطراف بعضها بعضًا. كما كان ينبغي كبح عادات الغزو والهيمنة، وتعزيز معايير حيوية مثل حرية الملاحة واحترام الحدود. وبعد تحررها من الشلل الذي فرضته الحرب الباردة، كان من المفترض أن تزداد قوة المنظمات الدولية والقانون الدولي، وأن يتراجع تنافس القوى العظمى نفسه عندما تتحول القوى التي قد تعرقل النظام، مثل الصين الصاعدة وروسيا المستعادة لقوتها، إلى أطراف راضية لها مصلحة في نظام يوفر الازدهار والسلام.
كانت تلك الرؤية محاولة لترويض القوى المدمرة التي مزقت العالم مرارًا خلال القرن العشرين. ولم تكن مثالية إلى الدرجة التي قد تبدو عليها عند النظر إليها بأثر رجعي؛ فكما تُنفذ القوانين بواسطة رجال الشرطة، استند النظام القائم على القواعد إلى القوة الأميركية. فقد تصدت البحرية الأميركية للقرصنة وغيرها من التهديدات لحرية البحار، وثبتت وزارة الدفاع الأميركية تحالفات ردعت العدوان، وحشدت واشنطن تحالفات قاتلت الإرهاب وانتشار أسلحة الدول المارقة وغيرها من الآفات. كان النظام القائم على القواعد مصنوعًا في أميركا؛ فقد وضعت واشنطن، أكثر من أي طرف آخر، شروط الاستقرار الدولي، وانتشرت المفاهيم التي تفضلها الولايات المتحدة، مثل الأسواق الحرة والديمقراطية وحقوق الإنسان، في مختلف أنحاء العالم.
ولم يكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مخطئًا تمامًا عندما زعم بغضب عام 2007 أن النظام القائم على القواعد كان غطاءً للهيمنة الأميركية. فهذا جزء من السبب الذي أدى إلى تفكك ذلك النظام، لكنه ليس السبب كله.
فالقواعد لا تكون محايدة من حيث القيم أبدًا، وقد بدت قواعد واشنطن قمعية، بل وتهديدًا وجوديًا، بالنسبة إلى الأنظمة الاستبدادية التي أرادت سحق النزعات الليبرالية في الداخل، بينما تعمل في الوقت نفسه على بناء إمبراطوريات في الخارج. وبدأت روسيا بوتين تغيير الحدود بالقوة في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي بمجرد استعادتها القوة الكافية للقيام بذلك. أما الصين فانخرطت بقوة في الاقتصاد العالمي واستخدمت النمو الهائل الذي تلا ذلك لتمويل بناء عسكري حطم الأرقام القياسية، وحملة مصممة للهيمنة على صناعات المستقبل، ومحاولة للسيطرة على بحر الصين الجنوبي.
وسادت قواعد واشنطن في بيئة أحادية القطبية، لكنها أخذت تضعف مع تغير ميزان القوى، ومع فتور حماسة أميركا تجاه مشروعها العالمي الخاص. وكانت الولايات المتحدة تتعامل دائمًا بانتقائية مع الالتزام بالقواعد؛ فقد خاضت حروبًا في كوسوفو والعراق من دون مباركة الأمم المتحدة. لكن شيئًا أكثر جوهرية تغير بعد ذلك.
فقد تعب الأميركيون من أداء دور شرطي العالم بعد الحروب المستنزفة في الشرق الأوسط والأزمة المالية العالمية. وبحلول عامي 2013 و2014، كان الرئيس الأميركي باراك أوباما يمتنع عن تنفيذ خطه الأحمر الذي وضعه بنفسه ردًا على استخدام الرئيس السوري بشار الأسد الأسلحة الكيميائية ضد شعبه، ولا يفعل الكثير لمواجهة الغزو الروسي الأول لأوكرانيا. ثم أعقب التعب شعور بالإحباط؛ إذ دفع استمرار اعتماد الحلفاء المجاني على الولايات المتحدة سياسيين من الحزبين الرئيسيين إلى القول إن أميركا تتحمل مسؤولية أكبر مما ينبغي عن النظام العالمي، بينما تحصل على فوائد أقل مما تستحق. وربما كان الأكثر ضررًا أن الصعود الصاروخي للصين خلق شعورًا بأن النظام يعمل ضد المصالح الأميركية، وأن الاقتصاد العالمي المفتوح أضعف التصنيع الأميركي وأثرى منافسًا لا يرحم.
وهكذا بدأ النظام القائم على القواعد يبدو عبئًا، أو ربما صفقة سيئة، بالنسبة إلى المدافع الرئيسي عنه. والآن نحن أمام لحظة جديدة بينما يتفكك ذلك النظام.
لقد ابتعدنا كثيرًا عن اقتصاد قائم على القواعد، إذ تعمل المنافسات التجارية والاستراتيجية على تمزيق ذلك النظام. وظلت منظمة التجارة العالمية شبه مشلولة طوال سنوات، بينما أخذت الدول تعالج نزاعاتها التجارية بيدها. وتتزايد الحمائية مع محاولة الحكومات السيطرة على الصناعات الرئيسية أو حمايتها من المنافسة الأجنبية؛ وكانت الرسوم الجمركية وغيرها من التدابير المشوهة للتجارة تتصاعد حتى قبل هجوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب عليها عام 2025. وتستخدم الولايات المتحدة والصين سيطرتهما على سلاسل التوريد الرئيسية ضد بعضهما بعضًا بوصفها أدوات للإكراه الاقتصادي والمنافسة الجيوسياسية. وتحول الاقتصاد العالمي إلى ساحة معركة تتصارع فيها الدول على القوة وتتخلى عن قواعد كانت تحظى بالاحترام سابقًا. أما الدول النامية التي حققت مكاسب هائلة من تدفقات التجارة والاستثمار في ظل النظام القديم، مع أنها كانت تشعر في كثير من الأحيان باستياء شديد من أوجه عدم المساواة فيه، فتواجه آفاق نمو أصعب في عالم ترتفع فيه الحواجز.
وبالمثل، تصبح البيئة الأمنية العالمية أكثر فوضى. فقد انتهى سلام ما بعد الحرب الباردة، ووصلت مستويات الصراعات القائمة بين الدول إلى أعلى مستوى لها منذ عقود. كما تتفكك أطر ضبط التسلح، سواء تعلق الأمر بالاتفاقات النووية الأميركية-الروسية أو الاتفاقات الدولية المناهضة لاستخدام الألغام الأرضية. وأصبح التوسع الإقليمي أمرًا متزايد الشيوع مع تعدي دول من الصين إلى رواندا على جيرانها، في حين لا تمثل محاولة روسيا محو أوكرانيا سوى المثال الأكثر فظاعة على هذا الاتجاه المقلق. ومع تزايد العنف بين الدول، ينهار احترام القانون الدولي والمنظمات الدولية، وأصبحت فكرة أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هو الحكم الفاصل في أي شيء تبدو تصورًا من زمن سابق.
واحترام الحدود ليس المعيار الوحيد الذي يواجه أزمة. فقد ولت الأيام التي كان القادة يتحدثون فيها بفخر عن «مسؤولية حماية» الشعوب التي تتعرض للأذى على أيدي حكامها. واليوم يسود الإفلات من العقاب مع تزايد الفظائع المرتكبة ضد المدنيين، بينما لا تدفع الأنظمة الاستبدادية القوية إلا أثمانًا محدودة لجرائمها. فالصين، على سبيل المثال، مارست قمعًا على نطاق صناعي ضد الإيغور ولم تواجه إلا تدقيقًا محدودًا من المنظمات الدولية وشركائها التجاريين. كما يتزايد القمع العابر للحدود مع ملاحقة الدكتاتوريين لمنتقديهم في أنحاء العالم. وفي الوقت نفسه، يتعرض المعيار الذي تقوم عليه التجارة العالمية، أي حرية الملاحة، لهجوم عنيف. فالهجوم الصيني في بحر الصين الجنوبي، وحملة الحوثيين ضد الملاحة في البحر الأحمر، وادعاءات روسيا بالسيادة على طريق البحر الشمالي، وقبضة إيران الخانقة على مضيق هرمز، كلها مؤشرات إلى اتجاه تحاول فيه القوى الافتراسية إحكام السيطرة على البحار.
ولا يعني ذلك أننا دخلنا في فوضى مطلقة؛ فقد يكون النظام القائم على القواعد بصدد إفساح المجال أمام عصر إمبراطوري جديد. فعلى مدى سنوات، كان صانعو السياسة الأميركيون يجادلون بأن مناطق النفوذ بقايا قديمة غير مقبولة. ومع ذلك، تبني الصين منطقة نفوذ تقليدية على أطرافها البرية والبحرية، في قوس هائل يمتد من جبال الهيمالايا إلى بحر الصين الشرقي، كما تبني مجالًا رقميًا يشمل مساحات واسعة من الجنوب العالمي. وتستخدم روسيا الفساد الاستراتيجي والعدوان الوحشي لفرض إرادتها في أجزاء من آسيا الوسطى وشرق أوروبا. أما تركيا وإسرائيل فقد اقتسمتا عمليًا سوريا ما بعد الأسد، بينما تسعى أنقرة إلى إحياء عثماني في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وهناك أيضًا استعادة واشنطن لنزعتها الإمبراطورية؛ فقد حولت الولايات المتحدة فنزويلا إلى دولة تابعة، وأعلنت نصف الكرة الأرضية بأكمله مجالًا لها، كما تفرض إتاوات على الحلفاء الممتدين على أطراف أوراسيا.
ويتيح تحطيم المؤسسات في الداخل تجاوز المعايير في الخارج. فقبل عقدين، كان في إمكان رئيس أميركي أن يبشر بقرب انتصار المؤسسات الديمقراطية. أما اليوم، فتعمل مجموعة متنوعة من القادة الديمقراطيين وشبه الديمقراطيين والاستبداديين، من ترامب وبوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على هدم القيود المفروضة على سلطاتهم. إنهم يبنون أنظمة سياسية شديدة الشخصنة حول قوة قائد ديناميكي وكاريزمته. وقد أتاح تفكيك شي للقيود المفروضة على مدد الحكم مواصلة استراتيجية تمتد جيلًا كاملًا لاستعادة قوة الصين. أما ازدراء ترامب للضوابط والتوازنات فيتيح شن حروب الرسوم الجمركية، وإبرام صفقات اقتصادية مشكوك فيها، واللجوء المفاجئ إلى القوة. وتتطور السياسة الداخلية والدولية بالتوازي، وتؤدي الولايات المتحدة دورًا محفزًا في هذا العالم الذي يتجاوز القواعد.
وللإنصاف، فإن سجل ترامب ليس كله خرقًا للقواعد. ففي عهده دخل الجيش الأميركي في مواجهات مع أطراف سيئة، مثل الحوثيين وإيران، تشن حربًا على حرية الملاحة. كما وجه ترامب ضربة لمصلحة منع الانتشار من خلال تدمير المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025. وسعت إدارته إلى التوسط لتحقيق السلام في مناطق تمتد من أفريقيا جنوب الصحراء إلى جنوب شرق آسيا، ومارست ضغطًا شديدًا على حكومات مارقة في كاراكاس وهافانا وطهران. كما واصلت، وإن بتردد، دعم أوكرانيا ضد روسيا. وإذا لم يكن الرئيس ممن يتشددون في التفاصيل الأخلاقية، فإنه ومستشاروه يجادلون بأن القسوة هي ثمن البقاء في عالم لا يرحم.
ووفقًا لهذه الرواية، فإن القوة العظمى التي تقدس القواعد العالمية بصورة مفرطة تنزع سلاح نفسها أمام الخصوم الذين لا يحترمونها. فلا تستطيع واشنطن الالتزام بمعايير منظمة التجارة العالمية إذا كانت الصين لا تلتزم بها، ولا يمكنها السماح للقانون الدولي بحماية حكومات تتعامل مع مهربي المخدرات، أو ترعى الإرهاب، أو تسعى إلى امتلاك أخطر الأسلحة في العالم. وهناك شيء من الصحة في هذه الحجج؛ فالنظام العالمي يتطلب فعلًا أن تكون الولايات المتحدة حازمة في الدفاع عن مصالحها. لكن المشكلة هي أن ترامب أقام أيضًا، ضمنيًا أو صراحة، قضية مشتركة مع القوى التعديلية التي تعمل على هدم النظام القديم.
ويحاول ترامب بصورة دورية تحويل المنافع العامة العالمية إلى عمليات ابتزاز مقابل الحماية؛ فمن ذلك، مثلًا، إعلانه أن واشنطن ستسيطر على الملاحة عبر مضيق هرمز وتفرض رسومًا على السفن التي تعبره. كما مزقت إدارته نظام التجارة العالمية بالرسوم الجمركية، وتجاهلت القانون الدولي عند تنفيذ ضربات قاتلة ضد أشخاص يُزعم أنهم مهربو مخدرات في نصف الكرة الغربي. ويبدو الإفلات من العقاب جذابًا لترامب؛ إذ أفادت تقارير بأنه اقترح أن تتعاون بكين وموسكو وواشنطن في شل المحكمة الجنائية الدولية. كما انضم ترامب إلى القوى التعديلية بمعنى أكثر جوهرية، من خلال استخدام الضغط الاقتصادي والتهديد بالعنف في محاولات لانتزاع تنازلات إقليمية من دول أضعف. ويخشى كثير من حلفاء الولايات المتحدة أن يكون ترامب مستعدًا لخرق أي قاعدة تقيد طموحه، وربما يعود ذلك إلى أن الرئيس نفسه يقول أحيانًا هذا الأمر صراحة.
وبعد أن أمر في يناير/كانون الثاني بعملية خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أعلن ترامب أن الشيء الوحيد القادر على تقييده هو أخلاقه الشخصية، لا القانون الدولي ولا الدستور الأميركي. وأضاف مسؤول البيت الأبيض ستيفن ميلر: «نحن نعيش في عالم... تحكمه القوة، وتحكمه القدرة على الإكراه، وتحكمه السلطة. هذه هي القوانين الحديدية للعالم التي وجدت منذ بداية الزمن».
ولحسن الحظ، ما يزال العالم بعيدًا جدًا عن مستويات العنف والفوضى التي شهدتها ثلاثينيات القرن العشرين أو عصور مظلمة أخرى. وكثير من التحالفات والمؤسسات التي أسهمت طويلًا في تعزيز الاستقرار تتعرض للتحدي، لكنها لا تزال قائمة. لكن الواضح أن العالم يصبح أكثر ظلمة وفوضى وأقل تسامحًا مع القادة الذين يتجاهلون حقائق هذا العصر الذي بدأ يطل علينا.
ما متطلبات البقاء، إذن، في عالم ما بعد القواعد؟
المطلب الأول هو إدراك أن الحنين ليس استراتيجية. فمن المغري لحلفاء الولايات المتحدة وغيرهم ممن اعتمدوا على النظام القائم على القواعد أن يجعلوا ترامب الشرير الوحيد في هذه القصة، وأن يأملوا في أن تعود السياسة الأميركية، ومعها الظروف العالمية، فجأة إلى سابق عهدها بمجرد مغادرته المشهد. وربما يكون صحيحًا أن الرئيس الأميركي المقبل لن يكون مهووسًا بالاستيلاء على غرينلاند. لكن ترامب ليس المصدر الوحيد للمشكلات؛ فقد كانت بكين وموسكو تهاجمان النظام القائم على القواعد قبل انتخابه رئيسًا بزمن طويل. وترامب عرض لتغيرات أعمق، منها مخاطر الاعتماد المتبادل وعودة تنافس القوى العظمى، وهي عوامل ستستمر بعد انتهاء ولايته. والقادة مهمون بالفعل، وهناك أوجه عدم يقين حاسمة بشأن مستقبل السياسة الأميركية. لكن أيًا يكن من سيصبح رئيسًا عام 2028 أو 2032، فلا ينبغي توقع عودة العالم إلى حالة أكثر لطفًا بصورة جوهرية.
وستكون الدول التي تؤسس عقلياتها على حقائق هذا العصر الجديد أكثر قدرة على التعامل مع تقلباته، بينما تتجه الدول التي تؤجل القرارات الصعبة نحو المتاعب. والواقع أن أحد أسباب ظهور حلفاء أميركا الأوروبيين غالبًا في حالة من فقدان التوازن قد يكون أن أكثر عادات القارة رسوخًا، مثل تفاؤلها بإمكان التخلص من الأساليب السيئة القديمة، واستدعائها المستمر للنظام القائم على القواعد، ونقص استثمارها المزمن في أدوات حماية الذات، كلها منتجات لعصر سابق. وحتى مع تسارع إعادة التسلح الأوروبي، لا تزال الالتزامات القديمة قائمة؛ إذ لن تتمكن معظم الدول من بلوغ أهدافها الطموحة للإنفاق العسكري ما لم تقلص برامج الاستحقاقات الاجتماعية الداخلية التي توسعت خلال العقود التي كانت فيها واشنطن تتحمل حصة كبيرة من فاتورة دفاع حلف شمال الأطلسي. وهذه مفاضلة صعبة، لكنها من النوع الذي سيفرضه العصر الجديد.
ومن هنا تأتي القاعدة الثانية: الاعتماد على الذات أمر حيوي في عالم شرس. فهناك حماية أقل ضد الافتراس الذي تمارسه القوى التعديلية، وهناك يقين أقل بأن قوة عظمى خيرة ستتصدى للقوى الخبيثة. والدول التي تعتمد فقط على تحالفها مع واشنطن تخاطر بخيبة أمل قد تكون لها تداعيات قاتلة، بينما تخاطر الدول التي تراهن على القانون الدولي أو المؤسسات متعددة الأطراف أو المبادئ الأخلاقية بأن تصبح فريسة لخصوم أقوى. ويحمل مفهوم الاعتماد على الذات سمعة سيئة في الأدبيات الأكاديمية، حيث يرتبط بالسلوك الفوضوي في عالم يأكل فيه القوي الضعيف. لكن في الظروف الحالية، يصبح الاعتماد على الذات عقلانيًا للغاية؛ فهو يتعلق بتطوير القدرات السيادية والتحالفات البديلة التي يمكنها إطالة قدرة دولة مكشوفة على البقاء.
وتقدم بولندا واليابان نموذجين لهذا النهج؛ فكلتاهما تنفذ استثمارات دفاعية تاريخية تتجاوز الحواجز المالية والسياسية القديمة، كما تعملان على بناء تحالفات جديدة تكمل التحالفات القائمة. ويشمل ذلك مفهوم «إنترماريوم» أو «ما بين البحار» الناشئ، الذي تتعاون من خلاله وارسو بصورة أوثق مع دول المواجهة الأخرى في أوروبا، والتحالفات شبه الرسمية التي بنتها اليابان مع أستراليا والفلبين، إضافة إلى علاقات الدفاع المتعمقة التي طورتها مع دول تمتد من الهند إلى فيتنام.
وهذا المسار، أي الحفاظ على أكبر قدر ممكن من التعاون مع واشنطن مع إنشاء وسائل تحوط أقوى في الوقت نفسه ضد مستقبل غير مؤكد، هو أفضل خيار متاح أمام الحلفاء الذين لا يستطيعون الاعتماد بالكامل على القوة الأميركية، لكنهم لا يستطيعون الاستغناء عنها أيضًا. كما أنه يمنحهم الوقت للتفكير فيما إذا كانت أشكال أكثر جذرية من الاعتماد على الذات، مثل امتلاك الأسلحة النووية، قد تصبح ضرورية يومًا ما.
وتوضح موجة الاعتماد على الذات هذه مبدأ ثالثًا: لا تراهنوا على تعاون القوى المتوسطة لإنقاذ النظام القديم، حتى وإن كان في إمكان هذا التعاون تخفيف الأضرار الناتجة من انهيار النظام. ففي يناير/كانون الثاني، أصبح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني نجمًا محبوبًا في منتدى دافوس عندما تحدث عن «لحظة القوى المتوسطة»، التي يجتمع فيها مؤيدو النظام القائم على القواعد للحفاظ عليه في مواجهة بكين وواشنطن معًا.
لكن هذا طلب كبير. فلو استطاعت القوى المتوسطة تحديد شروط النظام العالمي لما كانت قوى متوسطة أصلًا. وحقائق القوة عنيدة؛ فلا يوجد تحالف معقول للقوى المتوسطة يستطيع احتواء الصين من دون دعم الولايات المتحدة. كما يبالغ تصور كارني في تقدير وحدة القوى المتوسطة؛ إذ ترى بعض الدول المهمة، مثل البرازيل والهند والسعودية، في البيئة المجزأة فرصًا بقدر ما ترى فيها مخاطر، وهي في أفضل الأحوال مترددة تجاه نظام بناه الغرب. ومن المرجح أن تتحول محاولات بناء تحالف ضخم للقوى المتوسطة إلى هدر للوقت والطاقة.
والنهج الأكثر ذكاءً هو أن تبحث مجموعات أصغر وأكثر تماسكًا عن وسائل لتقليل تعرضها للخطر واعتمادها على الآخرين في عالم تقل فيه الضمانات. فمن المعقول جدًا أن تقلص أوروبا تدريجيًا اعتمادها على السوق الأميركية من خلال صفقات مع الهند وتكتل ميركوسور، تمامًا كما من المعقول للهند وميركوسور وغيرها من الاقتصادات النامية توسيع خياراتها التجارية مع ارتفاع الحواجز الجمركية الأميركية. ومن الحكمة أن تعمل اليابان على تطوير سلاسل إمداد دفاعية آسيوية قد تساعد يومًا ما في دعم خط المواجهة ضد الصين، مع تقليل الاعتماد التكنولوجي على واشنطن. ومن المنطقي أيضًا أن تتعاون كندا بصورة أوثق في أمن القطب الشمالي مع الدول الإسكندنافية في ظل تزايد ضغوط القوى العظمى من اتجاهات مختلفة. ففي عالم يقوم على الاعتماد على الذات، يستحق تعزيز المرونة ولو على الهامش السعي إليه، حتى إن لم يوجد بديل جيد في المدى القريب عن العمل مع الولايات المتحدة.
رابعًا، حتى مع فقدان التحالفات الأميركية بعضًا من طابعها الاستثنائي، يجب على واشنطن وأصدقائها العثور على سبل لضمان استمرار تلك التحالفات. فمهما قال ترامب، ما تزال الولايات المتحدة بحاجة إلى تحالفات في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا؛ إذ لا يمكنها التصرف بوصفها قوة عالمية كبرى من دون المواقع الجغرافية الاستراتيجية وإمكان الوصول العسكري اللذين توفرهما هذه التحالفات. وبالمثل، قد تمتلك واشنطن أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تستطيع الهيمنة على عصر الذكاء الاصطناعي من دون مساعدة أصدقاء، من هولندا إلى تايوان، يشغلون مواقع رئيسية في البنية التكنولوجية العالمية. وحتى القوة العظمى التي تتحرك بدافع مصالحها الذاتية تظل بحاجة إلى المساعدة.
ومهما كانت مخاوف حلفاء الولايات المتحدة من واشنطن، فإنهم ما يزالون بحاجة إلى تلك الاتفاقات لحمايتهم من «العصابات» القريبة، سواء كانت الصين أو إيران أو كوريا الشمالية أو روسيا. وحتى إذا استطاع هؤلاء الحلفاء مستقبلًا موازنة خصومهم من دون الدعم الأميركي، فعليهم تجنب حالة الهشاشة الحادة التي سيخلقها الانفصال عن واشنطن في الفترة الفاصلة بين الآن وذلك المستقبل. صحيح أن الاعتماد على الذات يصبح أكثر أهمية كلما أصبحت القوة الأميركية أقل موثوقية، لكن في الوقت الحالي تفضل دول المواجهة، من كوريا الجنوبية إلى فنلندا، تحالفات غير مثالية وغير مؤكدة مع الولايات المتحدة على تكاليف ومخاطر التحرك منفردة.
وبالطبع، حتى الحلفاء الذين يحتاجون إلى الدعم الأميركي لن يرغبوا في الاعتماد عليه بإفراط. فقد جعلت أحداث السنوات الأخيرة من الأصعب الدفاع عن فكرة أن الاتفاقات الأمنية الأميركية قائمة على قيم مشتركة. ومن خلال جعل الالتزامات الدفاعية الأميركية أكثر مشروطية، جعل ترامب شبح التخلي عن الحلفاء واقعيًا بصورة شديدة. ولذلك ستكون المهمة أمام واشنطن وحلفائها هي العثور على أساس أكثر تعاقدية ومصلحية لتعاونهم الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي؛ مثل اتفاقات يبادل فيها الحلفاء دعمهم لتأمين سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي وتعزيزها بالحصول على وصول مميز إلى قدرات الحوسبة الأميركية ونماذجها المتقدمة. ويتمثل المفتاح في الحفاظ على القدرة على العمل معًا بشأن المصالح المشتركة، حتى بينما تتحول المؤسسات التي كانت تثبت العالم الحر في السابق إلى شراكات حذرة بدلًا من مجتمعات دائمة من الثقة الاستراتيجية.
خامسًا، إذا كانت معضلات العصر الجديد أكثر حدة بالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة، فينبغي للدول في كل مكان الاستعداد لدفع علاوات مخاطر أعلى في بيئة تعاني الفوضى. وقد يستهجن الواقعيون الحديث عن «المعايير العالمية»، لكن بعض هذه المعايير، وفي مقدمتها حرية الملاحة، تشكل أساس التجارة العالمية. وقد استفادت جميع البلدان تقريبًا، من الدول النامية إلى القوى الاستعمارية السابقة، بصورة هائلة من استقرار وانفتاح المشاعات العالمية. أما العصر الذي تنهار فيه هذه المعايير فهو عصر ترتفع فيه تكاليف الشحن والتأمين بشدة، وتتعرض سلاسل التوريد لاضطرابات عنيفة، وتتضاعف الاحتكاكات الاقتصادية. وكما أظهرت حرب الخليج الأخيرة، قد لا تمتلك الولايات المتحدة القدرة على حماية حرية الملاحة في المياه المتنازع عليها، حتى عندما تستجمع الإرادة للقيام بذلك.
ولهذا تصبح البدائل الالتفافية لنقاط الاختناق البحرية، حتى المكلفة منها، شديدة الأهمية. فشبكة موسعة من خطوط الأنابيب تنقل نفط الخليج إلى العالم مع تجاوز مضيق هرمز تمثل بوليصة تأمين مكلفة لكنها أساسية، كما تشكل وسيلة لخفض قدرة إيران على ممارسة الضغط تدريجيًا. وبالمثل، فإن تحويل تدفقات الطاقة ومخزونات المعادن الحيوية وغيرها من جوانب الاعتماد المتبادل إلى أسلحة يفرض انتقالًا أوسع من التركيز على الكفاءة إلى التركيز على المرونة. ومع تحول الحصارات والمقاطعات وغيرها من العقوبات إلى جزء أصيل من نسيج الاقتصاد العالمي، ينبغي للجهات الحذرة أن تكون مستعدة لدفع كلفة إضافية مقابل التحصن من تهديدات الإكراه. وينطبق هذا، للأسف، حتى على الدول الأكثر فقرًا؛ فمع اضطراب شبكات توزيع الغذاء والطاقة بسبب الصراعات، قد تضطر حتى الدول النامية إلى الاستثمار في إنشاء احتياطيات استراتيجية أكبر.
وقد يبدو كل ذلك واعدًا للغاية بالنسبة إلى الدول التعديلية في العالم. فانهيار النظام القائم على القواعد يفتح الطريق أمامها لتحقيق مشاريعها. لكن المطلب السادس هو أن تكون هذه الدول حذرة فيما تتمناه؛ فعالم العصابات قد لا يناسبها إلى الأبد، حتى إذا منحها دفعة قوية لبعض الوقت.
ولا شك أن شي وبوتين سيستفيدان بينما تضعف واشنطن القانون الدولي وتغازل التوسع العنيف. وسيشعران بالسعادة عندما تتعرض التحالفات الأميركية، التي تمثل الحواجز الرئيسية للقوة الصلبة أمام توسع نفوذهما، للشكوك. ففي عالم بلا قواعد، تزداد عوائد السلوك العديم الرحمة. لكن إذا نظرنا على مدى أطول، فقد تتراجع هذه المكاسب بمرور الزمن.
فإذا انتهى الأمر بالدول القلقة من الأنظمة الاستبدادية العدوانية ومن أميركا المتقلبة إلى تسليح نفسها بصورة محمومة، فلن تكون النتيجة بالضرورة جيدة لبوتين وشي وأمثالهما. وسنرى إلى أي حد ستشعر الصين بالراحة في مواجهة يابان مدججة بالسلاح وهي تتخلص من القيود التاريخية على سياستها الخارجية، أو ما إذا كان الوضع الاستراتيجي لروسيا سيتحسن عندما تتضخم القدرات العسكرية البولندية والألمانية وتتوقف تلك الدول عن الخضوع للقيود الأميركية. وإذا أدى انتشار انعدام الأمن إلى انتشار نووي واسع، فقد تواجه بكين وموسكو معًا أوضاعًا أكثر توترًا وخطورة في مناطقهما القريبة. وفي عصر صفري بالكامل، قد يصبح الجميع أقل أمنًا. كما أن الاقتصاد الصيني الذي يعتمد على التجارة ما يزال بحاجة إلى بحار آمنة وأسواق خارجية؛ فإذا تجزأ الاقتصاد الدولي وتراجعت حرية الملاحة، فقد تجد بكين نفسها في النهاية تفتقد النظام القائم على القواعد.
وأخيرًا، ينبغي للقادة التفكير في حقيقة سابعة: ما تزال هناك مسارات مستقبلية مختلفة ممكنة، ويعتمد الكثير على ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع استدعاء نوع من القسوة المستنيرة والموجهة أم لا. ففي سيناريو أكثر جاذبية، تدرك واشنطن أنها لا تستطيع كبح منافسين لا يرحمون وهي تعبد القواعد، فتتبنى منطق العصابات في مواجهة القوى الاستبدادية التي تدوس الحدود وتحاول الهيمنة على الاقتصاد العالمي. لكنها تقبل، كما فعلت أثناء الحرب الباردة، بوجود مجموعة من المعايير عند التعامل مع الأصدقاء ومجموعة أخرى عند التعامل مع الأعداء؛ ويدرك المسؤولون الأميركيون ضرورة التعامل بقدر أكبر من التساهل مع الحلفاء حتى يتمكنوا، بصورة جماعية، من التصدي للصين وغيرها من الخصوم بقوة أكبر.
وإذا تحقق هذا السيناريو بعد مغادرة ترامب السلطة، فلن يكون العصر المضطرب كارثيًا بالضرورة. فقد يستمر حد أدنى حيوي ومصلحي من تعاون الحلفاء في قضايا تمتد من تأمين سلاسل توريد المعادن الأرضية النادرة وأشباه الموصلات إلى تعزيز التوازن العسكري في غرب المحيط الهادئ. بل إن تجربة الاقتراب من التخلي عن الحلفاء في عهد ترامب قد تقنعهم بأن من مصلحتهم تقديم قدر أكبر من المساعدة التي تحتاج إليها واشنطن إذا أراد المجتمع الديمقراطي التفوق في المنافسة مع خصومه. أما إذا واصلت الولايات المتحدة ممارسة الإكراه في جميع الاتجاهات، فإن العالم، وفي النهاية واشنطن نفسها، سينتهي إلى مكان أكثر قسوة.
وقد تفيد جنة عصابات حقيقية الولايات المتحدة في البداية. فالقوة الخام تصبح أكثر أهمية عندما تنحط معايير السلوك. وأي دولة يمكن أن تحقق نتائج أفضل في بيئة يصبح فيها «الحق لمن يمتلك القوة» من قوة عظمى تمتلك قوة تفوق الجميع؟ ذلك هو الإغراء القصير المدى للأجندة الصفرية، لكن الصورة على المدى الطويل أقل جاذبية بكثير.
لقد أدى دعم الولايات المتحدة لنظام يعود بالنفع على نطاق واسع إلى تسهيل ممارسة قوتها من خلال منحها قدرًا أكبر من الشرعية العالمية. كما أصبحت علاقات التحالف أسهل بفعل الشعور بأن الولايات المتحدة، في جوهرها، دولة محترمة، حتى إن كانت تفعل أحيانًا أمورًا غير مستساغة. وإذا تبنت واشنطن منطق العصابات، فسوف تمزق العلاقات التي ضاعفت نفوذها، وستمنح الدول الأخرى حافزًا أكبر لحجب تعاونها عنها، أو حتى للعثور على وسائل لمقاومتها. فالمبدأ مصدر من مصادر القوة. وإذا نسيت واشنطن ذلك، فسوف تدفع ثمنًا باهظًا.
كان عصر ما بعد الحرب الباردة زمنًا بدا فيه نور التقدم شديد السطوع. أما عصرنا الذي يتشكل أمامنا فيَعِد بأن يكون أكثر ظلمة، وربما أكثر يأسًا. ولهذا تحديدًا يصبح من الأكثر أهمية أن يرسم القادة في أذهانهم معالم هذه اللحظة، ولو لمجرد أن يتمكنوا من الإبحار بصورة أفضل بين الأخطار التي تطرحها.



اضف تعليق