السؤال الذي يحرّك الموظف يصبح: لماذا أبذل جهداً إضافياً إذا كانت المؤسسة لا ترى الفرق بين العمل المتقن والعمل المنجز كيفما اتفق؟ الإتقان في جوهره علاقة بين الإنسان والمعنى الذي يمنحه لعمله، والإدارة تستطيع أن تقوي هذه العلاقة أو تضعفها عبر تفاصيل ملموسة: إصغاء، عدالة، تقدير، ووضوح...
في أحد أماكن العمل، قد يجلس موظف أمام المهمة نفسها التي كان يؤديها قبل سنوات. يعرف تفاصيلها، ويمتلك الخبرة الكافية لإنجازها، وربما كان في بداياته أكثر حرصاً على مراجعة كل كلمة وكل رقم وكل خطوة. مع مرور الوقت، يبدأ شيء صغير بالتغير. يتوقف عن السؤال، يقلل المراجعة، ينجز المطلوب بالحد الأدنى، ويتعامل مع الأخطاء باعتبارها أمراً يمكن تجاوزه. من الخارج يبدو الأمر تراجعاً في أداء الموظف، غير أن المشهد قد يخفي سؤالاً آخر: ماذا حدث للاهتمام الذي كان يجعل هذا الإنسان حريصاً على أن يقدم عملاً جيداً؟
الإتقان لا يعيش منفصلاً عن البيئة التي تنتجه. الإنسان يستطيع أن يحافظ على مستوى مرتفع من الجودة فترة طويلة اعتماداً على ضميره المهني، غير أن استمرار الإتقان يحتاج إلى مؤسسة تشعر صاحبها بأن ما يقدمه له قيمة، وأن جهده مرئي، وأن الخطأ الذي يقع فيه فرصة للتعلم وليس ذريعة للإدانة، وأن التطور المهني جزء من ثقافة المكان. حين تختفي هذه المعاني تدريجياً، يبدأ الموظف في إعادة حساب علاقته بالعمل. السؤال الذي كان يحركه يصبح: لماذا أبذل جهداً إضافياً إذا كانت المؤسسة لا ترى الفرق بين العمل المتقن والعمل المنجز كيفما اتفق؟
هنا يظهر أحد المعايير الأولى لاهتمام الإدارة: هل ترى الإنسان الذي يقف خلف المهمة؟ الإدارة المهتمة لا تكتفي بمراقبة النتائج، وإنما تعرف من يقوم بالعمل، وما الصعوبات التي تواجهه، وما المهارات التي يمتلكها، وما الذي يحتاج إليه كي يؤدي بصورة أفضل. قد يكون انخفاض الإتقان مرتبطاً بأداة غير متاحة، أو تعليمات غير واضحة، أو ضغط غير واقعي، أو توزيع غير عادل للمهام. تجاهل هذه التفاصيل يجعل الإدارة تقرأ النتيجة وحدها وتغفل الظروف التي صنعتها.
المعيار الثاني هو التقدير والاعتراف بالجهد. الموظف لا يحتاج دائماً إلى مكافأة مادية كي يشعر بقيمة ما ينجزه. أحياناً تكفي ملاحظة مهنية دقيقة، أو كلمة تقدير في الوقت المناسب، أو إسناد مسؤولية جديدة تعكس الثقة بقدراته. حين يصبح العمل المتقن عادياً في نظر الإدارة، بينما تحظى الأخطاء بالاهتمام الأكبر، تتغير الرسالة التي تصل إلى العاملين: الجودة لا تمنح صاحبها قيمة إضافية. ومع تكرار هذه الرسالة، يصبح الحد الأدنى من الأداء خياراً مفهوماً من الناحية النفسية.
وهناك معيار أكثر حساسية: العدالة في التقييم. لا يمكن أن تطلب مؤسسة الإتقان من موظفيها إذا كانت معايير التقييم غامضة أو متناقضة أو خاضعة للعلاقات الشخصية. الموظف الذي يرى زميلاً يحصل على التقدير نفسه رغم اختلاف مستوى الجهد والجودة، يتعلم مع الوقت أن المؤسسة لا تكافئ الإتقان بطريقة واضحة. عندها تتراجع الرغبة في تقديم جهد إضافي، لأن العلاقة بين الجودة والتقدير تصبح غير مفهومة.
ويأتي بعد ذلك الاستماع. الإدارة التي تستمع لا تجمع الشكاوى فقط، وإنما تلتقط الإشارات المبكرة التي تسبق تراجع الأداء. الموظف الذي يتحدث عن مشكلة في سير العمل، أو عن نقص في الأدوات، أو عن تكرار إجراء غير ضروري، يقدم للإدارة معلومة يمكن أن تمنع خسارة أكبر لاحقاً. حين يشعر العاملون أن حديثهم لا يغير شيئاً، يتوقفون عن الكلام أولاً، ثم تتراجع المبادرة، وبعدها يصبح الصمت جزءاً من ثقافة المؤسسة.
ومن المعايير المهمة أيضاً توفير متطلبات العمل. لا يمكن اختزال الإتقان في رغبة الموظف وحدها. جودة المنتج أو الخدمة تتأثر بالوقت المتاح، والأدوات، والتدريب، ونظم المعلومات، وحجم المسؤوليات، ووضوح الصلاحيات. قد تطلب الإدارة من موظف إنجاز عمل دقيق في وقت لا يسمح بالمراجعة، ثم تحاسبه على الأخطاء التي نتجت عن الاستعجال. هنا تتحول المسؤولية المهنية إلى معادلة مختلة؛ إذ يُطلب الإتقان من جهة، وتُسحب شروطه من جهة أخرى.
ثم يأتي التطوير المهني بوصفه معياراً كاشفاً لاهتمام الإدارة. الموظف الذي لا يتعلم شيئاً جديداً لسنوات قد يستمر في أداء مهامه، لكنه يعمل داخل مساحة معرفية ثابتة بينما تتغير الأدوات والأساليب من حوله. المؤسسة التي تستثمر في تدريب العاملين تقول لهم بصورة عملية إن خبرتهم قابلة للنمو. أما حين يصبح التدريب ترفاً، فإن المؤسسة تخاطر بتحويل الخبرة إلى عادة، والعادة إلى تكرار، والتكرار إلى جمود.
وهناك معيار يرتبط مباشرة بالقيادة: هل تتدخل الإدارة في الوقت المناسب عندما ترى انخفاض الجودة؟ التدخل المهني لا يعني العقوبة الفورية. قد يبدأ بسؤال بسيط: ماذا تغير؟ لماذا انخفض مستوى العمل؟ هل هناك مشكلة في الشخص أم في النظام؟ هذه الأسئلة تفرق بين إدارة تبحث عن المسؤول وإدارة تبحث عن السبب. وفي كثير من الحالات، يكون اكتشاف السبب أكثر فائدة من معاقبة النتيجة، لأن الخطأ قد يكون فردياً مرة، وقد يكون علامة على خلل يتكرر عند أكثر من شخص.
الإتقان يحتاج كذلك إلى وضوح التوقعات. عندما لا يعرف الموظف ما الذي تعنيه المؤسسة بالجودة، يصبح الحكم على عمله متغيراً حسب الأشخاص والمواقف. أما حين تكون المعايير محددة، وتعرف الفرق ما الذي يجعل العمل جيداً وممتازاً وغير مقبول، يصبح الإتقان قابلاً للتعلم والقياس والتحسين. الإدارة التي تريد جودة حقيقية تحتاج إلى تحويل كلمة «الإتقان» من قيمة عامة إلى معايير عملية يمكن للعاملين فهمها وتطبيقها.
ومن أخطر التحولات التي تحدث داخل المؤسسات أن يبدأ الموظف في فصل ضميره المهني عن المؤسسة. في البداية يقول: سأفعل ما أستطيع. ثم يصبح: سأفعل ما هو مطلوب مني. وبعد مدة قد يصل إلى: سأفعل ما يمنع مساءلتي فقط. هذه المراحل لا تحدث فجأة، وإنما تتكون من تجارب صغيرة متراكمة: جهد لم يُلاحظ، مشكلة لم تُحل، اقتراح لم يُسمع، وعد لم يُنفذ، تقييم لم يكن عادلاً، أو موظف مجتهد لم يجد فرقاً بينه وبين من يؤدي الحد الأدنى.
وهنا ينبغي الحذر من تفسير كل تراجع في الإتقان بأنه نتيجة لإهمال الإدارة. هناك مسؤولية شخصية لا يمكن إغفالها، وقد يكون انخفاض الأداء مرتبطاً بضعف الالتزام أو نقص المهارة أو مشكلات أخرى داخل الفرد. غير أن الإدارة تتحمل مسؤولية البيئة التي تجعل الإتقان ممكناً أو صعباً، وتحول السلوك الفردي إلى ثقافة جماعية عندما تتكرر الرسائل نفسها داخل المؤسسة.
المشكلة تصبح أكبر عندما تنتقل العدوى من فرد إلى آخر. الموظف الجديد يراقب زملاءه أكثر مما يقرأ التعليمات، ويتعلم سريعاً ما الذي تكافئه المؤسسة فعلياً. إذا رأى أن السرعة أهم من الجودة دائماً، وأن صاحب الصوت الأعلى أكثر حضوراً من صاحب العمل الأفضل، وأن المبادرة تجلب مزيداً من المسؤوليات من دون تقدير، فسوف يعيد ترتيب سلوكه وفق ما يراه أمامه. هكذا تتكون ثقافة العمل من الممارسات اليومية أكثر مما تتكون من الشعارات المكتوبة على الجدران.
لذلك يمكن النظر إلى اهتمام الإدارة عبر مجموعة من الأسئلة العملية: هل تستمع إلى العاملين؟ هل توفر أدوات العمل؟ هل تضع معايير واضحة للجودة؟ هل تقيس الأداء بعدالة؟ هل تقدر الجهد؟ هل تتيح التدريب والتطور؟ هل توزع المسؤوليات بصورة منصفة؟ هل تتعامل مع الخطأ كفرصة للتعلم حين يكون ذلك مناسباً؟ هل تحمي أصحاب المبادرة من أن يتحول اجتهادهم إلى عبء دائم؟ وهل تراجع أداء المؤسسة نفسها قبل أن تطالب الأفراد بمراجعة أدائهم؟ هذه الأسئلة تمنح الإدارة مرآة عملية ترى من خلالها علاقتها بالإتقان.
الإدارة المهتمة لا تصنع موظفاً مثالياً في يوم واحد، وإنما تبني شروطاً تجعل العمل الجيد قابلاً للاستمرار. وهي تعرف أن الموظف حين يشعر بأن مؤسسته تحترم وقته وخبرته وكرامته وجهده، يصبح أكثر استعداداً لحماية جودة عمله. والعكس صحيح أيضاً؛ فحين تتحول المؤسسة إلى مكان لا يرى الإنسان فيه قيمة ما يقدمه، يصبح الحفاظ على الإتقان معركة شخصية طويلة قد يخسرها الفرد بعد سنوات من الاستنزاف.
الإتقان في جوهره علاقة بين الإنسان والمعنى الذي يمنحه لعمله. الإدارة تستطيع أن تقوي هذه العلاقة أو تضعفها. وكلما كان اهتمامها حقيقياً، ظهر ذلك في تفاصيل يمكن ملاحظتها وقياسها: إصغاء، عدالة، أدوات، تدريب، تقدير، وضوح، متابعة، ومساحة آمنة للتطوير. وعندما تغيب هذه العناصر مجتمعة، يصبح السؤال عن ضعف الإتقان أعمق من سؤال: «من أخطأ؟»؛ إذ ينبغي أن نسأل أيضاً: أي بيئة جعلت الخطأ يتكرر، وأي ثقافة جعلت الجودة تفقد معناها؟
لهذا فإن معالجة التراجع الإداري لا تبدأ دائماً من مطالبة الموظف بأن يعمل أكثر، وإنما من فحص العلاقة التي بنتها المؤسسة مع العمل نفسه. فحين تعيد الإدارة الاعتبار للإنسان، وتربط التقييم بمعايير واضحة، وتستمع إلى مشكلاته، وتوفر له أدوات النجاح، وتكافئ الجودة بصورة عادلة، يصبح الإتقان جزءاً طبيعياً من ثقافة المؤسسة. أما حين يظل الاهتمام مجرد تعليمات وشعارات، فقد يستمر العمل في الحركة، فيما يتراجع الشيء الذي يمنحه قيمته الحقيقية: العناية بالتفاصيل.



اضف تعليق