نعيش فترة انتقالية ستتمخض عن أحد ثلاثة مسارات إما عالم الكتلتين الذي يعيد إحياء الحرب الباردة بين واشنطن وبكين، أو عصر الإمبراطوريات حيث يتقاسم الكبار مناطق النفوذ الإقليمية، أو "الهاوية الفوضوية" التي تنهار فيها القواعد الدولية تماماً وتتحول فيها الولايات المتحدة إلى قوة افتراسية متمردة. القرارات الأمريكية هي التي...
في مقالة نشرتها مجلة فورين بوليسي الامريكية، يقدم الأكاديمي والباحث الأبرز في معهد المشروع الأمريكي وجامعة جونز هوبكنز "هال براندز"، تحليلاً عميقاً لمستقبل النظام الدولي. حيث يرى أن العالم الذي بنته أمريكا بعد عام 1945 يحتضر، وأننا نعيش حالياً "فترة انتقالية" ستتمخض عن أحد ثلاثة مسارات: إما "عالم الكتلتين" الذي يعيد إحياء الحرب الباردة بين واشنطن وبكين، أو "عصر الإمبراطوريات" حيث يتقاسم الكبار مناطق النفوذ الإقليمية، أو "الهاوية الفوضوية" التي تنهار فيها القواعد الدولية تماماً وتتحول فيها الولايات المتحدة إلى قوة افتراسية متمردة. ويؤكد الكاتب أن القرارات الأمريكية في العقد القادم هي التي ستحدد ما إذا كان العالم سيستقر على نموذج "متصدع لكنه مقبول"، أم سينزلق نحو فوضى دموية شاملة.
النظام إلى هاوية فوضوية
"العالم القديم يحتضر"، هكذا كتب الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي عام 1930، "والعالم الجديد يكافح لكي يولد". ورغم قناعاته الماركسية، إلا أن غرامشي كان ليشعر بأنه في وطنه لو عاش في عصر ترامب. العالم القديم، في هذه الحالة، هو النظام الدولي الذي بنته الولايات المتحدة في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، ثم سعت إلى عولمته بعد انتصارها في الحرب الباردة. لقد جلب ذلك المشروع سلاماً وازدهاراً وحرية غيرت وجه العالم، ومع ذلك، فإن النظام القديم اليوم قد استنفد أغراضه.
لسنوات، دأبت الدول "المراجعة" (التي تسعى لتغيير النظام القائم)، ولا سيما الصين وروسيا، على تقويض هذا النظام، والآن يبدو أحياناً أن الولايات المتحدة في حالة حرب معه أيضاً. بعد عشر سنوات من الآن، سيبدو العالم مختلفاً تماماً، وما لا نعرفه بعد هو ما ينتظرنا على الجانب الآخر من هذه "الفترة الانتقالية" (interregnum)، وما هو الشكل الذي سيتخذه ذلك العالم الجديد.
أحد الاحتمالات هو سيناريو "العالمين" الذي يذكرنا بالحرب الباردة، حيث ينقسم الكوكب إلى كتلتين متنافستين تقودهما واشنطن وبكين. والاحتمال الثاني هو عصر لا يقوم على كتلتين، بل على إمبراطوريات متعددة، حيث تستولي مجموعة من القوى المهيمنة على مناطق نفوذ إقليمية. أما الاحتمال الثالث فهو عالم "الاعتماد على الذات"، حيث يتحول السلوك الأمريكي إلى سلوك افتراسي، مما يدفع النظام إلى هاوية فوضوية.
تبدو اللحظة الحالية محفوفة بالمخاطر لأن كل سيناريو من هذه السيناريوهات مرجح، وكل منها يجد دعماً في السياسة الخارجية لقوة عظمى متصارعة مع نفسها. لا يزال الكثير مرهوناً بالظروف، والكثير يتوقف على القرارات الأمريكية والدورات الانتخابية القادمة. لكن استكشاف ما يكمن وراء هذه الفترة الانتقالية هو الخطوة الأولى للاستعداد لعالم سيكون— حتى في أفضل سيناريوهاته— أكثر انقساماً وشراسة مما تركناه وراءنا.
إرث تحت الحصار
العالم المعاصر هو صنيعة أمريكية؛ فبعد الحرب العالمية الثانية، أقامت الولايات المتحدة تحالفات تمتد عبر الكوكب حول حواف أوراسيا، وأنعشت الأمم المدمرة وأعادت بناء التجارة العالمية، ودافعت عن حرية الملاحة في الممرات المائية البعيدة وقدمت سلعاً عامة أخرى. كانت الولايات المتحدة، وليس الأمم المتحدة، هي أقرب شيء إلى حكومة عالمية. دعمت هذه السياسات نظاماً غربياً مزدهراً هزم الاتحاد السوفيتي ثم تحول إلى نظام ليبرالي متوسع بعد الحرب الباردة.
وككل الإنجازات البطولية، شاب هذا الإنجاز أساطير وتجاوزات ومبالغات. فأحياناً كانت واشنطن تضمن النظام الليبرالي بوسائل غير ليبرالية، مثل التدخلات العسكرية الوحشية والمؤامرات السرية. كما أن قصائد التضامن بين الحلفاء تغفل النزاعات الحادة، من أزمة السويس عام 1956 إلى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، والتي هزت العالم الديمقراطي. لقد انتهكت الولايات المتحدة قواعدها الخاصة أو غيرتها عندما أصبحت غير مريحة، كما حدث عندما تخلت عن نظام "بريتون وودز" للتمويل الدولي عام 1971. فلا يوجد نظام بدون نفاق وإكراه.
لكن في المجمل، استخدمت "السلام الأمريكي" (Pax Americana) قوة هائلة لدعم رؤية واسعة النطاق للمصلحة الذاتية، وهو شعور بأن هذا العملاق المعزول جغرافياً لا يمكنه الازدهار إلا بمساعدة الدول الأضعف لتكون مزدهرة وآمنة. أنتج هذا المزيج فوائد غيرت مجرى التاريخ. فبعد حربين عالميتين في جيل واحد، وفر النظام الذي بنته أمريكا عقوداً من السلام بين القوى العظمى، وأنتج الاقتصاد الذي تقوده الولايات المتحدة مستويات معيشية مرتفعة، وساعد النفوذ الأمريكي في جعل الديمقراطية هي السائدة وجعل "موت الدول" -أي المحو العنيف للبلدان المستقلة- أمراً صادماً ونادراً. كما استفادت واشنطن بشكل هائل، وليس فقط من العيش في حقبة سلمية وحيوية نسبياً، بل إن التحالفات وشبكات التعاون الأخرى ضاعفت قوتها التي لا تضاهى وعززت وصولها العالمي.
بيد أن لا شيء يدوم، والنظام الأمريكي وتحديداً النسخة الأكثر عولمة التي نشأت بعد الحرب الباردة، يقترب من نهايته. هذا النظام يتعرض للحصار من الخارج: فبكين وموسكو وشركاؤهما يرون فيه عائقاً أمام طموحاتهم وتهديداً لأنظمتهم الاستبدادية. إنهم يضربون توازن القوى والمعايير الجوهرية، مثل حرية البحار وحظر الغزو العنيف، عبر القارة الأوراسية. هذه الدول، وخاصة الصين، دمرت النظام أيضاً من الداخل: فقد استغلت بكين إدماجها في الاقتصاد العالمي لبناء الثقل التصنيعي والعسكري الذي تستخدمه الآن لتحدي الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، أصيبت واشنطن نفسها بالإرهاق، وربما بخيبة أمل قاتلة تجاه صنيعتها.
ينبع هذا التردد من مشاكل حقيقية: اختلالات مستمرة و"ركوب مجاني" في التحالفات الأمريكية، وعدم الاستقرار الاقتصادي والجسدي الذي صاحب العولمة، والارتدادات الناجمة عن الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط الكبير، والطرق التي ساعد بها النظام الليبرالي صعود الصين. يتجلى هذا الآن في إدارة تهدف، في حدها الأدنى، إلى إعادة التفاوض بقوة على شروط الانخراط الأمريكي، وغالباً ما تجادل بأن إحياء القوة الأمريكية يتطلب هدم النظام.
من هنا يأتي الشعور بعدم الاستقرار في لحظتنا الراهنة. تظل قوة واشنطن بلا منازع، ولا تزال الهياكل الرئيسية للنظام القائم، مثل التحالفات الأمريكية ومجموعة السبع، قائمة. لكن التوقعات لهذا النظام تبدو قاتمة، وربما تكون في مراحلها الأخيرة. فماذا سيحدث بمجرد اكتمال سكرات الموت؟
السيناريو الأول: عالم الكتلتين (حرب باردة جديدة)
خلال معظم العقد الماضي، بدا أن العالم الذي تقوده الولايات المتحدة سيعقبه "عالمان"— أي أن حلم النظام العالمي المتكامل سيفسح المجال لصراع بين كتل. في هذا السيناريو، ستضم الكتلة التي تقودها الصين الأنظمة الاستبدادية الأوراسية العدوانية، إلى جانب رفقاء درب متنوعين من كوبا إلى باكستان ومساحات واسعة من الجنوب العالمي. أما الكتلة التي تقودها الولايات المتحدة فستضم الحلفاء الديمقراطيين حول المحيط الأوراسي. وستصطف مجموعة من "الدول المتأرجحة" -من الهند إلى السعودية، ومن البرازيل إلى إندونيسيا- بشكل انتقائي مع هذه الكتل بينما تناور بانتهازية بينها. إن مستقبل السياسة الدولية سيعود بنا نحو ماضي الحرب الباردة.
لن يكون هذا تكراراً مثالياً؛ فالصين المرتبطة عالمياً لديها خيارات أفضل بكثير للجذب الاقتصادي والإكراه مما كان لدى الكرملين يوماً ما. لكن هذا السيناريو سيشهد تفتتاً تدريجياً للاقتصاد الدولي، مع تحول العقوبات وسلاسل التوريد إلى أسلحة. ولن يكون "فك الارتباط" مسألة "هل" سيحدث، بل "متى" وبشروط من. وكما في الحرب الباردة، فإن التنافس الثنائي سيحاصر كل منطقة، وستقع الأماكن الأكثر خطورة -أوكرانيا، تايوان، بحر الصين الجنوبي- على خط الانقسام الجيوسياسي.
وسواء أحببنا ذلك أم لا، فإن قوى هيكلية قوية تشجع هذا المستقبل. قد ترتفع التوترات بين الولايات المتحدة والصين أو تنخفض مع هذه القمة أو تلك الأزمة، وقد يشير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ بتبجيل وانبهار، لكن الصدام الأساسي يزداد حدة مع اصطدام سعي الصين للسيادة -في التقنيات الرئيسية والتجارة العالمية وغرب المحيط الهادئ- بالقوة والامتيازات الأمريكية. تميل صراعات القوى العظمى إلى استقطاب السياسة العالمية، ويصبح الاعتماد المتبادل مصدراً للضعف وسط النزاعات الشرسة.
في نواحٍ كثيرة، يتسارع الزخم نحو هذا المستقبل؛ فقد أدت الحرب الروسية في أوكرانيا إلى تعزيز التوافق الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري بين المستبدين في أوراسيا. يدرك "شي" وبوتين أنهما لا يمكنهما الانتصار إلا بالقتال ظهراً لظهر ضد المجتمع الديمقراطي. والسؤال الحقيقي هو ما إذا كان بإمكان واشنطن الاستمرار في حشد العالم الحر.
ويحسب لترامب أن إدارته تبني مجتمعاً ديمقراطياً متسلحاً من خلال المطالبة بزيادة الإنفاق العسكري لمقاومة التهديدات المتداخلة. كما أن الصفقات التجارية التي تجلب استثمارات الحلفاء إلى قاعدة الابتكار الأمريكية يمكن أن تحفز تجميع الموارد والإنتاج اللازمين لمضاهاة حجم الصين الاقتصادي. وتقدم شراكات المعادن الاستراتيجية مساراً، وإن كان طويلاً، للهروب من قبضة الصين الخانقة. والأهم من ذلك، أن ترامب قد وجه ضربات لـ "محور الاستبداد" من خلال سحق أعضائه الأضعف، إيران وفنزويلا، وربما تكون كوبا هي التالية. وإذا كان التاريخ مرشداً لنا، فإن سعيه لإعادة تأكيد الهيمنة في نصف الكرة الغربي -"مبدأ دونرو" (Donroe Doctrine) الخاص به- هو شرط مسبق لبسط النفوذ في العالم الأوسع.
إن "الملائكة الطيبين" في سياسة ترامب يمكن أن يهيئوا واشنطن وحلفاءها للنجاح في حرب باردة جديدة، أما "الشياطين" فتحكي قصة مختلفة.
فروح ترامب، التي تقضي بأن الدول الكبرى تملي القرارات والصغرى تتقبل مصيرها، تجعل منه شريكاً أكثر ملاءمة لـ "شي" وبوتين منه لمعظم حلفاء الولايات المتحدة. كما أن أسلوبه القائم على الصفقات القسرية وغير المتكافئة يعطي انطباعاً بأنه يهتم بانتزاع أقصى قدر من التنازلات من المجتمع الديمقراطي أكثر من اهتمامه بتقويته. ومطالبته بـ "جرينلاند" وكندا تهدد بمحاذاة واشنطن مع القوى "المراجعة" الجائعة للأراضي، وتمزيق القلب عبر الأطلسي للعالم الحر. يخشى الحلفاء الأوروبيون أكثر فأكثر من أن يجدوا أنفسهم محاصرين بين ثلاث قوى جشعة: الصين وروسيا والولايات المتحدة. وإذا كان الأمر كذلك، فلن تكون هناك حرب باردة جديدة، لأنه لن تكون هناك كتلة ديمقراطية لكبح الجماح الاستبدادي.
ومع ذلك، لا تستبعد سيناريو "العالمين". فحقبة ترامب ستترك وراءها بناءً بقدر ما تترك من دمار. ومع اشتداد التهديدات الاستبدادية، ستزداد الدوافع للتعاون حتى لو كان مصلحياً بين الديمقراطيات. وإذا استطاع خلفاء ترامب صياغة قصة حول هدف مشترك، بدلاً من مجرد الإثراء الذاتي البسيط، فقد يعيدون صياغة ميثاق العالم الحر، بمستويات جديدة من الجهد الجماعي ومناهج جديدة لتقاسم الأعباء. هذا المستقبل سيظل يحمل أزمات وصراعات، ولن يكون هناك نقص في المخاطر، لكنه يظل السيناريو الأفضل لجميع الديمقراطيات. فعالمين أفضل من نظام تديره الصين، أو نظام يتفتت أكثر من ذلك.
السيناريو الثاني: عصر الإمبراطوريات الجديد
السيناريو الثاني هو أن عالم ما بعد أمريكا لن يتحطم إلى كتلتين كبيرتين، بل إلى عدة مناطق نفوذ إقليمية أصغر. تسعى الولايات المتحدة للعزلة الاستراتيجية من خلال إعادة التركيز على "إمبراطورية نصف الكرة الأرضية" التي تمتد من هونولولو إلى نوك، ومن القطب الشمالي إلى الأرجنتين. وبينما تودع واشنطن الأعباء العابرة للمحيطات، تندفع الصين نحو السيادة على طول الهلال الشاسع من جنوب شرق إلى شمال شرق آسيا. وتوطد روسيا هيمنتها، وربما بشكل دموي، في الفضاء السوفيتي السابق وأجزاء من أوروبا الشرقية.
لكن تقسيم "مناطق النفوذ" هذا ليس مجرد لعبة قوى عظمى. ففي عالم يتفتت، ستسعى الهند للسيادة في جنوب آسيا والمحيط الهندي، وستحدد تركيا مجالاً "ما بعد عثماني" عند تقاطع أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. كما ستتزاحم إسرائيل والسعودية ومنافسون آخرون على الهيمنة في منطقة البحر الأحمر التي تربط الخليج العربي بالقرن الأفريقي. بعد "السلام الأمريكي"، يأتي عصر جديد من الإمبراطوريات.
لا يشترط أن تكون هذه الإمبراطوريات مغلقة تماماً أو محتلة عسكرياً، مثل أوروبا التي حكمها النازيون؛ فالهيمنة يمكن التعبير عنها بأشكال عديدة. ومع ذلك، في هذا المستقبل، يتحطم النظام العالمي على صخور سياسات القوة. ينهار القانون الدولي حيث تضع القوى الإقليمية معايير السلوك المقبول، وتضغط على العملاء غير المطيعين أو تطيح بهم. وسيعيد "أسياد المناطق" توجيه تدفقات التجارة والاستثمار والموارد، كما سيفرضون قيوداً صارمة على علاقات الجيران الأضعف بالقوى الأخرى. في عصر الإمبراطوريات الجديد، لن تكون هناك قواعد عسكرية أوروبية أو آسيوية في أمريكا اللاتينية، وستكون التحالفات الخارجية لواشنطن قد انتهت أو تمزقت. فكر في هذا الأمر كمجموعة من "مبادئ مونرو" لأجزاء مختلفة من العالم.
تاريخياً، نشأت بعض مناطق النفوذ عبر "اتفاقيات العصابات"، والحالة الكلاسيكية هي تقسيم أوروبا الشرقية بين أدولف هتلر وجوزيف ستالين. ويتصور بعض المحللين المعاصرين أن "شي" وترامب وبوتين قد يبرمون صفقة خاصة بهم لتقاسم العالم. لكن مناطق النفوذ يمكن أن تنشأ أيضاً بشكل غير رسمي أو تدريجي.
إذا قامت الولايات المتحدة بكسر حلف الناتو من خلال الاستيلاء على أراضٍ من أعضائه، فإن صعود منطقة نفوذ أمريكية في نصف الكرة الغربي قد يساعد في صعود منطقة نفوذ روسية في أوروبا الشرقية. وإذا جعل الحشد الصيني المستمر "سلسلة الجزر الأولى" -التي تمتد من اليابان إلى تايوان إلى الفلبين- غير قابلة للدفاع عنها، فسوف يقع غرب المحيط الهادئ تحت ظل بكين حتى لو لم يعترف البنتاغون صراحة بذلك. لذا، إذا راهنت واشنطن بكل ثقلها على هيمنة نصف الكرة الغربي مع تبني وجهة النظر -كما قال ترامب نفسه- بأن الأحداث التي تقع وراء المحيط هي مشكلة شخص آخر، فإن النتيجة قد تكون عالماً متعدد المناطق.
أحياناً يشعر المرء أن هذا هو اتجاه الرحلة؛ فروسيا والصين غارقتان منذ سنوات في السعي وراء السيادة الإقليمية. والآن، يفرض ترامب بقوة سلطة واشنطن في الأمريكتين -من خلال الإطاحة بالقادة المعادين، ووضع اليد على الموارد الحيوية، واستخدام القوة المميتة في أعالي البحار- بينما يدفع حلفاء الخطوط الأمامية في أوراسيا لتولي مسؤولية دفاعهم الخاص. إن استخفاف ترامب بالقانون الدولي هو صدى للقرن الحادي والعشرين لإعلان وزير الخارجية ريتشارد أولني في القرن التاسع عشر بأن واشنطن "ذات سيادة فعلية في هذه القارة". نحن نلمح احتمال أن تحل سيادة نصف الكرة الغربي يوماً ما محل الوجود العالمي بدلاً من تمكينه.
ومع ذلك، فإن ترامب ليس "إقليمياً" متصلباً؛ فهو يروج لـ "مبدأ دونرو" بينما يضغط من أجل صفقات سلام في قارات بعيدة ويشن حروباً طموحة للغاية في الشرق الأوسط. ربما يرجع ذلك إلى إدراكه بأن عالماً منقسماً بصرامة إلى مناطق نفوذ سيكون بمثابة تراجع قاصٍ لقوة عظمى.
فلن تكون هناك صفقات تجارية أحادية الجانب مع الحلفاء الأوراسيين اليائسين للحفاظ على الحماية الأمريكية، ولن يكون هناك سبب لليابان أو ألمانيا لدعم هيمنة الدولار. إذا تم طرد الولايات المتحدة من شرق آسيا، باقتصاداتها الديناميكية وطرق تجارتها الحيوية وسلاسل توريدها ذات القيمة العالية، فستكافح بالتأكيد للتنافس مع الصين؛ فمبادلة تايوان بهندوراس ليست صفقة جيدة. النفوذ العالمي يأتي من الانخراط العالمي.
وإذا أضعف نظام "المناطق" القوة الأمريكية، فقد يضعف أيضاً الاستقرار الذي يتوق إليه أنصاره. نظرياً، تشتري مناطق النفوذ السلام بين القوى العظمى من خلال تبعية القوى الصغرى: الدول القوية تقسم العالم وتبقي العناصر الجامحة تحت السيطرة. صحيح أنه لن يكون هناك صدام أمريكي صيني حول تايوان إذا انسحبت واشنطن من غرب المحيط الهادئ، ولكن لا تعول على سلام دائم.
الاعتماد المتبادل المعقد يجعل الانتقال إلى مناطق النفوذ أمراً مريراً: سيتطلب الأمر الكثير من الإكراه الأمريكي للتراجع عن التغلغل الرقمي الصيني ووجود البنية التحتية في أمريكا الجنوبية. وبالمقابل، فإن تحقيق السيادة في شرق آسيا قد يكون مجرد البداية، وليس النهاية، للطموحات الصينية: فبالنسبة للولايات المتحدة، كانت سيادة نصف الكرة الغربي نقطة انطلاق للتدخل العالمي.
والأهم من ذلك، أن مناطق النفوذ لا تُمنح ببساطة، فغالباً ما تُغمس أصولها بالدماء. والأنظمة الاستبدادية الطموحة لديها ميل للوحشية، وحتى الإبادة الجماعية، في المناطق التي تسيطر عليها. والدول الصغيرة والمتوسطة، التي تعرف ما قد ينتظرها، لديها خيارات أخرى غير قبول الهيمنة بسلبية. فقد قاتلت أوكرانيا بشراسة لتبقى بعيدة عن إمبراطورية روسيا، وقد تفعل اليابان الشيء نفسه -أو تبني أسلحة نووية ببساطة- لتجنب الخضوع لبكين. هذا الخطر يوجهنا إلى السيناريو الثالث الذي قد يأتي بعد نظامنا المتداعي: الفوضى القبيحة والعنيفة.
السيناريو الثالث: الهاوية الفوضوية
في المنتدى الاقتصادي العالمي لهذا العام، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن تمزق النظام القديم وفر فرصة "للقوى المتوسطة". وجادل بأنه من خلال العمل معاً وتعزيز قدراتها، يمكن لهذه الدول شق مسار بين الدول الكبرى والحفاظ على نظام مقبول لأنفسها.
إنه حلم قديم؛ فمنذ السبعينيات، كان العلماء والاستراتيجيون يأملون في أن يكون للعالم قواعد بدون حكام، وأن تتمكن الدول الصغيرة بطريقة ما من الحفاظ على أفضل أجزاء النظام الذي بنته أمريكا حتى بعد غياب القيادة الأمريكية. لكن هذا وهم؛ فلا يمكن استدامة النظام في غياب التزام، ناهيك عن موافقة أقوى الأطراف الفاعلة. لذا فإن البديل الأرجح لحرب باردة جديدة أو عصر إمبراطوريات جديد هو فوضى عارمة.
في هذا السيناريو، "تتمرد" الولايات المتحدة (Goes Rogue): فنوازع ترامب الأكثر سوداوية تنبئ بظهور قوة عظمى غاشمة ومنتهكة للمعايير. تنخرط واشنطن في توسع إقليمي عدواني، وتستولي بالقوة أو الإكراه على موارد حيوية من القوى الأضعف، وتطالب بمزيد من "الأتاوات" (tribute) من الدول التابعة، وتتدخل باستمرار، لصالح الشعبويين غير الليبراليين، في سياسة أوروبا ومناطق أخرى. الولايات المتحدة هنا تحول دورها العالمي إلى سلاح، بدلاً من التخلي عنه.
هذا السيناريو مروع للغاية لأن السلوك الأمريكي سيخلق عالماً تكون فيه القوى العظمى الثلاث جميعاً "مراجعة" وجشعة ومفترسة. القوى الأصغر، خاصة على طول خطوط الصدع في أوراسيا، ستكون في خطر التعرض للضغط من جوانب عدة. وسيكون "الاعتماد على الذات"، أي أن كل أمة تعمل لنفسها هو الرد المعقول الوحيد.
وسيصبح العدوان الإقليمي، وحتى اختفاء الدول، أمراً أكثر شيوعاً لعدم وجود قوة عظمى ملتزمة بالحفاظ على الوضع الراهن أو الدفاع عن سيادة الأمم الأضعف. وهكذا سيشهد عالم "الاعتماد على الذات" سحق بعض الدول الهشة أو إخضاعها أو تمزيقها. قد تكون الحرب في أوكرانيا بمثابة "عرض مسبق" للمستقبل، بدلاً من كونها تذكيراً قبيحاً بالماضي. وستقوم دول أخرى بتسليح نفسها بشكل محموم، وربما تسعى لامتلاك أسلحة نووية كأفضل ضمان للبقاء.
في غضون ذلك، قد تشتعل منافسات طالما كتمتها القوة الأمريكية: فإذا أعادت الدول الأوروبية تسليح نفسها بينما يتفتت الاتحاد الأوروبي -ربما تحت ضغط مشترك من الولايات المتحدة وروسيا- فتوقع عودة سباقات التسلح والمنافسات الأمنية التي كانت شائعة في تلك القارة. قل وداعاً لحرية الملاحة: فمع انهيار الاستقرار الدولي، ستتسابق الدول وحتى الجهات الفاعلة شبه الحكومية للسيطرة على نقاط الاختناق الحيوية، من قناة بنما وطريق بحر الشمال إلى باب المندب ومضيق هرمز. في عالم يسوده الانفلات، ستبرز السيطرة المادية على التجارة والموارد والأسواق بشكل أكبر، وهو ما سيعزز ببساطة الدوافع الأخرى للغزو.
كل هذا يبدو ككابوس، لكن من منظور التاريخ، لا يبدو مستبعداً تماماً. فنهاية الهيمنة البريطانية في أوائل القرن العشرين لم تؤدِ فوراً إلى عالم جديد، بل أطلقت العنان لعقود من الفوضى. ولقرون قبل صعود الهيمنة البريطانية، كانت أوروبا المتعددة الأقطاب، التي كانت آنذاك مركز النظام الدولي دفيئة للاستبداد والحرب.
إن اعتقادنا بأن الاستقرار النسبي هو القاعدة والوحشية المستشرية هي الاستثناء هو مجرد بقايا فكرية تركتها أجيال من الهيمنة الأمريكية الحميدة. إذا انتهت تلك الهيمنة أو تحولت إلى هيمنة افتراسية، فاستعد لانتكاسة بشعة.
في الواقع، لا يتم قمع الفوضى أبداً بالكامل كما نعتقد، وبوادر عالم "الاعتماد على الذات" موجودة بالفعل. فالمخاوف بشأن مدى موثوقية الولايات المتحدة تحفز الفضول النووي: ولنا أن نرى اهتمام كوريا الجنوبية واليابان بالحصول على غواصات تعمل بالطاقة النووية، أو نقاشات التسلح النووي التي تزداد حدة حتى في السويد وألمانيا. وتخطيط "السيناريو الأسوأ" يكتسب رواجاً؛ فمنذ أجيال، ورد أن كندا تستعد لأول مرة لحماية نفسها من غزو أمريكي.
كما تظهر شراكات دفاعية جديدة، تثير غالباً توترات جديدة. فاتفاق الدفاع بين باكستان والسعودية الموقع العام الماضي قد أجج بالفعل المخاوف الهندية، وقد يؤدي إلى تفاقم التنافس في الشرق الأوسط مع إسرائيل إذا انضمت تركيا. التنافس يغلي في مناطق حيوية؛ فالخليج العربي غارق بالطبع في الصراعات، لكن الوضع في ليبيا وعبر القرن الأفريقي، حيث تستعر الحروب بالوكالة مع مطاردة عدة قوى للموارد والعقارات الاستراتيجية، قد يكون نافذة على الاضطراب المتعدد الأقطاب القادم.
لن تدوم تلك الفوضى للأبد، ففي النهاية ستترسخ هيراركية (تراتبية) جديدة بقواعد جديدة. لكن الأمر استغرق كساداً اقتصادياً عالمياً وحربين عالميتين لردم الفجوة الانتقالية بين "السلام البريطاني" و"السلام الأمريكي". وحتى لو وجد العالم نموذجاً جديداً للاستقرار في نهاية المطاف، فقد يجد أيضاً أن الإنجازات الشاهقة لحقبة ما بعد 1945 قد ضاعت في خضم الفوضى التي تخللتها.
مفترق طرق
فكر في لحظتنا الحالية كمفترق طرق، نقطة يمكن للسياسة العالمية أن تسلك منها أحد عدة مسارات. والشك عميق لأن المسارات تؤدي إلى وجهات مختلفة تماماً. ما نعرفه بالفعل هو أن الحقبة القادمة ستكون أكثر انقساماً وخطورة من السابقة.
قبل عقد من الزمان، كانت حرب باردة أخرى تبدو وكأنها أسوأ نتيجة ممكنة، والآن، ربما تكون هي أفضل أمل لنا. فسيناريو "العالمين" سيشهد أزمات خطيرة ومزيداً من التفتت للاقتصاد العالمي. وسيتطلب التغلب على الصين الواثقة والمقاتلة موارد وحنكة هائلة من الكتلة الديمقراطية. لكن هذا السيناريو على الأقل يحافظ على "نصف عالم"، كما كتب وزير الخارجية الأمريكي الأسبق دين آتشيسون ذات مرة؛ فهو يستلزم تعاوناً ديمقراطياً كافياً للحفاظ على توازن قوى مقبول وكبح جماح طموحات بكين الأكثر جموحاً. أما السيناريوهات الأخرى -عصر إمبراطوريات جديد يثبت أنه أقل استقراراً وفائدة مما يروج له، أو الانزلاق مجدداً إلى الفوضى- فهي أقبح بكثير. قد تغري تلك المسارات قوة عظمى نسيت إلى حد كبير مدى سوء الفترة التي سبقت "السلام الأمريكي"، ولكن تأكدوا أنها تنتهي في الظلام.
والمفارقة هي أن الولايات المتحدة لا تزال تملك قولاً فصلاً فيما سيعقب النظام الذي خلقته، لأن خيارات الممثل الأقوى في العالم لا تزال -للأفضل أو للأسوأ- هي الأكثر أهمية. فإذا وجهت الدولة أفضل سياسات ترامب، فقد تقود مجتمعاً ديمقراطياً تم إصلاحه، وإن كان مشوشاً، نحو الجهد الجماعي المطلوب لمقاومة الضغط الاستبدادي. أما إذا انسحبت واشنطن من المسارح الخارجية، فسوف تفتح الباب لصراع على مناطق النفوذ. وإذا تمردت الولايات المتحدة، فستنضم إلى "المراجعين" الذين يهدمون النظام القديم وتدفع العالم إلى عصر جديد من "الاعتماد على الذات".
هناك بوادر لكل هذه التوجهات الثلاثة في سياسة ترامب الخارجية الانتقائية. وستحدد السنوات القادمة -والدورات الانتخابية الأمريكية- أي من هذه التوجهات ستترسخ في أنماط يصبح من الصعب عكسها تدريجياً.
ربما يظهر نقص الدعم المحلي الأمريكي للاستيلاء على جرينلاند أن تجاوزات ترامب ستؤدي في النهاية إلى فقدان المصداقية لغرائزه الأكثر جموحاً. وقد يجد خلفه، سواء كان ديمقراطياً أو جمهورياً، طريقة لدمج الأفكار التقليدية للسياسة الخارجية مع الحقائق السياسية المحلية لعصر "أمريكا أولاً". ويمكن لذلك الرئيس أن يخفف من اضطراب ترامب بينما يستغل إرثه الأكثر نفعاً لإعادة بناء العالم الحر لحرب باردة جديدة.
بدلاً من ذلك، ربما تفشل إحدى مغامرات ترامب العسكرية. وفي أعقاب ذلك، ينتصر جناح "الانعزالية الجديدة" في حركة (MAGA) -ذلك الجزء الذي يستمد أفكاره من نقاد مثل تاكر كارلسون- وتتقوقع القوة العظمى في نصف كرتها الأرضي. أو ربما يكون خليفة ترامب الحقيقي، في الحزب الجمهوري والرئاسة، شخصاً يجادل بأنه لم يذهب بعيداً بما يكفي في استخدام القوة الأمريكية لتحطيم النظام القائم. ولن تكون هذه هي المرة الأولى التي تختطف فيها العناصر الأكثر راديكالية ثورة ما في نهاية المطاف.
النظام القديم يحتضر؛ ورثاء نظام دولي ليبرالي ذي توجه عالمي لن يعيده. والسؤال الحاسم، الذي سيُجاب عليه في العقد القادم، هو ما إذا كانت واشنطن ستحاول استبدال ذلك العالم بشيء محفوف بالمخاطر ولكنه مقبول، أم ستدفع حالة عدم اليقين الحالية نحو شيء أسوأ بكثير.



اضف تعليق