الحرب على إيران: فجوة عميقة بين الخبراء وصنّاع القرار

قلة من علماء الشرق الأوسط رأوا في "تغيير النظام" أو "الديمقراطية" نتائج محتملة

اعتقد حوالي 94% من الخبراء أن نهج إدارة ترامب تجاه إيران كان يجعل وقوع مثل هذه الحرب أمرًا مرجحًا. وغالبًا ما يتم تهميش المعرفة التخصصية من قبل هذه الإدارة، ولكن بالنظر إلى الوراء، يبدو أن الأكاديميين كانوا أكثر فهمًا من صنّاع القرار لمدى تماسك النظام الإيراني وقدرته ورغبته...

يقدم هذا المقال المنشور في مجلة فورين بوليسي، بقلم الأكاديميَّين البارزين مارك لينش و شبلي تلحمي، تحليلاً نقدياً للفجوة العميقة بين الرؤية الأكاديمية والتوجهات السياسية لإدارة ترامب تجاه الحرب على إيران. يستند الكاتبان إلى استطلاع شمل 641 خبيراً ليبيّنا كيف توقع المتخصصون بدقة فشل أهداف تغيير النظام وصموده أمام الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية، محذرين في الوقت ذاته من تزايد ظاهرة الرقابة الذاتية داخل الأوساط الأكاديمية الأمريكية نتيجة الضغوط السياسية المرافقة لتصاعد النزاع في المنطقة.

وفيما يلي ترجمة المقال:

عارض العديد من الأمريكيين خوض حرب ضد إيران، بمن في ذلك بعض الناخبين الجمهوريين، ولكن بين الأكاديميين المتخصصين في دراسات الشرق الأوسط، كانت المعارضة كاسحة. فوفقًا لاستطلاع آراء الخبراء الأكاديميين في الأيام التي سبقت الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية في 28 فبراير، أيد 5% فقط منهم شن الحرب، بينما اعتقد 1% فقط أن هجومًا واسع النطاق قد يتمخض عن نظام ديمقراطي موالٍ لأمريكا في إيران. كما اعتقد حوالي 94% من هؤلاء الخبراء أن نهج إدارة ترامب تجاه إيران كان يجعل وقوع مثل هذه الحرب أمرًا مرجحًا، وهو إجماع ساحق. وغالبًا ما يتم تهميش المعرفة التخصصية من قبل هذه الإدارة، ولكن بالنظر إلى الوراء، يبدو أن الأكاديميين كانوا أكثر فهمًا من صنّاع القرار لمدى تماسك النظام الإيراني وقدرته ورغبته في الرد والمواجهة.

لقد دأبنا على استطلاع آراء علماء الشرق الأوسط مرة أو مرتين سنويًا منذ عام 2021، بمن في ذلك أعضاء الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية، والجمعية التاريخية الأمريكية، وجمعية دراسات الشرق الأوسط، والمنتسبين إلى مشروع العلوم السياسية للشرق الأوسط. وننشر هذه النتائج ضمن "مؤشر علماء الشرق الأوسط" (Middle East Scholar Barometer). 

هذا العام، شارك 641 مستجيبًا، يقيم نحو ثلاثة أرباعهم في الولايات المتحدة. وقد غطت فترة الاستطلاع (من 19 فبراير إلى 11 مارس) اندلاع الحرب، حيث جاء ثلث الردود تقريبًا بعد بدء القتال، مما أتاح فرصة نادرة لتقييم التغيرات في وجهات النظر بعد انطلاق العمليات العسكرية.

لقد أصاب العلماء في الكثير من التوقعات التي أخطأت فيها الإدارة وجزء كبير من وسائل الإعلام. فقد كانوا على درجة من الفطنة الجماعية مكنتهم من إدراك أن المفاوضات الجارية في عُمان لم تكن لتسفر عن اتفاق نووي جديد؛ إذ رأى 1% فقط من المستجيبين أن مثل هذه النتيجة مرجحة جدًا في ظل إدارة ترامب، بينما اعتبرها 21% مرجحة إلى حد ما. ولم تزد الحرب من تفاؤلهم بشأن التوصل إلى اتفاق؛ فبعد بدء القتال، قفزت نسبة الذين يرون أن الاتفاق "غير مرجح تمامًا" من 26% إلى 62%.

ولم يُظهر الخبراء أي قناعة بالتوقعات التي انتشرت على نطاق واسع في وسائل الإعلام حول السقوط الوشيك للنظام الإيراني. فلم يتوقع أي من المستجيبين تقريبًا أن تؤدي الحرب إلى قيام نظام موالٍ لأمريكا من أي نوع، وتوقع 9% فقط ظهور نظام استبدادي موالٍ لأمريكا، عبر استبدال القائد الإيراني آية الله علي خامنئي بديكتاتور أكثر مرونة وطواعية (على غرار محاولات التغيير في فنزويلا). ويعكس ذلك الحكمة التي اكتسبها العلماء بشق الأنفس بعد رصدهم لفشل الفواجع الإنسانية الناتجة عن العديد من الجهود الأمريكية لفرض "تغيير الأنظمة" من الخارج.

بدلاً من ذلك، توقعت أغلبية صلبة بلغت 51% بقاء النظام الإيراني على شكل قريب لما كان عليه قبل الحرب، وهي نتيجة تبدو مرجحة بشكل متزايد، وتوقعها العلماء بشكل أفضل بكثير من المحللين أو المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين الذين يقدمون الإيجازات الصحفية. وبطبيعة الحال، رأى العديد من العلماء أن الأمور قد تزداد سوءًا: حيث توقع 18% ظهور استبداد جديد معادٍ لأمريكا (مثل نظام عسكري بقيادة الحرس الثوري)، وتوقع 21% انهيار الدولة ونشوب حرب أهلية. ومن المثير للدهشة أن هذه النسب لم تتغير كثيرًا بين الذين أجابوا قبل الحرب والذين أجابوا بعدها، رغم كثافة الدمار الذي ألحقته الولايات المتحدة وإسرائيل، واغتيال العديد من مسؤولي النظام.

لكن هذا لا يعني أن الأكاديميين رأوا مسارًا سلسًا للنظام في حال نجاته. فبعيدًا عن الأسئلة المتعلقة بالحرب، سألنا عما إذا كانت سبع دول في الشرق الأوسط (مصر، الأردن، السعودية، تركيا، إيران، سوريا، والعراق) ستواجه اضطرابات تهدد النظام خلال السنوات الخمس المقبلة. قلة فقط توقعوا مثل هذه الاضطرابات في الدول الأخرى، مما يشير إلى أن الأكاديميين يشعرون في هذه المرحلة أن الانتفاضات العربية وتحديها للأنظمة الاستبدادية قد انتهت. لكن 84% اعتبروا أن مثل هذه الاضطرابات مرجحة في إيران. وارتفعت نسبة الذين رأوا أن هذه الاضطرابات "مرجحة جدًا" من 44% قبل 28 فبراير إلى 58% بعد بدء الحرب.

وإذا كان ثمة أخبار جيدة لإدارة ترامب في هذه النتائج، فهي تتعلق بالملف النووي. فقد أعرب قرابة نصف المستجيبين (45%) عن ثقتهم في أن الحرب ستؤدي -على الأقل مؤقتًا- إلى تراجع البرنامج النووي الإيراني، لكن أقلية صغيرة فقط (6%) توقعت حدوث تراجع طويل الأمد نتيجة الحرب. وتوقعت نسبة أعلى قليلاً ولكنها لا تزال صغيرة (9%) تراجعًا طويل الأمد بعد مراقبة الأيام الأولى للحرب. ومع ذلك، ظل معظمهم متشائمين للغاية بشأن قدرة الحرب على إنتاج اتفاق تفاوضي أو تراجع دائم للبرنامج النووي؛ إذ توقعت نسبة تفوق ذلك بثلاثة أضعاف (21%) أن تؤدي الحرب إلى "تسريع" إيران لبرنامجها النووي بدلاً من تعطيله على المدى الطويل.

كما سألنا العلماء عما إذا كانت التحركات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة ستجعل الدول العربية أكثر أو أقل عرضة للتحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن المدهش أن نسبة الذين قالوا إنهم أكثر عرضة للقيام بذلك تضاعفت بعد بدء الحرب، من 15% إلى قرابة 30%. وهذا يتناقض مع التقارير الواسعة عن الغضب الخليجي جراء التعرض للانتقام الإيراني في حرب لم يختاروها ولم يُستشاروا بشأنها. ولعل التفسير يكمن في أن الخوف من الانتقام الإيراني، في حال نجاة النظام، سيدفعهم للاحتماء تحت مظلة الأمن الأمريكية كما فعلوا طويلاً. ومع التقارير التي تفيد بأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يدرس دخول السعودية في الحرب، فقد يثبت صدق توقعات هؤلاء العلماء قريبًا.

إن خبراء الشرق الأوسط الأكاديميين اعتادوا تمامًا على تجاهل الحكومة لهم ومواجهة الضغوط بسبب التعبير عن آرائهم في بعض القضايا. فعلى سبيل المثال، اعترضت غالبيات كبيرة من العلماء على سياسات إدارة بايدن تجاه غزة؛ ففي العام الماضي، وصف 46% من العلماء الأفعال الإسرائيلية في غزة بأنها "إبادة جماعية"، ووصفها 36% آخرون بأنها "جرائم حرب كبرى ترقى إلى الإبادة الجماعية" (هذا العام، قال 54% إنها "إبادة جماعية"، مع 32% قالوا إنها "جرائم حرب كبرى").

لسنوات، كنا نسأل العلماء عما إذا كانوا يشعرون بالحاجة إلى "الرقابة الذاتية" عند مناقشة القضايا المتعلقة بإسرائيل وفلسطين. قبل 7 أكتوبر 2023، وجدنا أن نحو ثلثي العلماء كانوا يتحفظون على بعض آرائهم عند الحديث عن القضية الإسرائيلية-الفلسطينية مهنيًا. وفي كل استطلاع أجريناه منذ بدء الحرب في غزة، قال أكثر من ثلاثة أرباع العلماء المقيمين في الولايات المتحدة إنهم يمارسون الرقابة الذاتية. ولم تكن هذه الجولة استثناءً، حيث قال 77% من العلماء إنهم يمارسون الرقابة الذاتية في تلك القضايا، وكان 81% منهم يخشون أكثر من غيره انتقاد إسرائيل، مقارنة بـ 11% يخشون انتقاد الفلسطينيين و6% يخشون انتقاد السياسة الأمريكية.

هذا العام، وقبل أن تهاجم الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، أضفنا سؤالاً حول الرقابة الذاتية في القضايا المتعلقة بإيران، وذلك أساسًا لوضع "خط أساس" يوضح مدى استثنائية إسكات الأصوات في القضايا المتعلقة بإسرائيل. وكما توقعنا، قبل الحرب، قال 17% فقط من المستجيبين (بما في ذلك 20% في الولايات المتحدة) إنهم شعروا بالحاجة إلى الرقابة الذاتية بشأن إيران، وهو رقم أكبر مما هو صحي في أي بيئة أكاديمية تعمل بشكل طبيعي، ولكنه لا يقترب من المناخ السام المحيط بمناقشة إسرائيل. وبعد اندلاع الحرب، تضاعفت تلك الأرقام لتصل إلى 33% إجمالاً، ووصلت إلى نسبة مذهلة بلغت 40% في الولايات المتحدة.

ليس من الواضح تمامًا سبب ذلك، ولكن يمكننا طرح بعض الاحتمالات. فبما أن هذه الحرب لا تشمل الولايات المتحدة وإيران فحسب بل إسرائيل أيضًا، فقد يكون العديد ممن يخشون انتقاد إسرائيل في سياساتها تجاه الفلسطينيين (وهم أغلبية العلماء المستطلعة آراؤهم) مضطرين الآن أيضًا إلى وضع انتقاد إسرائيل في حرب إيران في الحسبان. كما أن المخاوف من أن تحميل إسرائيل مسؤولية دفع ترامب إلى حرب كارثية قد يسرع من وتيرة "معاداة السامية" ربما تمنع بعض الناس من الحديث. وقد تكون هناك أيضًا مخاوف من انتقاد الحكومة الأمريكية في وقت الحرب، وفي بعض السياقات، قد تكون القوانين الجديدة المفروضة في عدة ولايات والتي تحظر المناقشة الصفية لـ "المواضيع المثيرة للانقسام" هي السبب.

لكن التفسير الأكثر ترجيحًا في نظرنا هو الدرجة الملحوظة من الهجمات الشرسة والحادة التي يشنها شتات إيراني مؤيد للشاه ومعارض للنظام ضد أي شخص يعتبرونه غير منتقد للنظام الإسلامي بما يكفي. فمنذ سنوات، واجه الصحفيون والأكاديميون الإيرانيون إساءات عبر الإنترنت وضغوطًا مهنية تضاهي تجربة أولئك الذين يتحدثون علنًا عن القضايا الإسرائيلية-الفلسطينية. وقد تصاعدت هذه الهجمات خلال الأشهر القليلة الماضية، مع حالات واسعة النطاق من تعطيل الندوات من قبل المتظاهرين. وأفاد العديد من الأكاديميين الإيرانيين بتعرضهم للاستهداف على وسائل التواصل الاجتماعي وإبلاغ عمداء كلياتهم ومجالس أمنائهم عنهم، مع ممارسة ضغوط في كثير من الأحيان لفصلهم أو إزاحتهم من مناصبهم القيادية. إن التحول نحو الرقابة الذاتية مع تكشف فصول الحرب قد يكون بمثابة "طائر الكناري في منجم الفحم" (نذير خطر) لقدرة العلماء على مشاركة خبراتهم بحرية في قضية أخرى حرجة من قضايا السياسة الخارجية.

* مارك لينش: أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، ومدير مشروع العلوم السياسية للشرق الأوسط.

* شبلي تلحمي: أستاذ الاستراتيجية والسياسة ومدير استطلاع القضايا الحرجة بجامعة ميريلاند، وزميل أقدم غير مقيم في معهد بروكينغز.

اضف تعليق