زمن القطب الواحد انتهى فعلياً، ولا بد من تفاهم استراتيجي تعترف فيه أميركا بنفوذ عالمي للصين وبحقها في تأمين الطاقة. وجاءت قمة بكين لتؤيد بداية تحول جيوسياسي كبير يؤسس لواقع دولي سترسمه مصالح الكبار، وعلى الدول الأخرى التعاطي مع هذا الواقع المفروض بواقعية وتحديد وجهتها وفقاً لمصالحها...
القمة (الأميركية الصينية) التي شهدتها العاصمة بكين قبل أيام، أعادت إلى الأذهان (قمة القرم) في الاتحاد السوفييتي السابق، العام 1945 التي جمعت الزعماء الكبار الثلاثة، روزفلت وستالين وتشرشل، والتي رسمت ملامح عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
كان الهدف الرئيس من تلك القمة هو التنسيق الشامل بين (الحلفاء) لدحر دول (المحور) ألمانيا النازية واليابان، لكنها أسفرت عن لجان مشتركة من تلك الدول لتشكيل (هيأة الأمم المتحدة)، التي شهد وقائع كتابة ميثاقها في العام نفسه فندق (دمبارتون واكس) في العاصمة واشنطن، وقبل بدء الهجوم العسكري على المانيا واليابان.
قمة بكين التي جمعت الرئيس (دونالد ترامب) بالرئيس الصيني (شي جين بينغ)، تمثل بداية لتحول حقيقي في العلاقات الدولية وتؤكد ظهور الصين بوصفها القطب الجديد، الذي بات يسهم وبشكل فاعل في رسم مستقبل العالم، لكن برؤية ليست عسكرية أو على خلفية حرب كبرى يخوضها بلد المليار ونصف المليار انسان، وإنما من خلال القوة الناعمة التي جعلت من هذا البلد الذي كان لأقل من قرن مضى من بين بلدان العالم الأكثر تشرذما وتخلفا وأيضا الأقل تأثيرا على الساحة الدولية.
لا شك أن زمن القطب الواحد أو الأوحد الذي عاشت تحت سكرته اميركا طيلة العقود الأربعة الماضية، انتهى فعليا، وان زمنا جديدا بدأ بالفعل لم تكن فيه اميركا دولة ثانوية وانما ليست الوحيدة على الساحة، وأنها بالتأكيد ستبقى في المقدمة بسبب تكامل أسباب تفوقها، عسكريا واقتصاديا وعلميا، وهو ما تدركه جيدا الصين، وتدرك أيضا أن حاجة اميركا لها أو انتقال الصراع الصامت بينهما طيلة العقود القريبة الماضية، إلى تفاهم استراتيجي سيعزز مكانة الصين مثلما يخدم استراتيجية اميركا، ولكن باستحقاقات يجب ان تندفع فواتيرها من ميادين الصراع بينهما، وهنا يجب ان يكون التنسيق بين الطرفين عاليا ودقيقا لكي لا يتحول إلى تصادم يدرك الطرفان أنه لن يخدم أي منهما ولا يخدم العالم.
معروف أن الصين ترتبط بعلاقات اقتصادية مهمة بإيران، والأخيرة تعد احد الممولين الرئيسين لها في مجال الطاقة، وأن أهمية إيران الدولة بالنسبة لها تتجاوز شكل أي نظام فيها، وهنا تكمن العقدة التي على كل من اميركا والصين حلّها أو تتفاهمان بشأنها في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ إيران والمنطقة والعالم، لأن ملامح واقع جديد اخذت تتضح على خلفية حرب غزة ومن ثم ما حصل في لبنان وسوريا وصولا إلى ما يجري في إيران، والذي تراه الصين انه الحلقة الأخيرة والأكثر خطورة في مشروع أميركي كبير، بدأته بالتعاون مع إسرائيل ويجب عليها ان لا تخرج منه خاسرة، وفي الوقت نفسه عليها، اميركا، ان تدرك وهي تدرك جيدا ان الطريق إلى نصر استراتيجي ونهائي لن يكون سالكا مع وجود تحفظات معينة للأطراف الفاعلة دوليا، الصينية والروسية وأيضا الاوروبية، ولعل المتابعين لسير الأحداث أدركوا أن هذه الأطراف تخشى أن تجد نفسها في شبكة الصيد الأميركية بعد أن يصبح (الشرق الأوسط) بأهم دوله النفطية بيدها، بعد انهيار النظام في إيران، حيث اعتقد كثيرون أن ذلك قد يحصل تحت وقع الحرب والحصار الخانق لتضاف إلى دول النفط العربية الأخرى في الخليج.
الصين تعرف أن خروج أميركا مهزومة في صراعها مع إيران أمر يصعب تقبّله اميركيا، سواء كان الرئيس جمهوريا أو ديمقراطيا، حتى اذا استلزم الأمر استخدام سلاح استراتيجي، أي انها لن تسلّم أهم ركيزة لاقتصادها بيد أي قوة سواء عالمية أو إقليمية مثل إيران، وأميركا تدرك أيضا ان الصين، القوة العالمية الصاعدة لن تقبل بان تصبح رهينة بيد الأميركان وتخرج خالية الوفاض من المنطقة ومن إيران تحديدا اذا ما انهار النظام فيها، ولعل ما حصل خلال المرحلة الدراماتيكية، التي عاشها العالم في اعقاب صعود الحركة الوطنية بقيادة مصدق في إيران العام 1950 وما جرى بعدها من تأميم للنفط ومن ثم انقلاب الجنرال زاهدي، الذي أعاد الشاه للحكم في العام 1953 تعكس جدية أميركا في تعاملها مع الملف الإيراني واهميته لها.
اذن لا بد من تفاهم استراتيجي، تعترف فيه أميركا بنفوذ عالمي للصين، وبحقها في تأمين مصادر الطاقة، ومن هنا جاءت (قمة بكين)، التي ستدخل التاريخ بوصفها بداية لتحول جيوسياسي كبير في العالم، ربما يشمل لاحقا روسيا ويؤسس لواقع دولي سترسمه مصالح الكبار، وعلى الدول الأخرى أن تدرك ذلك وهي مدركة، وأن تحدد وجهتها القادمة وفقا لمصالح كل دولة، ليس من باب تعدد الخيارات بل من باب أنها باتت مفروضة عليها ويجب التعاطي معها بواقعية.
إيران التي هي محور الصراع الآن، تعرف أن الكثير من أوراقها باتت محكومة بهذه المعادلة الجديدة، وأن غياب الواقعية في التعاطي مع ملفها النووي وطبيعة علاقاتها بدول المنطقة، قد يجعلها تدفع المزيد من الخسائر ويضعها امام احتمالات عديدة مفتوحة، فالصينيون غير معنيين بمشروع إيران (العقائدي) في المنطقة بقدر عنايتهم بعلاقتهم الاقتصادية معها، وإن أية ترتيبات مع الأميركان تتجاوز شكل النظام ومشروعه وتضمن في الوقت نفسه مصالحهم في إيران يعد خيارا مقبولا، ما سيجعل النظام في إيران بموقف صعب، سياسيا واقتصاديا وعسكريا. قول الرئيس ترامب أن الرئيس الصيني أكد له عدم تدخل الصين في الحرب لصالح إيران، يفصح عن قلق الأميركان من هذه الناحية، لإدراكهم أن الصين وإن لم تكن متدخلة بشكل مباشر في الحرب الأخيرة، إلّا إن حضور جهدها العلمي المتراكم في إيران، عبر العقود الماضية أثّر في طبيعة المواجهة العسكرية معها، ما تسبب للاميركان بمشاكل وارباكات، وانهم يعملون على تجاوزها، ما يعني أن إيران قد تجد نفسها مستقبلا معزولة اكثر ان لم تكيف موقفها مع هذه المعطيات، وبخلاف ذلك ستكون هناك تداعيات خطيرة على مستقبل الدولة والنظام معا.



اضف تعليق