إن السياسة لا ذاكرة لها وهي صديقة الذين ينظرون إلى الأمام دائماً، لذا بات على صانع القرار العراقي إدراك التوازنات الدولية الجديدة وتجنب المواجهات غير المتكافئة التي تضع البلاد وثرواتها رهينة لرؤى تعطل التنمية، فالبشرية أوسع من أي فكرة محلية، والنجاح يكمن في التعايش مع الواقع العالمي المتحرك لتحقيق الاستقرار والازدهار...
من بين الأخطاء الكبيرة التي وقع بها أغلب الساسة العراقيين ومنذ عقود طويلة، أنهم لم يقرأوا جيداً خارطة توازنات القوى الدولية والخطوط الحمر التي رسمها الكبار في العالم، ليتجنبوا الكثير من المشاكل التي وجدت البلاد نفسها تخوض فيها، والمقصود بالخطوط الحمر هي المصالح العليا للكبار التي تجعلهم يسحقون أي دولة أو شعب من أجلها، أو إذا ما وجدوا في توجهات حكومته ما يهدد تلك المصالح.
نعم، لقد وقع أغلب الساسة في العراق منذ العهد الملكي إلى اليوم بأخطاء دفع ثمنها الشعب، لكن وللإنصاف فإن هذه التي تسمى بالأخطاء قد يكون بعضها قرارات أراد منها هؤلاء الساسة خدمة شعبهم، لكنهم لم يكونوا حذرين أو سلكوا الطريق (الخطأ) لتحقيقها.
لقد أخطأ الساسة المتنفذون خلال الحقبة الملكية عندما تجاهلوا حقيقة التحولات الكبيرة في العالم ووعي المجتمع العراقي أو نخبه المؤثرة، وظلوا يتعاملون مع الشعب بعد الحرب العالمية الثانية بعقلية العشرينات، إذ ظلت القوانين التي تؤثر في حياة أكثر من ثمانين بالمائة من سكان العراق جائرة حقاً، لا سيما بالنسبة للفلاحين منهم والعمال الذين كانوا أشبه بالعبيد أو عمال سخرة في ممالك الإقطاع والبرجوازية التي نمت وكبرت على أكتافهم، الأمر الذي دفع ببعض النخب للبحث عن بديل شامل للنظام القائم بعد أن يئسوا من إصلاحه، وقد اعتقد هؤلاء أن الواقع الدولي بات مهيئاً لتقبل التغيير إن حصل، وهذه أيضاً قراءة منقوصة؛ لأن توزيع مناطق النفوذ والمصالح بين الكبار يجب أن يُقرأ بدقة ويتم التعامل معه بحذر وهو ما لم يحصل، فوقع أغلب ساسة العهد الجمهوري بأخطاء كارثية أيضاً، حين وضعوا البلاد في مواجهة مفتوحة مع قوى دولية تمتلك القدرة على إرباك الوضع في العراق واللعب على أوراق داخلية فيه صنعوها هم بشكل أو بآخر، والتفصيل في هذا الأمر يحتاج لمساحة أوسع من هذه وقد تحدثنا عنه سابقاً في أكثر من وقفة.
المنطقة اليوم تمر بتحول كبير على مختلف المستويات، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وإن قراءة هذه التحولات وملاحقتها تحتاج إلى مراكز متخصصة للبحوث الاستراتيجية تستحدثها الدولة لكي تضيء للسياسي طريقه باتجاه القرارات الصحيحة، ولكي لا نجد أنفسنا وسط أزمات متوالدة بفعل تداعياتها التي يعرف الكبار كيف يلعبون عليها ويستثمرون فيها، فلا ضرورة اليوم لمواجهة غير متكافئة تفرضها رؤية عقائدية أو سياسية تضع البلاد وثرواتها رهينة، وتوقف عملية البناء والتنمية المتوقفة أصلاً منذ أربعة عقود وأكثر، يضاف إليها الخراب الذي حصل بفعل الحروب والحصار وأزمات العقدين الأخيرين.
لقد بات على صانع القرار السياسي العراقي أن يعرف طبيعة التوازنات الدولية والإقليمية الجديدة وأن يضع الماضي خلفه؛ لأن السياسة لا ذاكرة لها وهي صديقة الذين ينظرون إلى الأمام دائماً، فالبشرية عبارة عن مرجل دائم من الأفكار والعقائد المتعددة والمختلفة، وهي بالمعطى النهائي أوسع وأكبر من أي فكرة محلية مهما كانت مثالية، وهذه ليست دعوة لتخلي أي إنسان عن قناعاته وإنما يجب أن يجعلها متعايشة مع المحيط الذي حوله ومؤثرة فيه بالتفاعل معه وليس بجعلها حاجزاً بين حاملها ومحيطه، محلياً أو خارجياً.
لقد نجحت الصين الحديثة بعد أن تخلت عن مبدأ (الكفاح المسلح) الذي طرحه ماو تسي تونغ نهاية أربعينات القرن الماضي، كي تسود الشيوعية العالم! ولكنها برؤيتها الجديدة لم تتخلَّ عن الشيوعية كفكرة وإنما تعايشت مع واقع عالمي متحرك فوصلت العالم كله بالكفاح المدني والعلمي وليس المسلح.
اليوم وقد أثبتت جميع التجارب العالمية أن فرض أي شيء بالإكراه حتى إذا كان جيداً، يعني أنك وضعت حاجزاً بينه وبين من يرغب به، والصحيح هو أن تترك الناس تمارس خياراتها لتكون الدولة الفاعلة والمتفاعلة خيار الجميع، وعندها يصبح المشهد السياسي والاجتماعي حيوياً ومنتجاً وتزدهر البلاد وتفتح أكثر من باب للتنمية والاستقرار، وهذا ما علينا أن نعمل عليه بعد التجارب المريرة التي مررنا بها ويجب أن نجعل منها دروساً بدلاً من أن نتذكرها لجلد الذات.



اضف تعليق