خسر العراق من عمره العزيز ثلاثة وعشرين سنة يدور في دوامة السياسة المُفرغة دون أن يُحسن فيها شيئاً، في وقت كان بحاجة الى برامج تنموية وأفكار اقتصادية تزيح عن وجهه آثار الحروب التي دمرت مصانعه ومشاريعه الانتاجية الزراعية...

ربما تكون مفاجئة لشريحة واسعة من الشعب العراقي أن يجدوا أمامهم رئيساً للحكومة قادماً من عالم المال والأعمال، وليس من عالم السياسة والاحزاب والافكار كما شهدوا التجارب الماضية مع وجوه سياسية متعاقبة منذ تشكّل النظام الديمقراطي عام 2003.

ليس في هذه الفترة فقط، إنما التجربة تعود الى أول تشكّل للدولة العراقية بالاساس عام 1920، سواءً في ظل الانتداب البريطاني، او في مرحلة الاستقلال بعد عام 1932، ما برح العراقيون يتابعون من خلال الصحف والاذاعة، ثم التلفزيون، ثم الاعلام الحزبي والحكومي؛ التصريحات والشعارات ذات الصبغة السياسية، بين من تعد بالاخلاص للشعب، ومن الشعارات التي تعد أنها تحقق أحلام "الأمة العربية". 

ولا علينا بما تجرّع الشعب العراقي من أولئك الساسة، فالقارئ الكريم غنيٌ بما لديه من جراح الماضي، إنما السؤال عن سبب عدم ظهور شخصية غير سياسية لقيادة البلد، كأن يكون شخصية اقتصادية او تجارية كما حصل مع اختيار السيد علي الزيدي اليوم، وهو رجل المال والأعمال الشاب –تقريباً- والذي أخذ عليه البعض افتقاره للتجربة السياسية، او عدم ممارسته مهام ادارية وحكومية على الأقل، سوى تجربته في إدارة مصرف أهلي. 

تاريخ طويل في دوامة السياسة 

منذ تأسيس دولة مستقلة لنا في العراق، والتغذية الثقافية مقتصرة على مكوّن واحد وهو السياسة والحكم، وكان لظهور الاحزاب السياسية في بداية القرن دور أساس في تشكيل الثقافة السياسية، فالناس كانت تتابع صعود هذا الحزب، وأفول ذاك، وصعود هذا السياسي، وتدحرج ذاك، وكانت التجربة الديمقراطية آنذاك مستوردة حديثاً من بريطانيا، جعلت العراق مسرحاً لمشاهد متنوعة من حكومات متعاقبة يتناوب عليها شخصيات عديدة، حتى بلغ عمر بعضها أشهر معدودة قبل ان تنهار بسبب السياسة نفسها، بوجود برلمان شكلي أقرب الى خشبة مسرح منه الى مؤسسة يفترض أنها تمثل مصلحة الشعب، فيما كانت المقاهي تمثل "برلمان الشارع"، إذ يتبارى فيها العراقيون التحليلات السياسية والتوقعات بين مناصرٍ لهذا، ومعادٍ لذاك. 

ولم يشهد العراقيون ظهور شخصيات اقتصادية محورية في ذلك العهد، رغم أن الفرص كانت متاحة لابناء الطبقة الارستقراطية للتعليم في اوربا في هذا المجال، كما برعوا في مجالات القانون، والسياسة، والاجتماع، وايضاً؛ العلوم العسكرية، وكان العراق حينها بأمسّ الحاجة الى المشاريع التنموية، وإن كانت ثمة مشاريع من هذا القبيل، مثل إقامة سدود، وجسور، او إنشاء مصانع، فانها كانت بمبادرة وإشراف مباشر من الانجليز.

وما زاد من غرابة الإصرار على تسييس الشعب العراقي، أن الذين قادوا الانقلاب على النظام الملكي تحت شعار انقاذ العامل والفلاح من استغلال الطبقة الرأسمالية، وتمكينه من الحياة الكريمة، لم يكونوا علماء أو خبراء اقتصاد، بل كانوا ضباط جيش! رفعوا شعارات الدفاع عن "الطبقة الكادحة"، و"الإصلاح الزراعي" ليتستروا بها على مآرب تكشف جزء منها اليوم، وهي عملية استبدال النفوذ البريطاني بالنفوذ الاميركي في منطقة الشرق الاوسط بشكل عام، واستمر الحال حتى آخر لحظة من حياة صدام الذي أمضى طوال حياته وهو يحلم أن يشاكس أكبر وأقوى جيش في العالم، وإن كلّف الأمر موت الملايين من العراقيين ودمار لا يُعوض. 

بلى؛ كان في العراق علماء اقتصاد، وكانت ثمة مشاريع تنموية وخدماتية، ولكنها لم تكن في خدمة المواطن العراقي، بقدر ما كانت تخدم السلطة، وقالها صدام بصراحة لأعضاء الفرق والشعب الحزبية في اجتماع اواسط الثمانينات حيث كان مرجل الحرب يغلي الى حد الانفجار، بأن الغنى والاثراء الذي وصلتم اليه "في عهد الثورة" ليس بالمجان، إنما من أجل "رد الجميل" بالتطوع في جبهات القتال، وهذا الصراحة الصادمة أمام حزبيين يعدهم صدام أذرعه الضاربة في المجتمع، فكيف بأفراد المجتمع المغلوب على أمره؟! 

الحاجة الى الاقتصاد أم الى السياسة؟

اعتقد أن العراق خسر من عمره العزيز ثلاثة وعشرين سنة يدور في دوامة السياسة المفرغة دون أن يُحسن فيها شيئاً، في وقت كان بحاجة الى برامج تنموية وأفكار اقتصادية تزيح عن وجهه آثار الحروب التي دمرت مصانعه ومشاريعه الانتاجية الزراعية، بيد أن المخطط –ربما- كان الاستمرار في "القوانة المشخوطة"، حسب المثل العراقي، إنما الفارق في استبدال التجربة السياسية البريطانية بالتجربة السياسية الاميركية، ومن عميق ما يؤسف له حقاً، أن يأتينا شخص مثل توم باراك؛ المبعوث الاميركي الى المنطقة ليعلنها صراحة، أن دول المنطقة لا ينفع معها الديمقراطية، إنما "أنظمة حكم مركزي".

وهذا يعني مما يعنيه؛ فشل تجربة "العملية السياسية" في العراق في أن تكون مفيدة لمصالح العواصم المعنية بالشأن العراقي، وهذا ما يفسّر سرعة التبريكات التي انهالت على الزيدي من عواصم اقليمية ودولية، كان أولها واشنطن، وعلى لسان الرئيس ترامب بأننا نؤيد الزيدي وندعمه بقوة، وهذه المباركة أثارت انزعاج وتحفظ البعض في بغداد لأنها ربما تجعل العملية السياسية أمر ثانوي في أفضل الاحتمالات. 

هنا؛ أما كان يجدر بمن يسمون انفسهم ب "الطبقة السياسية" أن يكونوا أذكى قليلاً، و أسرع من الأميركي لتقرير مصير العراق بطرح مبادرة اقتصادية كبرى على يد شخصية اقتصادية تفتح صفحة جديدة من العمل والعلاقات مع العالم الذي يعاني دائماً –وليس اليوم- من أزمات حقيقية وخانقة، وكلها ذات صبغة اقتصادية، مثل؛ الطاقة، والمياه، والبيئة، والغذاء، والعمل؟ 

وتساؤل كبير آخر يقفز الى المشهد؛ أن الاميركيين جربوا إدارة ترامب الاولى بنجاح عندما حوّل الخليج الى بقرة حلوب جنى منها مئات المليارات من الدولارات تحتاجها اميركا لمعالجة مشاكل العجز والتضخم والديون الداخلية، ثم جاءت التجربة الثانية، حيث كان ترامب يستعد بقوة للعودة الى البيت الابيض بكل ثقة ليؤدي دوره الاقتصادي لبلده ويحقق له أعلى مرتبة من المصالح الاقتصادية، والعالم بأسره راح يصرخ عالياً بأن أميركا قدمت للعالم رئيساً من عالم المال والاعمال وليس الساسة هذه المرة، فهل هذا خفي على "الساسة العراقيين" ياتُرى؟! 

ولمن يتحدث عن حرب ترامب مع ايران، فان الحقائق تؤكد بنفسها أن ترامب في هذه الحرب لم يكن سوى الكابوي بالنسخة الحديثة الذي لم يطلق النار من مسدسه الشخصي وإنما من المسدس الاسرائيلي على ايران لتصفية حسابات تتعلق بالنفوذ والقوة النووية والترسانة العسكرية، وإلا فان الفريق المقرّب اليه هم، على الأغلب من سماسرة او مطوري عقارات، وليسوا اصحاب شهادات اكاديمية في العلوم السياسية، او مارسوا من قبل مسؤوليات حكومية، وحتى علمية الشدّ والجذب في المفاوضات مع ايران إنما محورها اقتصادي بالدرجة الاولى. 

ومن يتبرّم من تدخل الرئيس الاميركي شخصياً في ترشيح الزيدي، عليه العودة بالذاكرة الى السنوات الماضية، وكيف أن "السياسيين" انشغلوا بظاهر السياسة، وهم أبعد ما يكونوا عنها في أدائهم وتفكيرهم، وأهدروا مئات المليارات من ثروة العراق لتحقيق التوازن بين النفوذ الايراني والنفوذ الاميركي، بدلاً من توظيف هذه الثروة لمشاريع تنموية واقتصادية تفيد الشعب العراقي ولا تشكل خطراً على أحد في العالم، بينما الذي سيحصل –ربما طبعاً- أن توظّف ثروة العراق لمشاريع أو افكار لا تكون كلها في مصلحة العراق وشعبه، إنما يشترك معها الآخرون في حصص تجارية كما فعلها "الساسة العراقيون" بمحاصصتهم السياسية!

اضف تعليق