الوضع النفسي المؤطر داخل شرنقة الرغبات لاشك أنه يتحسس من أي اهتزاز في جدار الرفاهية المرسومة في الاذهان ضمن تصميم وردي جميل، فيكون الهمّ الأكبر في كيفية الاحتفاظ بهذه الرفاهية وعدم خسرانها كما كشف عن هذا الشعور أحد المواطنين، وهو يعبر عن مشاعر الكثير، بأنه يخشى العودة الى أيام القحط والضيم في تسعينات القرن الماضي...

من أولى افرازات الحروب في العالم اليوم؛ أزمة الوقود لاسباب واضحة، فيكون ارتفاع الاسعار والشحّة في المحروقات، وهذا ما شهدناه في الحرب الأوكرانية والتي امتدت انعكاساتها على سائر الدول الاوربية بسبب انقطاع الغاز الروسي عن القارة الاوربية.

أما الازمة في العراق فهي تتجاوز إطارها الاقتصادي لتدخل المجال النفسي والاجتماعي، وحتى السياسي، فأزمة الوقود تحديداً في العراق ليست بجديدة رغم كونه من أغنى دول العالم في الاحتياطي النفطي، حتى يقال أن آخر قطرة نفط تسحب من الارض تكون في العراق، إنما ثمة قصور في الأداء الحكومي ليس من جهة الانتاج فقط، وإنما في إدارة مثل هكذا ازمات لسد الطريق أمام أي أزمة مفتعلة، او على الاقل التخفيف من الأزمة ذاتها وعدم تحولها الى عامل ضغط يُضاف على عناصر ضغط أخرى موجودة بالاساس على كاهل المواطن العراقي. 

ولعل العراق يكون من أكثر البلدان التي واجهت أزمة الوقود منذ حرب تحرير الكويت عام 1991 والتي أفرزت أزمة جديدة أخرى، وهي أزمة الكهرباء، الى جانب أزمات عدّة في الدواء والغذاء والخدمات جعلت المواطن العراقي يكون مسكوناً بالأزمة حتى بعد انجلاء ظاهر الازمات بدخول العراق في مرحلة الاستقرار الأمني من بعد عهد المفخخات، ثم عهد الارهاب التكفيري، ليتذوق العراقيون لأول مرة طعم الازدهار الاقتصادي الى حدٍ ما من خلال مشاريع الاستثمار وانتعاش التجارة وما أفرزه على الواقع الاجتماعي من قدرة على الانفاق لشريحة لابأس بها في المجتمع العراقي على المباني والسيارات والسلع الاستهلاكية، وحتى رحلات الاستجمام، بل وحتى شراء العقارات خارج العراق. 

هذه الطفرة خلال السنوات القليلة الماضية ربما تجعل البعض يتعامل مع هذا الانتعاش بطريقة غير علمية، ويعدها ضربة حظ مكنته من التمتع بامكانات حُرم منها طيلة السنوات الماضية، بينما المفترض وفق القواعد العلمية للتنمية أن يُسهم المواطن العراقي بنفسه وبقدراته الذهنية والعضلية في إرساء دعائم هذا التطور في حياته، لا أن يعدها مِنحة وصلته، كما هي المنحة المالية أو قطع الاراضي التي توزعها الحكومة بين فترة واخرى على شرائح معينة! فالقضية أبعد من "أكل الخبز بسعر يومه"، والاستمتاع بما موجود قبل فوات الأوان، بقدر ما يتعلق الأمر بالمستقبل غير المضمون والمحفوف بالمخاطر، ليس للعراق وحسب، وإنما لجميع دول المنطقة، بل ودول العالم في ظل تنافس محموم بين القوى الكبرى على النفوذ والهيمنة على مصادر الطاقة وعلى الثروات، والمثير في الأمر أن العراق يقع في قلب هذا التنافس والصراع المرير، بينما البعض يفكر في الطريقة التي يقتني فيها أحدث موديل من السيارات، أو يبني بيته على آخر تصميم عصري، مطعم بديكورات جذابة، وما الى غيرها من المتطلبات التي شأنها حرق المال لا غير.

هذا الوضع النفسي المؤطر داخل شرنقة الرغبات لاشك أنه يتحسس من أي اهتزاز في جدار الرفاهية المرسومة في الاذهان ضمن تصميم وردي جميل، فيكون الهمّ الأكبر في كيفية الاحتفاظ بهذه الرفاهية وعدم خسرانها كما كشف عن هذا الشعور أحد المواطنين، وهو يعبر عن مشاعر الكثير، بأنه يخشى العودة الى أيام "القحط والضيم في تسعينات القرن الماضي" عندما كان العراق محاصر اقتصادياً بسبب عدوان صدام على الكويت. 

أحد الاعلاميين في كربلاء المقدسة أجرى تحريّاً سريعاً في احدى محطات الوقود أمس السبت (4-4-2026) ليجد أن معظم السيارات المصفوفة في الطابور الطويل لها مؤشر البنزين في مستوى الوسط، بمعنى أن معظم السيارات التي هرع اصحابها الى محطات الوقود ليس لأنها على وشك تصفير البنزين، وإنما لإضافة نصف خزان آخر لسيارته، وهكذا الحال بالنسبة لغاز الطبخ الذي شهد هو الآخر أزمة مفتعلة في العراق، وشعار الجميع: خزّن، خزّن حتى لا تصيبك الازمة! علماً أن الفترة القليلة الماضية شهد العراق أزمة مشابهة لم تدم سوى أيام وعادت الأمور الى طبيعتها، و بدأت شاحنات بيع الغاز تتجول بين البيوت ولا أحد يشتري، وكذا الحال محطات الوقود الفارغة.

في مجتمع يعيش بذهنية كهذه، وليس بوسعه التحول الى العقلية الانتاجية والابداعية خلال فترة وجيزة، ولا نخوض في حديث مثالي عن طموحات التنمية والتطور، فهي تحتاج لبرامج وخطط متكاملة تتعاضد فيها عوامل نفسية، واجتماعية، وسياسية، تكون المهمة الآنية وخطة الطوارئ المستمرة في إدارة ملف الخدمات بطريقة تسد الطريق أمام أي محاول افتعال لأزمة في الوقود او الدواء او الغذاء، من خلال برنامج حكومي للتوزيع العادل، ولو بنسبة معينة، بدلاً من إطلاق يد المستثمرين وأصحاب الرساميل ليقرروا ما يشاؤون، فيما يكون المواطن فريسة حرب نفسية ربما تدار من الخارج، أو يعيش هواجس الماضي.

وهذا تتأكد الحاجة اليه مع احتمال دفع العراق أكثر من ذي قبل نحو نار الحرب الدائرة بين ايران من جهة واميركا والكيان الصهيوني من جهة اخرى لاسباب لا أجدني بحاجة للتفصيل فيها لكثرة الاخبار الواردة عن الاحداث الأمنية والعسكرية داخل العراق بين مؤيد بقوة للتضامن والوقوف الى جانب ايران، وبين مؤيد بقوة مماثلة لاتخاذ موقف الحياد رغم صعوبته واستحالته، او على الأقل تجنّب إثارة حفيظة الاميركيين.

يبقى العراق متميز دون كثير من الدول ليس فقط بثرواته وقدراته الذاتية، وإنما بموقفه السلمي وعدم الانزلاق المباشر في ساحة المعركة كما هو حال البلدان الخليجية، مما يحملنا مسؤولية استثمار الفرصة للتطوير والتنمية على المدى البعيد أولاً؛ ثم تعزيز الموقف الداخلي على الصعيد النفسي والاجتماعي تحديداً بما يعطي الثقة للمواطن بالقدرة على مواجهة التحديات الموجودة بشكل محدود، والتحديات الكبيرة القادمة في المستقبل، ومن المؤكد كلما كانت الرؤية أبعد، والتفكير أوسع من إطار الرغبات والرفاهية، كانت القدرة أكبر على استيعاب مختلف اشكال المخاطر والتحديات المستقبلية.

اضف تعليق