درس السبعين عاماً الماضية هو أن أزمات العبور يحلها المهندسون والممولون قبل أن تحلها الجيوش أو الدبلوماسيون بوقت طويل. فقد جعل صعود الناقلات العملاقة وخطوط الأنابيب الالتفافية إلى البحر المتوسط إعادة فتح قناة السويس ضرورة اقتصادية مصرية. وينبغي لواشنطن وحلفائها أن يتعاملوا مع تمويل المسارات الالتفافية بوصفه الردع الجيو-اقتصادي النهائي...

يشير تاريخ أزمات عبور النفط الممتد على مدى 70 عاماً إلى أن الهندسة ستثبت أنها أكثر فاعلية من الدبلوماسية.

ففي مقال نشرته مجلة فورين بوليسي الامريكية، يناقش كاتبه جون في. بولوس التحدي المتصاعد الذي يمثله إغلاق مضيق هرمز أمام أمن الطاقة العالمي. ويرى أن تاريخ أزمات عبور النفط خلال العقود السبعة الماضية يثبت أن الحلول الهندسية، مثل بناء خطوط أنابيب وممرات طاقة بديلة، كانت غالباً أكثر فاعلية من الدبلوماسية في تجاوز نقاط الاختناق البحرية، داعياً الغرب إلى تطوير ممرات جديدة تربط نفط وغاز الخليج بالبحر المتوسط لتقليل قدرة إيران على استخدام هرمز كورقة ضغط.

وفيما يلي ترجمة المقال:

ما لم يحدث تغيير للنظام في إيران أو يتم التوصل إلى حل دبلوماسي دائم لإغلاق مضيق هرمز، فإن الغرب يواجه الآن التحدي الأكثر جوهرية لأمنه الطاقوي منذ الحروب العربية-الإسرائيلية في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وللهروب من فخ هرمز -أي أزمة عبور النفط والغاز والبتروكيماويات التي ستؤدي ببطء إلى إنهاك الاقتصاد العالمي خلال الأشهر والسنوات المقبلة- يجب على الغرب أن يعيد النظر في نمط مألوف.

فعلى مدى ما يقرب من ثلاثة عقود خلال تلك الحروب، عمدت الدول العربية الساعية إلى الضغط على إسرائيل وداعميها الغربيين مراراً إلى تحويل نقاط الاختناق في عبور نفط الشرق الأوسط إلى سلاح، من خلال إغلاق القنوات وتخريب خطوط الأنابيب. وفي كل مرة، كانت شركات النفط الغربية، والدول الإقليمية، والمموّلون الأوروبيون يلتفون هندسياً على التعطيل عبر استخدام ناقلات أكبر وبناء خطوط أنابيب جديدة.

ويمكن للغرب وحلفائه أن يكرروا هذا المنطق اليوم من خلال بناء ممرات طاقة جديدة إلى البحر المتوسط لربط الطلب الأوروبي بإمدادات الخليج وحرمان إيران من نفوذها القائم على نقطة الاختناق. وينبغي أن تكون الخطوة الأولى هي إعادة تشغيل منظومة خط أنابيب العراق-تركيا وتطوير مسار طاقة عابر للجزيرة العربية يربط إنتاج الخليج بالساحل المتوسطي.

وقد وُضعت استراتيجية الغرب لمواجهة تعطل إمدادات النفط أول مرة خلال أزمة السويس عام 1956، عندما أغلق الرئيس المصري جمال عبد الناصر قناة السويس -كما خرّبت سوريا خطوط أنابيب شركة نفط العراق- رداً على هجوم عسكري مشترك شنّته إسرائيل وبريطانيا وفرنسا على مصر. وسدّت الولايات المتحدة، إلى جانب منتجي نصف الكرة الغربي، وخصوصاً فنزويلا، النقص من خلال إعادة توجيه الإمدادات إلى أوروبا، بينما بدأت شركات النفط الأنغلو-أمريكية بتكليف بناء ناقلات أكبر، ما جعل طريق رأس الرجاء الصالح الأطول مجدياً تجارياً للمرة الأولى.

وفي غضون أشهر، عقدت الحكومات الأمريكية والبريطانية والإقليمية اجتماعات لمناقشة ستة مقترحات متنافسة لخطوط أنابيب، من بينها مخطط طموح لنقل النفط الكويتي والإيراني عبر العراق إلى محطة تركية. وقد استبق ذلك المشروع، بعقدين من الزمن، منطق خط أنابيب كركوك-جيهان، الذي أصبح طريق التصدير الشمالي الأساسي للخام العراقي، متجاوزاً الخليج بالكامل عبر نقل النفط من حقول كركوك إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط. وفي الوقت نفسه، مدّت إسرائيل بهدوء خطاً مؤقتاً بقطر 8 بوصات من إيلات باتجاه البحر المتوسط، وهو حل إسعافي سيتحول لاحقاً إلى خط أنابيب إيلات-عسقلان بقطر 42 بوصة. وقد جُمّدت الطموحات الأوسع لخطوط الأنابيب بعدما انسحبت القوات الإسرائيلية من شبه جزيرة سيناء وأُعيد فتح القناة في آذار/مارس 1957، لكن البراعة الهندسية والمنطق الاستراتيجي الكامن وراء تلك الخطط بقيا قائمين.

وأثبت إغلاق مصر للقناة مجدداً في حزيران/يونيو 1967 صحة تلك الغرائز. فبعد الضربات المفاجئة التي شنتها إسرائيل على المطارات المصرية، أغرق ناصر 15 سفينة تجارية لإغلاق الممر المائي لمدة ثماني سنوات، بينما فرضت الدول العربية حظراً نفطياً على إسرائيل وحلفائها. لكن مرة أخرى، كان لدى المنتجين غير العرب طاقة إنتاجية نفطية فائضة كافية لتعويض الخسارة، ورُفع الحظر في أيلول/سبتمبر من ذلك العام.

وكان مفتاح هذا الحل السريع يكمن في التقدم في مجال العبور. فقد بدأت شركات النفط والدول المنتجة، منذ عام 1956، باعتماد ناقلات النفط الخام العملاقة -وهي سفن تبلغ طاقتها الاستيعابية نحو مليوني برميل- لكنها سرّعت هذا التحول بشكل حاد بعد عام 1967. وبعملها في المياه الدولية خارج متناول الأطراف الإقليمية، عزلت هذه السفن الشحنات عن مخاطر التأميم، وجعلت الطريق الأطول حول أفريقيا مجدياً تجارياً، وحوّلت إمدادات النفط إلى أوروبا إلى إمدادات غير قابلة عملياً للاختناق. وفي الوقت نفسه، أصبحت القناة مشكلة مجمدة، جائزة كان ناصر غير مستعد للتخلي عنها، حتى مع تراجع قيمتها الاستراتيجية. وظلت أسعار النفط مستقرة من عام 1967 إلى عام 1973، ويعود ذلك في جانب غير قليل منه إلى إكمال إسرائيل خط إيلات-عسقلان عام 1969. وقد اختار شاه إيران آنذاك محمد رضا بهلوي تزويد الخط بالنفط، مشيراً إلى أنه ما دامت إسرائيل تسيطر على الخط، فلن تضطر إيران أبداً إلى القلق من “تكتل العرب” ضدها.

أما الحظر النفطي العربي في عامي 1973-1974، الذي أعقب الحرب العربية-الإسرائيلية، فكان مسألة مختلفة. فعلى خلاف عام 1967، لم تكن هناك طاقة إنتاجية نفطية فائضة تُذكر خارج الشرق الأوسط. وكان الإنتاج المحلي الأمريكي قد بلغ ذروته عام 1970 ودخل في مرحلة تراجع، ما أزال الهامش الاحتياطي الذي كان قد امتص الاضطرابات السابقة. وأدت الآثار المدمرة -بما في ذلك تضاعف أسعار النفط أربع مرات، وحظر القيادة في أوروبا، والتقنين الطارئ في الولايات المتحدة- إلى استجابة هيكلية فورية. فبدأ الغرب بتطوير احتياطيات استراتيجية والاتجاه إلى ناقلات خام فائقة الضخامة، قادرة على حمل ما يصل إلى 3 ملايين برميل. والأهم من ذلك، أن دول البحر المتوسط بنت خطوط أنابيب التفافية جديدة: فقد أنجز العراق وتركيا خط كركوك-جيهان عام 1976، وأنجزت مصر خط السويس-البحر المتوسط عام 1977.

وخلال الحرب العراقية-الإيرانية، جعلت الضربات الإيرانية لمحطات التصدير العراقية، وهجمات الجانبين على ناقلات الخليج -فيما عُرف بحرب الناقلات بين عامي 1984 و1988- العبور عبر هرمز محفوفاً بالخطر حقاً للمرة الأولى. ورداً على ذلك، أنجزت السعودية خط الأنابيب شرق-غرب لنقل الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر كضمان ذاتي مباشر. وبعد ذلك، أنجزت دولة الإمارات العربية المتحدة خط أنابيب أدنوك إلى الفجيرة عام 2012 عقب تجدد المخاوف من التهديدات الإيرانية.

والدرس المستفاد لليوم واضح: البنية التحتية هي الشكل الأكثر ديمومة من أشكال الردع الاستراتيجي. ولتجريد إيران من نفوذها القائم على نقاط الاختناق، ينبغي لواشنطن أن تقود تحالفاً تمويلياً يجمع بين ضمانات من مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبين صناديق الثروة السيادية الخليجية، بحيث يركز هذا التحالف على محورين استراتيجيين.

أولاً، ينبغي إعادة تأهيل خط كركوك-جيهان لربطه بالجزء الأكبر من خام جنوب العراق، وربما بالنفط القادم من شمال شرق سوريا، ما سيحفز بغداد على حل نزاعات تقاسم الإيرادات مع أربيل. وثانياً، ينبغي إنشاء ممر طاقة عابر للجزيرة العربية يربط إنتاج النفط والغاز الخليجي مباشرة بالبحر المتوسط، في إعادة تصور لخط الأنابيب العابر للجزيرة العربية في حقبة الحرب الباردة، المعروف باسم تابلاين، على أن ينتهي في موانئ إسرائيل بدلاً من لبنان. كما طرحت تركيا طموحين غازيين على مدى أطول: خط أنابيب عابر لبحر قزوين لجلب الغاز التركماني إلى أوروبا عبر أذربيجان، وممر غاز قطر-تركيا مروراً بالسعودية والأردن وسوريا.

وسيكون إحياء خط كركوك-جيهان أوضح مكسب ممكن على المدى القريب، إذ يمكنه استعادة ما يصل إلى 1.6 مليون برميل يومياً عبر مسار غير مرتبط بهرمز، ويمكن تحقيق ذلك خلال 12 إلى 18 شهراً من خلال إصلاحات فنية محددة واتفاقات دبلوماسية لتقاسم الإيرادات. أما الممر العابر للجزيرة العربية، الذي يمكن أن يدخل حيز التشغيل خلال عامين إلى أربعة أعوام، فيمكنه أن يكرر أو يتجاوز قدرة تابلاين، مع إضافة بُعد غازي لم يكن الخط القديم يمتلكه.

أما خطط تركيا لخطوط أنابيب الغاز من تركمانستان وقطر فستتطلب من خمس إلى عشر سنوات، لكن إمكاناتهما المشتركة تضاهي الحجم الذي يعبر هرمز حالياً على شكل غاز طبيعي مسال وغاز عبر الأنابيب. ورغم أن أي ممر منفرد لن يسد الفجوة البالغة 20 مليون برميل يومياً من الخام والمكثفات والغاز التي سيخلفها اضطراب طويل الأمد في هرمز، فإن هذه الممرات مجتمعة يمكن أن تقلل ذلك الانكشاف بما يكفي لكسر القبضة النفسية والاقتصادية التي يمارسها تهديد إيران بالإغلاق حالياً.

والعقبات السياسية، باعتراف الجميع، شاقة. فالتصدع في تقاسم الإيرادات بين بغداد وأربيل، والتطبيع المطلوب للتنسيق الإسرائيلي-العربي في خطوط الأنابيب، والخطر الدائم لعدم الاستقرار السوري، كلها تمثل تحديات حقيقية. كما أن المقارنات التاريخية غير كاملة: فحجم النفط الذي يعبر هرمز اليوم يفوق بكثير أي شيء عرفته اضطرابات الحرب الباردة، كما أن حرب المسيّرات الحديثة تعني أن الممرات البرية ليست محصنة ضد الهجمات، ولا سيما حيث تنشط الوكلاء الإيرانيون في العراق وسوريا.

ومع ذلك، يمكن للبنية التحتية أن تخلق قدراً من المتانة لا تستطيع وسائل الإكراه أن تبطله بسهولة. فبخلاف المسارات البحرية المعرضة للألغام أو الصواريخ، يمكن عادة إصلاح خطوط الأنابيب البرية المتضررة خلال أيام أو أسابيع. كما أن الهجمات المستمرة على خطوط أنابيب تمر عبر تركيا أو إسرائيل ستنطوي على خطر تصعيد واسع النطاق، وهو بحد ذاته عامل ردع لإيران. ويُظهر التاريخ كذلك أن الدول تظل مدفوعة إلى الحفاظ على هذه الأنظمة حتى في ظل العداء السياسي: فقد نجا خط كركوك-جيهان من حرب الخليج، وحرب العراق، والتمردات الكردية تحديداً لأن بغداد وأنقرة وشركات النفط الكبرى كانت تعتمد عليه.

إن درس السبعين عاماً الماضية هو أن أزمات العبور يحلها المهندسون والممولون قبل أن تحلها الجيوش أو الدبلوماسيون بوقت طويل. فقد جعل صعود الناقلات العملاقة وخطوط الأنابيب الالتفافية إلى البحر المتوسط إعادة فتح قناة السويس ضرورة اقتصادية مصرية. وينبغي لواشنطن وحلفائها أن يتعاملوا مع تمويل المسارات الالتفافية بوصفه الردع الجيو-اقتصادي النهائي، أي إشارة إلى طهران بأن قدرتها على احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة يمكن تقويضها بنيوياً.

* جون في. بولوس هو مؤسس ومدير “إنرجي ستريتس”، وهي شركة استشارية مقرها إسطنبول متخصصة في جغرافيا الطاقة الوسيطة في الشرق الأوسط وأوراسيا.

اضف تعليق