إن تحول الصين التاريخي نحو إنتاج طاقة ما بعد الكربون يجعلها شريكا تجاريا أكثر جاذبية بدرجة كبيرة في نظر مستوردي الطاقة على مستوى العالم. الجميع في احتياج إلى مزيد من الطاقة، وبينما يمنح ذلك الولايات المتحدة (والدولار) فوائد قصيرة الأجل بصفتها أكبر منتج للهيدروكربونات في العالم، فإن نقاط الضعف...
بقلم: إيان بريمر

نيويورك ــ لم تقتصر تأثيرات الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران على زعزعة استقرار الشرق الأوسط، وإشعال شرارة ارتفاعات شديدة في أسعار الطاقة وغيرها من السلع، وتعطيل الاقتصاد العالمي فحسب. بل إنها جعلت حلفاء الولايات المتحدة وخصومها يندفعون في الاستجابة لقوة عظمى لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها ولا الاعتماد عليها. والنتيجة هي عملية إعادة ترتيب تاريخية للأوضاع الجيوسياسية والتي ستغير موازين القوى العالمية خلال العقد المقبل.

بطبيعة الحال، ستكون التأثيرات المترتبة على الحرب أكثر مباشرة وعمقا في المنطقة التي تدور فيها رحاها. وقد ساعدت بالفعل في إقناع عدد كبير من دول الخليج العربية بأن مجلس التعاون الخليجي ــ وهو ترتيب دبلوماسي واقتصادي وأمني فضفاض طالما لاحقته الصراعات الداخلية ــ لم يعد صالحا للغرض منه.

تعمل الحرب أيضا على زيادة حدة التنافس بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي أعلنت مؤخرا عن نيتها إنهاء عضويتها في منظمة الدول الـمُصَدِّرة للبترول "أوبك" (OPEC)، التي دامت قرابة ستة عقود من الزمن. وسوف تصطف الإمارات العربية المتحدة الآن بدرجة أوثق مع إسرائيل فيما يتصل بالاستخبارات، والتكنولوجيا، والأمن، على أمل تعجيز النظام الإيراني. على النقيض من ذلك، ستحاول المملكة العربية السعودية إيجاد سبل للعيش بسلام جنبا إلى جنب مع الجمهورية الإسلامية من خلال السعي إلى توثيق التحالف العسكري مع باكستان المسلحة نوويا، وكذا مع مصر وتركيا، والتنسيق بشكل أوثق مع الصين.

كما ستحاول هاتان الكتلتان الحفاظ على علاقاتهما الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة؛ لكن ذلك لن يكون سهلا كما كان في السابق. يتمثل أحد تأثيرات الحرب الأكثر مباشرة ووضوحا في تسببها في تقويض الأساس الذي تقوم عليه عملية اتخاذ القرار المنسقة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

ثم هناك العلاقة عبر الأطلسية المتداعية. في وقت حيث تغذي الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا القلق والانزعاج في مختلف أنحاء أوروبا، يُـوَلِّد القرار الذي اتخذته إدارة ترمب بالتركيز على إيران ــ ثم الهجوم بضراوة على القادة الأوروبيين لامتناعهم عن تقديمهم المساعدة ــ زخما جديدا نحو ترتيب دفاعي جماعي أوروبي خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو).

صحيح أن الرئيس دونالد ترمب من غير المرجح أن يحاول سحب الولايات المتحدة من التحالف عبر الأطلسي، وأن مجلس الشيوخ الأميركي قادر على منع مثل هذه الخطوة قانونا. لكن إعلان ترمب في الأول من مايو/أيار بأن الولايات المتحدة ستسحب 5000 من قواتها البالغ عددها 36000 جندي المتمركزة في ألمانيا، والذي جاء بعد أيام قليلة من انتقاد المستشار الألماني فريدريش ميرتس للحرب، تسبب في مزيد من القلق والانزعاج في مختلف أنحاء القارة. كما تجاهل ترمب اعتراضات أوروبية على تعليق بعض العقوبات المفروضة على روسيا.

والنتيجة، انقسامات أشد عمقا داخل التحالف الغربي، وتنامي المخاوف الأوروبية من أن البيت الأبيض قد يدفع في نهاية المطاف في اتجاه التوصل إلى تفاهم أمني بين الولايات المتحدة وروسيا. هذا الاحتمال يمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتن سببا كافيا لمواصلة حربه في أوكرانيا، على أمل أن تتمكن روسيا في نهاية المطاف من تحقيق اختراق مع انهيار الناتو.

وفي مختلف أنحاء آسيا، يفرض الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز تكلفة اقتصادية باهظة. مثلهم كمثل شركاء أميركا التاريخيين في أوروبا، يشعر حلفاؤها الآسيويون بانعدام الأمان بشأن التزامات إدارة ترمب الأمنية والاقتصادية الأبعد أمدا. لكن البدائل لدى دول مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان أقل من تلك لدى ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا. فلا يوجد حلف آسيوي شبيه بالناتو يربطها بواشنطن، ولا أي مؤسسة شبيهة بالاتحاد الأوروبي تربطها ببعضها بعضا.

علاوة على ذلك، تواجه جميعها ضغوطا ناجمة عن قوة الصين الاقتصادية، والتكنولوجية، والعسكرية (المتنامية). تتصرف الصين الآن بشكل أكثر حزما في التعامل مع الحزب الحاكم في تايوان والحكومة اليابانية. وهذه العوامل وغيرها تحد بشكل كبير من إمكانية أن يحذو حلفاء أميركا في آسيا حذو الأوروبيين نحو مزيد من الاستقلال عن الولايات المتحدة.

أما عن الصين ذاتها، فقد امتنع الرئيس الصيني شي جين بينج، إدراكا منه لحقيقة تباطؤ الاقتصاد، وأن مغامرات ترمب وبوتن لم تخدمهما ولا بلديهما، عن استغلال لحظة تشتت انتباه أميركا لخوض مغامرات جديدة. وبدلا من ذلك، من المرجح أن يغدق على ترمب بمظاهر الاحتفال والأبهة عندما يزور بكين هذا الشهر، سعيا إلى الحصول على تَـنَصُّـل أميركي صريح من مطالبات تايوان بالاستقلال. في المقابل، قد يتعهد شي بالتزامات صينية ضخمة بشراء سلع أميركية. الواقع أن حتى أقرب مستشاري ترمب لا يمكنهم الجزم بأنه قد يقاوم هذا الإغراء. وغني عن القول إن حلفاء الولايات المتحدة في آسيا وأماكن أخرى سيراقبون الوضع عن كثب.

ساهمت الحرب مع إيران أيضا في التعجيل بتحول مهم آخر يؤثر على الصين. فقد أظهرت لقادة إيران والعالم مدى سهولة ورخص تكلفة إغلاق مضيق هرمز الحيوي استراتيجيا أمام تجارة النفط والغاز. ولا يخلو الأمر من مخانق أخرى، مثل باب المندب، الذي يفصل اليمن عن أفريقيا، وحتى مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا، جميعها من الممكن أن تدخل في اللعبة. فضلا عن ذلك، يأتي هذا في وقت حيث أصبحت الصين رائدة عالمية بلا منازع في مجال الطاقة المستدامة، والمركبات الكهربائية، والبطاريات، والمعادن الـحَرِجة وعمليات إعادة المعالجة التي تدعمها.

إن تحول الصين التاريخي نحو إنتاج طاقة ما بعد الكربون يجعلها شريكا تجاريا أكثر جاذبية بدرجة كبيرة في نظر مستوردي الطاقة على مستوى العالم. الجميع في احتياج إلى مزيد من الطاقة، وبينما يمنح ذلك الولايات المتحدة (والدولار) فوائد قصيرة الأجل بصفتها أكبر منتج للهيدروكربونات في العالم، فإن نقاط الضعف التي كشفت عنها الحرب تخلق فرصا هائلة أطول أمدا للصين.

لكل هذه الأسباب، سوف يكون الأثر الناجم عن الصراع الذي لا يزال مستعرا في الشرق الأوسط في تحويل الشراكات الدولية وتوازن القوى العالمي أبعد وأعظم مقارنة بأي حدث آخر منذ نهاية الحرب الباردة.

* إيان بريمر، مؤسس ورئيس مجموعة أوراسيا و جيزيرو ميديا، وهو عضو في اللجنة التنفيذية للهيئة الاستشارية رفيعة المستوى للأمم المتحدة المعنية بالذكاء الاصطناعي.

https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق