السلوك المتجبر من الدول الكبرى ومنها الولايات المتحدة الأمريكية أضعف منظمة الأمم المتحدة ولكونها من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي يتعذر اتخاذ أي قرار أو اجراء رادع من شأنه وقف العدوان ونتائجه الكارثية التي تسبب بها ومنها قتل المدنيين الأبرياء وما تلاميذ مدرسة ميناب إلا مثال...

ذاق المجتمع الدولي ولا يزال الأمرين بسبب الحروب وما تؤل إليه من دمار يحيق بكل مناحي الحياة، لذا حرصت الدول لاسيما الأوربية ومنذ معاهدة وستفاليا 1648 على تأكيد أهمية سيادة الدول واحترام الاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية ونبذ العنف في العلاقات الدولية، فمن الممكن ان يؤدي استعمال القوة غير المبرر إلى العدوان على السلم والأمن الدوليين ويهدد الأمن والسلم والتعايش في الجماعة الدولية.

 وحين انتقل المجتمع الدولي إلى مرحلة أكثر تطوراً في تنظيم العلاقات ظهرت المنظمات الدولية لا سيما ذات الطابع العالمي كصورة للتعاون الدولي، حيث تم تضمين مواثيقها العديد من المبادئ التي تؤكد ما تقدم وتشير لضرورة نبذ العنف في العلاقات بين الدول، وإلى ما تقدم يشير عهد عصبة الأمم لسنة 1919 على ضرورة منع الحروب، وأكد ذلك ميثاق بريان كيلوك لسنة 1928 حيث اتفقت الدول الأوربية على ضرورة تقييد اللجوء إلى القوة العسكرية الغاشمة في غير حالات الدفاع عن النفس.

 وما ان انتهت الحرب العالمية الثانية حتى بادرت الدول المنتصرة كل من (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي وفرنسا) إلى تأسيس محكمة نورمبيرك لمحاكمة كبار المجرمين من النازيين بموجب المادة الثانية من اتفاقية لندن المنعقدة في (8 أب أغسطس 1945) وهي محكمة عسكرية دولية تختص بمحاكمة المجرمين الذين هددوا السلام العالمي وارتكبوا جرائم ضد الإنسانية، ولو كانت بأمر من رؤسائهم، يشار إلى ان ميثاق الأمم المتحدة للعام 1945 يمنع العدوان وكل صور اللجوء إلى القوة في العلاقات بين الدول رغبة من المنظمة الدولية في إنشاء نظام للأمن الجماعي فقد أشارت المادة (الثانية الفقرة الرابعة) من ميثاق الأمم المتحدة إلى أنه (يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة، وأن مجلس الأمن الدولي هو الجهة الوحيدة المخول ان يقرر بأن ثمة تهديد للأمن والسلم الدوليين بموجب المادة (39) من الميثاق)، وقد أشار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3314 لسنة 1974) إلى تعرف العدوان بأنه ((استعمال القوة المسلحة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي أو أي وجه آخر لا يتفق مع ميثاق الأمم المتحدة)).

 ووفقاً لقرار الجمعية العامة تعد الأعمال التالية أعمالاً عدوانية سواء سبقها إعلان للحرب أم لا: ((1- قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو إقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه، أو أي احتلال عسكري ولو كان مؤقتاً ان كان من شأنه ضم لإقليم الدولة أخرى أو لجزء منه باستعمال القوة، 2- قيام القوات المسلحة لدولة بقذف دولة أخرى بالقنابل أو استعمال دولة أية أسلحة ضد إقليم دولة أخرى كضرب الحصار على موانئ دولة ما أو على سواحلها من قبل القوات المسلحة لدولة أخرى، 3- قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين التجاريين البحري والجوي لدولة أخرى، 4- قيام دولة ما باستعمال قواتها المسلحة الموجودة داخل إقليم دولة أخرى بموافقة الدولة المضيفة على وجه يتعارض مع الشروط التي ينص عليها الاتفاق أو أي تمديد لوجودها الإقليمي المذكور إلى ما بعد نهاية الاتفاق، 5- سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة لارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة، 6- إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من قبل دولة ما باسمها تقوم ضد دولة أخرى بأعمال القوة المسلحة وتكون من الخطورة بحيث تعادل الأعمال المبينة أعلاه أو اشتراك الدولة بدور ملموس في ذلك.)) واستناداً إلى ما تقدم يعد الفعل الصادر عن دولة ما عدواناً ان توافرت فيه الشروط الآتية: 

1- أن يرتكب الفعل بالعادة من دولة فتقوم مسؤوليتها.

2- أن ينطوي الفعل بالعادة على استخدام غير مشروع للقوة المسلحة.

3- يجب ان يصل العدوان إلى مستوى من الخطورة لينعته مجلس الأمن الدولي بهذه الصفة أي اعتباره تهديداً للأمن والسلم الدوليين ويسوغ أفعال الدفاع عن النفس أو تدخل هيئة الأمم المتحدة لفرض عقوبات دولية.

والملاحظ ان الأفعال كالغزو تعد وبحق وبموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة من أفعال العدوان، إلا أن مجلس الأمن بالعادة ما يستعمل مصطلحات أكثر دبلوماسية كالعبارة التقليدية "تهديد الأمن والسلم الدوليين" في الأزمات الكبرى كعدوان إسرائيل على جيرانها العرب في أكثر من مناسبة، بل عجز مجلس الأمن حتى عن التعبير عن الاستهجان، وذلك في مناسبات أخرى أخرها أفعال العدوان التي طالت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي في خرق فاضح لميثاق الأمم المتحدة باستخدام السلاح والقوات المسلحة بشكل غير مشروع لتحقيق مكاسب ذاتية ومصالح غير مبررة لهذه الدول في شهر حزيران 2025 والعدوان الحالي المستمر منذ شهر شباط 2026.

كما نشير إلى ان محكمة العدل الدولية انتهت في تعريفها للعدوان بأنه (استخدام الدول غير المشروع للعنف) غداة تفسيرها لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1986 وأضافت بأن العدوان المسلح ((يشمل إرسال دولة واحدة عصابات مسلحة إلى أراضي دولة أخرى وإمدادهم بالأسلحة وأوجه الدعم الأخرى" فالمحكمة اعتبرت ما تقدم من أوجه العدوان وأكدت المفهوم في حكم لها العام 2005 في الخلاف بين الكونغو الديمقراطية واغندا، أما المحكمة الجنائية الدولية فقد أشار نظام روما أو النظام الأساسي للمحكمة المقر العام 1998 إلى أنها تختص بنظر جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وكذا العدوان ومضى النص إلى أن ((تمارس المحكمة الاختصاص على جريمة العدوان متى اعتمد حكم بهذا الشأن وفقا للمادتين 121 و 123 يعرف جريمة العدوان ويضع الشروط التي بموجبها تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمة، ويجب أن يكون هذا الحكم متسقا مع الأحكام ذات الصلة مع ميثاق الأمم المتحدة)).

 وبالفعل تم عقد مؤتمر استعراضي في العام 2010 في كمبالا، أوغندا واعتمدت الجمعية العامة للدول الأطراف أثناء انعقاد المؤتمر قراراً بإضافة المادة الثامنة مكرر لنظام روما الأساس لتعريف جريمة العدوان بأنها ((لأغراض هذا النظام الأساسي جريمة العدوان تعين بأنها قيام شخص ما في وضع يتيح له التحكم بالفعل في العمل السياسي أو العسكري للدولة أو توجيهه بتخطيط أو إعداد أو شن أو تنفيذ عمل عدواني من شأنه بحكم خصائصه وخطورته ونطاقه ان يعد انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة، ويعني العدوان استعمال القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي أو بأي صورة أخرى تتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة وتنطبق صفة العمل العدواني على أي عمل من الأعمال التالية سواء بإعلان حرب أو بدونه طبقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3314 في العام 1974،.....قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو دولة أخرى أو الهجوم عليها أو أي احتلال عسكري ولو كان مؤقتاً، قيام القوات المسلحة لدولة ما بقذف إقليم دولة أخرى بالقنابل أو استعمال دولة ما أية أسلحة ضد إقليم دولة أخرى....مهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين البحري أو الجوي لدولة أخرى، سماح دولة وضعت إقليمها تحت تصرف دولة أخرى بان تستخدمه هذه الدولة في ارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة، إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من قبل دولة ما أو باسمها تقوم ضد دولة أخرى بأعمال القوة المسلحة)).

وعلى الجانب الأخر نشير إلى ان ميثاق منظمة الدول الأمريكية الموقع في بوغاتا 1948 والذي انضمت إليه الولايات المتحدة الأمريكية في العام ذاته يحرم حرب العدوان وينص صراحة في المادة الثالثة منه على أن (تدين الدول الأمريكية الحرب العدوانية فالنصر لا يجلب حقوقاً) وتضيف المادة التاسعة ان للعدوان صور أخصها هجوم مسلح من غير استفزاز من جانب دولة على أراضي أو شعب دولة أمريكية أخرى أو ضد قواتها البرية أو البحرية أو الجوية).

ولكل ما تقدم تعد الأفعال التي أقدمت عليها الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل جريمة عدوان مكتملة الأركان والعناصر وهي مخالفة للقانون الدولي وتعد وبحق سبباً يسوغ مساءلة القادة الذين اتخذوا قرار الحرب عن جريمة أخلت بالأمن والسلم الدوليين وخالفت ميثاق الأمم المتحدة للعام 1945 الذي يعتمد في مادته الأولى وضمن مقاصد المنظمة الدولية الطرق السلمية في حل المنازعات حيث تشير الميثاق إلى أن من ((مقاصد الأمم المتحدة حفظ السلم والأمن الدوليين وتحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعّالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرّع بالوسائل السلمية، وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي، لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها)).

وانتهكت القانون الدولي الإنساني لاسيما اتفاقيات جنيف 1949 التي تحتم حماية المدنيين في المنازعات العسكرية وتمنع المساس بالأعيان المدنية، بيد ان العدوان طاول قصفاً متعمداً للمنازل والأحياء السكنية والمدارس ومحطات الطاقة وتحلية المياه ومخازن الوقود، وكل فعل مما تقدم يشكل جريمة عدوان مكتملة الأركان، فمما يؤسف له ان السلوك المتجبر من الدول الكبرى ومنها الولايات المتحدة الأمريكية أضعف منظمة الأمم المتحدة ولكونها من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي يتعذر اتخاذ أي قرار أو اجراء رادع من شأنه وقف العدوان ونتائجه الكارثية التي تسبب بها ومنها قتل المدنيين الأبرياء وما تلاميذ مدرسة ميناب إلا مثال بسيط على وحشية العدوان ومجانبته للقانون والقيم الإنسانية.

..........................................

 مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق