الفرصة المتاحة اليوم ربما تكون من أهم الفرص التي شهدها العراق منذ سنوات طويلة، فوجود إرادة حكومية معلنة، إلى جانب استعداد بعض الفصائل للتموضع داخل إطار الدولة، يفتح الباب أمام تحول تاريخي في بنية النظام الأمني العراقي...
عندما وضع رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي ملف سلاح الفصائل وحصره بيد الدولة في مقدمة أولوياته منذ خطابه الأول، بدا وكأنه يعلن الدخول في واحدة من أكثر المعارك السياسية حساسية منذ عام 2003، وهي معركة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة.
ملف السلاح بيد الدولة من الملفات التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالتوازنات السياسية، فعلى مدة أكثر من عقدين من الزمن لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من التوصل الى اتفاق يفضي الى حل مقنع لبقية الأطراف، مما جعل المشهد أكثر تعقيدا في السنوات الأخيرة خصوصا بعد تعرض البلاد الى هجمة من المجاميع الإرهابية.
مهمة الزيدي في الوقت الحالي يبدو انها جاءت في ظروف استثنائية، وفي ظرف يختلف عن المراحل السابقة، فالمنطقة تشهد تحولات متسارعة، كما أن الضغوط الدولية والإقليمية باتت أكثر وضوحا تجاه الدول التي تسمح بوجود قوى مسلحة خارج الأطر الرسمية.
وفي ظل هذه المتغيرات أصبح الحديث عن تنظيم السلاح أو دمجه داخل مؤسسات الدولة من الأحاديث الرائجة في الأوساط السياسية، حتى صار جزءًا من متطلبات الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي للعراق.
في هذا السياق اكتسب قرار زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر الخاص بالتخلي عن سلاح سرايا السلام وإلحاقه بالدولة أهمية خاصة، فالقرار لا يتعلق بحجم القوة العسكرية للفصيل فحسب، وإنما بما يحمله من دلالات سياسية، فالصدر الذي اختار الابتعاد عن العمل السياسي المباشر، يبدو حريصا على تحييد تياره عن الصراعات المقبلة، وإبعاده عن أي تداعيات قد تترتب على الضغوط المتزايدة تجاه الفصائل المسلحة.
ومن فوائد هذه الخطوة بصورة مباشرة، انها تمنح الحكومة الحالية فرصة لتقديم نموذج عملي يمكن البناء عليه في التعامل مع بقية القوى المسلحة، لكن السؤال الأهم يبقى: كيف يستطيع الزيدي تحقيق هدفه من دون أن يدفع البلاد نحو صدام داخلي؟
الإجابة تكمن في أن نجاح هذه المهمة لا يرتبط باستخدام القوة، بقدر ما يرتبط بقدرة الحكومة على إنتاج تسوية سياسية وأمنية مقبولة من الأطراف المختلفة، فالمعطيات الحالية تشير إلى أن بعض الفصائل لا ترفض من حيث المبدأ العمل تحت إمرة الدولة، فهي بالعكس من ذلك أبدت استعدادها للبقاء تحت تصرف القائد العام للقوات المسلحة، كما أن هذا التوجه حظي بتأكيدات خلال اجتماعات الإطار التنسيقي التي شددت على ضرورة أن يكون القرار الأمني والعسكري منسجما مع توجه القائد العام للقوات المسلحة.
وبذلك يمكن للزيدي أن ينطلق من نقطة التقاء مهمة تتمثل في الفصل بين مفهوم حل الفصائل ومفهوم تنظيم السلاح، اذ ان الكثير من القوى المسلحة قد تنظر إلى الدعوات الرامية إلى إنهاء وجودها باعتبارها تهديدا سياسيا وأمنيا، لكنها قد تتعامل بمرونة أكبر مع مشروع يهدف إلى إعادة هيكلة أدوارها وربطها بشكل مباشر بالمؤسسات الرسمية، وهذا ما يجعل خيار الاحتواء أكثر واقعية من خيار المواجهة.
وتتمثل الخطوة الأولى في بناء إطار قانوني وإداري واضح يحدد طبيعة العلاقة بين هذه التشكيلات والدولة، بما يضمن وحدة القرار العسكري ويمنع أي تحرك مسلح خارج أوامر القائد العام للقوات المسلحة.
أما الخطوة الثانية فتتعلق بحصر الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مخازن ومقرات خاضعة لإشراف الدولة، مع وضع آليات رقابة صارمة تضمن عدم استخدامها خارج السياقات الرسمية.
كذلك يحتاج الزيدي إلى توفير ضمانات سياسية للفصائل التي تبدي تعاونا مع مشروع الدولة، لأن نجاح أي عملية دمج أو إعادة تنظيم يتطلب مستوى من الثقة المتبادلة، فالتجارب السابقة أظهرت أن المخاوف السياسية غالبا ما تكون أقوى من الاعتبارات العسكرية، وأن كثيرا من الأزمات نتجت عن غياب التفاهمات السياسية أكثر مما نتجت عن الخلافات الأمنية.
وفي الوقت نفسه يمكن للحكومة أن تستثمر المتغيرات الإقليمية الراهنة لتعزيز هذا المسار، فالفصائل تدرك أن البيئة الإقليمية لم تعد كما كانت في السنوات الماضية، وأن هامش الحركة المستقلة أصبح أضيق من السابق، كما أن العراق بحاجة إلى تجنب أي عقوبات أو ضغوط قد تؤثر في اقتصاده وعلاقاته الخارجية، وهو ما يجعل مشروع حصر السلاح بيد الدولة مصلحة وطنية تتجاوز الحسابات الحزبية والفئوية.
ومع ذلك لا يمكن توقع نتائج سريعة أو قرارات حاسمة خلال فترة قصيرة، فملف بهذا الحجم يحتاج إلى تدرج وحكمة وصبر سياسي، لذلك قد يركز الزيدي في المرحلة الأولى على تثبيت مبدأ خضوع جميع القوى المسلحة للقيادة العامة للقوات المسلحة، قبل الانتقال لاحقا إلى مراحل أكثر تقدما من الدمج والتنظيم وإعادة الهيكلة.
الفرصة المتاحة اليوم ربما تكون من أهم الفرص التي شهدها العراق منذ سنوات طويلة، فوجود إرادة حكومية معلنة، إلى جانب استعداد بعض الفصائل للتموضع داخل إطار الدولة، يفتح الباب أمام تحول تاريخي في بنية النظام الأمني العراقي.



اضف تعليق