بلورة استراتيجية وطنية متكاملة، تؤدي إلى الانسجام التام بين مخرجات التعليم ومتطلبات السوق. وكل الدول المتقدمة تخطط بدقة إلى هذا الأمر، وتدفع الكثير من الإمكانات المادية والبشرية، من أجل عملية التناغم المنشودة بين التعليم ومخرجاته والسوق وحاجاته ومتطلباته. وقد لعب التعليم الأكاديمي والفني والمهني، دورا حيويا في مسيرة تقدم...
عديدة هي المسؤوليات الوطنية، المناطة بالمؤسسات التعليمية والتربوية في المجتمع والوطن. إلا أن أهم هذه المسؤوليات، هي تجسير الفجوة بين التعليم والتنمية، بين المدرسة والمصنع، بين حلقات الدرس وما تحتاجه حركة الاقتصاد والتجارة في الوطن.. لأن استمرار هذه الفجوة، يعني استمرار مخرجات تعليمية وتربوية، لا يحتاجها الوطن بشكل ملح، مما يفتح الباب واسعا للعمالة الأجنبية، وغياب القدرة على المنافسة في سوق العمل لدى الشباب..
ما نحتاجه باستمرار هو فحص العمل التعليمي والتربوي، واكتشاف مدى مساهمته في خلق المواطن القادر على تلبية حاجة السوق ومشروعات التنمية الوطنية.
ولا يخفى أن أحد الأسباب الجوهرية لهروب الرساميل الضخمة إلى الخارج، في الكثير من الدول والبلدان، ناتج من عدم إفساح المجال لهذه الرساميل من المشاركة في عملية الإنتاج الوطني، لذلك فهي تسعى نحو توفير فرص عمل لها في الخارج.
لهذا فإن التقارب والحوار وتبادل وجهات النظر، بين المسؤولين عن تربية وإعداد الأجيال القادمة ورجال الاقتصاد والمال والأعمال.
من أجل أن تتبلور الأطر والأفكار، لمشاركة القطاع الخاص، وإدخال إمكاناته المالية والعملية، في الدورة الإنتاجية الوطنية بما يرجع على الدولة مجتمعا واقتصادا بالخير والمنفعة. وهذا لا يعني أن القطاع الخاص، حينما يشرك رأسماله في الحركة الاقتصادية الوطنية قد بعثرها أو عرضها للتلف والضياع بل جعلها تخدم وطنه ومجتمعه وذاته في آن واحد.
كما أن الواجب الوطني، يحتم على صاحب الرأسمال، أن يجعله يخدم ويتوالد في وطنه، بما ينفع مجتمعه واقتصاده الوطني.
وفي هذا الإطار، من الضروري أيضا، توجيه الرأسمال الوطني إلى عملية الإنتاج، مما يخدم حاضر الإنسان ومستقبله، مجتمعه ووطنه في آن واحد.
ولعل حجر الأساس لهذه المسألة، هو زيادة الوعي الاقتصادي، وترشيد الاستهلاك، الذي هو نمط في التعامل مع النعم والثروات، يتوجه إلى إنماء النعم والثروات، عن طريق العمل على تركيز هذه النعم، وتحويلها إلى مصادر دخل دائمة لصالح العائلة والمواطن المستهلك، وبهذا تشارك هذه الثروات والإمكانات، في رفع المستوى الاقتصادي للوطن والمواطنين.
فترشيد الاستهلاك، ليس عملية سلبية، بمعنى أن يمتنع المواطن عن مجموعة من التصرفات المالية والاقتصادية، إنما هو عملية إيجابية، تسعى نحو تثبيت نمط حضاري للتعامل مع الثروات والنعم التي يمتلكها الأفراد.
وقوام هذا النمط الحضاري، هو نقل هذه الثروات والإمكانات، من دائرة الاستهلاك إلى دائرة الإنتاج، بما يخدم نفسه وأهله ومستقبله، ومجتمعه ووطنه.
لهذا فإن المقصود بعملية ترشيد الاستهلاك، هو تنمية الثروات المتوفرة في أيدي المواطنين، بما يخدم الجميع.
فترشيد الاستهلاك في حقيقته وجوهره، هو عملية موازنة فذة، بين الفردية والمواطنة.
التعليم والعملية الاجتماعية:
ان التعليم ليس مفصولا عن العملية الاجتماعية، وإنما هو جزء منها. لذلك ينبغي أن تنبع فلسفة التعليم وخلفيته الأكاديمية من حاجات المجتمع الجوهرية، حتى يكون هناك الانسجام التام، بين ما يأخذه الإنسان في قاعات الدرس، وما يجده في الشارع.
من هنا فإن التعليم بمراحله المختلفة يتجه نحو صنع المحيط الاجتماعي الذي يحتضن القواعد النفسية والعقلية لاستيعاب برامج التنمية وخطواتها المختلفة. وبهذا فإن التعليم في حقيقته وجوهره، ليس هو تلك الدروس اليومية التي يأخذها الطالب في المدرسة فحسب. بل هو قبل ذلك، فلسفة كاملة، تسهم في بنائها وتحقيقها كل المواد الدراسية والمعارف والممارسات، التي تبدأ مع الفرد ابتداء من طفولته، التي تغرس فيها بذور مستقبل حياته السلوكية، وتنمي فيها حواسه، ومرورا بكل موارده الثقافية والعلمية والتدريبية، وانتهاء بمجموعة الخبرات والمسالك المتراكمة التي يتحصل عليها في شيخوخته، وينقلها إلى الأجيال المتداخلة من بعده.
ربط العملية التعليمية بحاجات التنمية والاقتصاد الوطني:
من الثابت أن العملية التعليمية، تشكل الوعاء الحاضن لمجموع الطاقات ذات الفعل الايجابي على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، إذ أن التعليم يسعى إلى تشكيل الإرادات، واكتشاف المواهب، والتعرف من قرب على القابليات والميول، والعمل وفق خطة مدروسة، يمكن بها تزويد هذه الطاقات الفتية، بالمهارات التي تمكن المرء من الارتقاء بالكفاءة والعطاء الفعلي.
فالتعليم يعتبر ركيزة أساسية، من ركائز التطور والبناء، لأنه ينمي الكفاءات الوطنية، ويرفع من مستوى أدائها.
وتشير تقديرات في بعض الدول بأن: (90% من مخرجات التعليم لا علاقة لها بسوق العمل)، مما يثير الكثير من الأسئلة الملحة التي تبحث عن إجابات، وتحديد المسؤولية عن ذلك.
لأن استمرار الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات السوق والاقتصاد الوطني، يفضي إلى العديد من المشكلات التنموية والاقتصادية والاجتماعية.
وأن المطلوب وطنيا هو بلورة استراتيجية وطنية متكاملة، تؤدي إلى الانسجام التام بين مخرجات التعليم ومتطلبات السوق.
وكل الدول المتقدمة تخطط بدقة إلى هذا الأمر، وتدفع الكثير من الإمكانات المادية والبشرية، من أجل عملية التناغم المنشودة بين التعليم ومخرجاته والسوق وحاجاته ومتطلباته.
وقد لعب التعليم الأكاديمي والفني والمهني، دورا حيويا في مسيرة تقدم الأمم والشعوب، بحيث أنه لم تتقدم أمة، أو يتطور مجتمع، إلا على قاعدة تطور مستوى التعليم فيه.
لذلك من الضروري ربط العملية التعليمية، بحاجات ومتطلبات مشروع التنمية والاقتصاد الوطني، حتى يتحقق النمو المتوازن، والتطور المتكافئ، بين مختلف القطاعات والمجالات.



اضف تعليق