كلمتان مضيئتان أضاءتا تاريخ العالم

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

يقدم المقال قراءة تحليلية وفكرية لإحدى المحاضرات الإرشادية للمرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، متناولاً مفهومي العدل والعفو بوصفهما الركنين الأساسيين لبناء المجتمع الفاضل واستقرار الدول. ويبرز المقال المنهج التطبيقي للنبي الأعظم (ص) وأهل بيته (ع) والعلماء الأبرار في تحويل هذه القيم إلى واقع عملي...

(العدل والعفو. كلمتان مضيئتان، أضاءتا التاريخ حيثما وجدهما وأظلم حيثما افتقدهما)

سماحة المرجع الشيرازي

الدنيا بطبيعتها دارُ أهواء ومصارعُ مشكلات، لا تستقر على حال ولا تصفو لأحد، إذ يلتقي فيها البشر وهم شتى في اتجاهاتهم، متفرقون في ميولهم، ومختلفون في شهواتهم وما تكنّه نفوسهم من نزعات وطباع، هذا التباين الطبيعي يجعل من التدافع والاصطدام أمراً واقعاً لا مفر منه إذا تُرِكت النفوس لأهوائها المطلقة دون ضابط يوجهها أو ميزان يزن نزعاتها.

وهنا تبرز أهمية القاعدة الحاكمة والاستقامة العامة التي تضبط حركة المجتمع، فعندما يغدو الخط العام القائم بين الناس مبنياً على روح العدل وإنصاف الحقوق، مقترناً بفضيلة العفو والتسامح عند القدرة، تتغير معادلة الحياة اليومية شكلاً ومضموناً لأن إقامة العدل تؤمن الأفراد على حقوقهم وتكسر شوكة الظلم والتعدي، بينما يمتص العفو ضغائن النفوس ويطفئ جمر الانتقام، فيتكاملان ليشكلا حصناً منيعاً بوجه شرور النفس البشرية وتقلباتها.

وحين تسود هذه القواعد السامية، تنحسر دوافع الانحراف، وتهبط نسبة الجريمة والمخالفات إلى أدنى مستوياتها في الدنيا لأن الظلم الذي يولد الحقد يزول، والحاجة التي تدفع إلى الطغيان تتلاشى، وفي المقابل، تتسع المساحات لنمو الصلاح والخير، فيثمر الاستقرار أمناً نفسياً واجتماعياً يتيح للبشر توجيه طاقاتهم وميولهم المختلفة نحو البناء والارتقاء بدلاً من الصراع والشتات.

سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة العدل والعفو:

(الدنيا هي دنيا أهواء ومشاكل، والبشر في الدنيا مختلفون في اتجاهاتهم وفي ميولهم وفي شهواتهم وفي نفوسهم. فإذا كان الخط العام هو العدل والعفو، تتنزّل الجريمة إلى أقل ما يمكن أن يكون في الدنيا، وينمو الصلاح كأكثر ما يمكن أن يكون في الدنيا).

وقد تجلى منهج الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والعترة الطاهرة صلوات الله عليهم، وسار على دربهم العلماء الأبرار، في جعل العدل والعفو ركنين أساسيين في مسيرتهم العملية والتطبيقية، ولم تكن هذه القيم مجرد شعارات يُمرّ عليها، بل كانت سلوكاً يومياً ثابتاً أمروا به وألزموا به أنفسهم، وطبقوه بدقة في شتى جوانب حياتهم الفردية والاجتماعية والحاكمة. 

كيف تتسع دوائر الخير والصلاح؟

حيث أقاموا القسط بين الناس دون تمييز، وقابلوا الإساءة بالصفح الجميل والعفو عند القدرة، فأرسوا بذلك نموذجاً إنسانياً فريداً، وبمقدار التزامهم وتطبيقهم الراسخ لهذين الأصلين، اتسعت دوائر الخير العام وانتعشت قيم الصلاح في الأمة، وفي المقابل شهدت المجتمعات انحساراً ملموساً لدوافع الشر، فبتلك النسبة العالية من العدل والتسامح تنزلت الجريمة إلى أدنى مستوياتها الممكنة في الحياة الدنيا.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله والعترة الطاهرة صلوات الله عليهم والعلماء الأبرار، تبعاً لأهل البيت صلوات الله عليهم، مارسوا العدل والعفو، وأمروا بهما، وعملوا بهما، وطبّقوهما على حياتهم في جوانب مختلفة، وبتلك النسبة كان الخير العام، وكانت الجريمة قد تنزّلت إلى أقلّ ما يمكن أن يكون في الدنيا).

إن رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو سيّد الأولين والآخرين، جسّد أسمى صور العدل والعفو في كل شؤون حياته، محوّلاً هذه القيم إلى واقع عملي مشهود. فلم يفرق في تطبيق العدل بين قريب وبعيد، ولا بين صديق وعدو، بل أقام القسط بحزم ومساواة في حالتي السلم والحرب، وفي مئات الموارد والمواقف التي سجلها التاريخ. 

لقد كان حلمه وعفوه يتسعان للجميع، فتعامل بالأخلاق العالية مع المؤمنين الأتقياء، ورعاهُم بعطفه وعدله، وفي الوقت ذاته قابل إساءات المنافقين وجفاءهم بالصفح والحلم، ممتنعاً عن الانتقام لنفسه، وفتحاً لأبواب الرحمة. وبفضل هذا النهج المتكامل الذي جمع بين العدل الذي يحفظ الحقوق والعفو الذي يستلت الضغائن، استطاع صلى الله عليه وآله أن يبني مجتمعاً تسوده الرحمة، وتهبط فيه النزاعات والجريمة إلى أدنى مستوياتها.

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:

(لقد طبّق رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو سيّد الأولين والآخرين، العدل والعفو، في كل أموره، مع الصديق ومع العدو، وفي السلم وفي الحرب، لا في مورد أو في عشرات الموارد بل المئات من الموارد، مع المؤمنين والأتقياء، ومع المنافقين أيضاً).

وقد تميز أسلوب رسول الله صلى الله عليه وآله بالجمع الفذ بين العدل الناجز والعفو الشامل في مواجهة المشاكل والأزمات، فكان يزن الأمور بميزان الحق ويقابل الإساءة بالصفح والرحمة. وعلى هذا النهج القويم سارت العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، متخذين من العدل مسلكاً ومن العفو خلقاً، وتأسّى بهم العلماء الأبرار والتابعون بإحسان عبر التاريخ.

أهمية الجمع بين العدل والعفو 

وعند تصفح صفحات الماضي، تتجلى حقيقة ناصعة وهي: كلما حَضر العدل والعفو في واقع الأمة، عمّ الخيرُ والسلام والاستقرار وانتشر الصلاح، وحينما يُفقد هذان الركنان، يحل الشقاء ويسود الشر والظلم، ليبقى العدل والعفو الصمام الأساسي لأمن المجتمعات وسعادتها.

وهذا ما يؤكده سماحة المرجع الشيرازي قائلا:

(في كل المشاكل، كان أسلوب رسول الله صلى الله عليه وآله العدل والعفو. وهكذا كانت العترة الطاهرة صلوات الله عليهم. وكذلك من تبع النبي والعترة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين، سار على ذلك. وعندما نتصفّح التاريخ نجد مع وجود العدل والعفو، يكون الخير عامّاً للجميع، ومع افتقادهما يكون الشرّ عامّاً للجميع).

إن استعراض واقع العديد من الحكومات في زماننا والعهد القريب منا، ممن تحكم باسم الإسلام وشعوبها مسلمة وتطبق أحكام المسلمين الظاهرية، يكشف عن مفارقة مؤلمة، إذ يلاحظ المتابع تراجعاً حاداً في ممارسة العدل والعفو، حتى يوشك أن يهبط مستواهما إلى ما تحت الصفر. فبدلاً من الاستنارة بهدي النبي وآله الأطهار في إقامة القسط وشيوع التسامح، طغت المصالح الضيقة وتغولت النزاعات، وغاب الإنصاف في حل المشاكل. 

هذا الغياب للعدل الناجز والعفو الشامل أدى إلى تفاقم الأزمات وانتشار الشقاء والفقر، مؤكداً أن الانتماء الشكلي والشعارات البراقة لا تكفي لبناء مجتمع صالح وقويم، ما لم يتحول العدل والتسامح إلى واقع عملي يلمسه الناس.

لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(إذا استعرضنا حتى في زماننا وفي الزمان القريب منّا، وهي الحكومات التي تحكم باسم الإسلام، وشعوبها مسلمة، ولها أحكام المسلمين، مع ذلك كيف ترى العدل والعفو فيها؟ وذلك يكاد يكون تحت الصفر!).

إن المدينة الفاضلة تتحقق حين يعزم الجميع، كلٌّ في مقامه ومسؤوليته، على اتخاذ العدل والعفو منهجاً راسخاً في التعامل اليومي، فالعائلة، والأقرباء، وزملاء الوظيفة والحديث في مقاعد الدراسة، يحتاجون إلى ميزان الحق وصفح النفوس لانتظام حياتهم. 

وهاتان الكلمتان المضيئتان لم تكونا مجرد مفهومين نظريين، بل هما منارتان أضاءتا صفحات التاريخ في كل عصر وحين وُجدتا فيه، بينما أظلمت العصور وسادت الضغائن والشقاء حيثما افتُقدتا. ولذا ينبغي لكل فرد أن يبدأ بنفسه ودائرته المقربة، ليكون العدل والتسامح أساساً متيناً تُبنى عليه مجتمعات فاضلة، ويسود بها الخير والسلام الشامل.

يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(بلى، هكذا تتحقّق المدينة الفاضلة، فينبغي للجميع، كل في مجاله ومقداره، أن يعزم على العدل والعفو، بالنسبة إلى من حوله من عائلة وأقربائه وزملائه، أو ممن يعيشون مع بعض، في وظائف خاصّة، أو دراسة خاصّة، عليهم أن يعزموا على العدل والعفو. فهاتان الكلمتان المضيئتان، أضاءتا التاريخ حيث ما وجدهما، وأظلم التاريخ حيث ما افتقدهما).

إذن يمكن أن تتحقق المدينة الفاضلة وتترسخ بواقع من السلم والصلاح حين يستقر العدل والعفو كمنهج حكيم في التعامل مع أهواء النفوس ومشاكلها، فقد جسد النبي وآله صلوات الله عليهم، والعلماء هذا المبدأ سلوكاً عملياً فانحسرت الجريمة وعم الخير، بينما يؤدي غيابهما في الواقع المعاصر إلى شيوع الشر والأزمات، مما يتطلب عزماً فردياً وجماعياً لتطبيقهم، لاسيما من الحكومات التي لابد أن تجعل من العدل والعفو معيارا لضبط الحكم والدولة.

اضف تعليق