سيرة الإمام العسكري تقدِّم درسًا خالدًا في الحكمة والثَّبات، وحسن إدارة الأزمات، وحماية المبادئ، وتربية الأتباع، واستشراف المستقبل؛ إذ استطاع، في ظلِّ أقسى الظُّروف، أن يحفظ امتداد مدرسة أهل البيت، وأن يهيِّئ شيعته للتحوُّل من مرحلة الحضور المباشر للإمام إلى مرحلة الغيبة، واضعًا الأسس التي تكفل استمرار الارتباط بالهداية...
شهد عصر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أحداثًا جسامًا اتَّسمت بالظُّلم والاستبداد وسفك الدِّماء، في ظلِّ سعي السُّلطة الحاكمة إلى القضاء على امتداد نور أهل البيت (عليهم السلام)، خشية تحقُّق الوعد الإلهي بولادة منقذ البشريَّة؛ الإمام المهدي المنتظر (عجَّل الله تعالى فرجه الشَّريف). وفي خضم تلك الظُّروف العصيبة، اضطلع الإمام العسكري (عليه السلام) بأدوارٍ مصيريَّة، جسَّد فيها أسمى معاني الحكمة والصَّبر والقيادة، فكان له الأثر البالغ في حفظ الرِّسالة، وتوجيه الأمَّة، وتمهيد الطَّريق للوصول إلى الحقِّ والحقيقة.
ابتُلي الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بحكّامٍ عُرِفوا بالاستبداد والطُّغيان، استولوا على زمام الحكم ظلمًا وجورًا، وفرضوا عليه رقابةً مشدَّدةً، وضيَّقوا عليه أشدَّ التَّضييق. ومن أبرز الحكام الذين عاصرهم إبَّان إمامته ثلاثة من الخلفاء العبَّاسيين هم: المعتز العبَّاسي (حكم: 252 - 255هـ)، والمهتدي (حكم: 255 - 256هـ)، والمعتمد العبَّاسي (حكم: 256 - 279هـ) (1).
وقد تعرَّض الإمام (عليه السلام) خلال تلك الحقبة إلى شتَّى صنوف التَّضييق والتَّعذيب. وتذكر المصادر أنَّ جماعةً من العبَّاسيينَ دخلوا على صالح بن وصيف عندما كان الإمام أبو محمَّد الحسن العسكري (عليه السلام) معتقلًا لديه، وطالبوه بتشديد المعاملة عليه، قائلين: "ضَيِّقْ عَلَيْهِ، وَلَا تُوَسِّع" (2). ويكشف هذا الموقف عن حجم العداء الذي كانت تكنُّه السُّلطة العبَّاسيَّة للإمام (عليه السلام)، ومدى خشيتها من مكانته العلميَّة ونفوذه في نفوس المسلمين، الأمر الذي دفعها إلى إحكام الرقابة عليه، ومضاعفة وسائل التَّضييق والإيذاء بحقِّه. وممَّا يروى أنَّهم سلَّموا الإمام (عليه السلام) لأحد جلاوزتهم؛ ليسجنه ويعذبه، وربما رموا الإمام (عليه السلام) إلى السِّباع ليأكلنه!
وجاء في الرِّواية أنَّه سُلِّم أبو محمَّد العسكري (عليه السلام) إلى نحرير(3)، وكان يضيِّق عليه ويؤذيه، فقالت لـه امرأته: اتق الله فإنَّك لا تدري من في بيتك، وذكرت لـه صلاحه وعبادته، وقالت: إنِّي أخاف عليك منه.
فقال: والله لأرمينه للسِّباع. ثمَّ استأذن في ذلك، فأذن لـه، فرمى به إليها، ولم يشكوا في أكلها لـه، فنظروا إلى الموضع ليعرفوا الحال، فوجدوه (عليه السلام) قائماً يصلِّي، وهي حوله، فأمر بإخراجه إلى داره(4).
وتشير المصادر التَّاريخيَّة إلى أنَّ الاضطهاد بلغ في بعض المراحل مستوىً بالغ القسوة، ولا سيَّما في العصر العبَّاسي؛ إذ رُويت أخبار عن دفن بعض الموالين أحياءً، أو وضعهم داخل الأسطوانات والبناء عليهم، في مشاهد تعكس حجم العنف الذي مورس بحقِّهم، في إطار سياسةٍ تهدف إلى بثِّ الرُّعب في نفوس أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، ومنع انتشار نهجهم(5).
يقول أحمد بن عبيد الله بن خاقان نقلًا عن أبيه؛ وهما من ولاة بني العبَّاس ومن أعداء أهل البيت (عليهم السلام): "إِنَّ السُّلْطَانَ... جَرَّدَ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ فِي الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ أَبَاكَ وَأَخَاكَ أَئِمَّةٌ؛ لِيَرُدَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْه"(6).
وممَّا يبيِّن لنا بعض تلك الظُّروف القاسية، ما ورد في الحديث الشَّريف عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) حيث يأمر بعض شيعته بأن لا يُعرِّف نفسه، ولا يعلن عن معتقده، ويسكت حتَّى على شتم الإمام (عليه السلام)؛ لكي لا يُعتقل؛ روي أنَّه أرسل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) إلى داود بن الأسود: "إِذَا سَمِعْتَ لَنَا شَاتِمًا؛ فَامْضِ لِسَبِيلِكَ الَّتِي أُمِرْتَ بِهَا، وَإِيَّاكَ أَنْ تُجَاوِبَ مَنْ يَشْتِمُنَا، أَوْ تُعَرِّفَهُ مَنْ أَنْتَ" (7).
وتكشف بعض الرِّوايات الشَّريفة جانبًا من واقع القمع والمراقبة الذي كان يخيِّم على حياتهم في ظلِّ السُّلطة العبَّاسيَّة. ومن تلك الرِّوايات ما ينقل صورةً واضحة عن شدَّة التَّضييق الذي واجهه الإمام (عليه السلام) وأتباعه: قال الإمام العسكري (عليه السلام) لشيعته: "أَمَرْنَاكُمْ بِالتَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ وَنَحْنُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ، وَالْآنَ نَأْمُرُكُمْ بِالتَّخَتُّمِ فِي الشِّمَالِ لِغَيْبَتِنَا عَنْكُمْ، إِلَى أَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ أَمْرَنَا وَأَمْرَكُمْ؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَيْكُمْ فِي وَلَايَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ". فخلعوا خواتيمهم من أيمانهم بينَ يديهِ، ولبسوهَا في شمائِلهم، وقال (عليه السلام) لـهم: حدِّثُوا بِهذَا شِيعَتَنا"(8).
وهذه الرِّواية تدلُّ على نقطتين:
النُّقطة الأولى: التَّختُّم باليمين من السُّنن التي واظب عليها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وحثَّ أهل البيت (عليهم السلام) على الاقتداء به في ذلك؛ تأسِّيًا به وامتثالًا لقوله (تعالى): (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْاخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيراً)(9)؛ ومن الرِّوايات الدالَّة على استحباب التَّختُّم باليمين ما رُوي عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليهما السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، في وصيَّة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: "يَا عَلِيُّ تَخَتَّمْ بِالْيَمِينِ؛ فَإِنَّهَا فَضِيلَةٌ مِنَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) لِلْمُقَرَّبِينَ. قَالَ: بِمَ أَتَخَتَّمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ بِالْعَقِيقِ الْأَحْمَرِ؛ فَإِنَّهُ أَوَّلُ جَبَلٍ أَقَرَّ لِلَّهِ (تَعَالَى) بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَلِيَ بِالنُّبُوَّةِ، وَلَكَ بِالْوَصِيَّةِ، وَلِوُلْدِكَ بِالْإِمَامَةِ، وَلِشِيعَتِكَ بِالْجَنَّةِ وَلِأَعْدَائِكَ بِالنَّارِ"(10). وتكشف هذه الرِّواية الشَّريفة عن أنَّ التَّختُّم باليمين يتجاوز كونه هيئةً ظاهريَّة، فهو سنَّةٌ نَبويَّةٌ ذات دلالةٍ تعبُّديَّة، حثَّ أهل البيت (عليهم السلام) على المحافظة عليها، والاقتداء بالنَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) فيها.
النُّقطة الثَّانية: يبدو أنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وشيعته في ذلك الوقت كانوا يعيشون حالة من التَّقية، بحيث معرفة أيِّ شخص أنَّه من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) قد يعرِّضه للقتل أو التَّعذيب أو السجن بحيث إنَّ الإمام (عليه السلام) أمرهم بجعل التَّختم في اليسار مع ما له من الثَّواب العظيم عند الله (تعالى) كما مرَّ في الحديث السَّابق، وهذا حكم واضح بالتَّقية التي ركَّز عليها المعصومون (عليهم السلام) في بعض الأزمنة التي مرَّت عليهم.
وأمام هذه الظُّروف القاسية والتَّحديات الكبيرة التي أحاطت بالإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وشيعته، اضطلع الإمام (عليه السلام) بأدوارٍ مهمةٍ ومواقفَ حكيمةٍ أسهمت في حفظ الرِّسالة، وصيانة عقائد الأمَّة، ومواجهة سياسات القمع والتَّضييق التي مارستها السُّلطة العبَّاسيَّة، ويمكن إجمال أبرز تلك الأدوار فيما يأتي:
الدَّور الأوَّل: الدِّفاع عن القرآن الكريم
حاولت القوى المعادية لنهج أهل البيت (عليهم السلام) تسخير مختلف الوسائل والإمكانات من أجل تحريف معارف القرآن الكريم، والطَّعن في مضامينه، ونشر الشُّبهات حوله بين النَّاس. إلَّا أنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) تصدَّى لهذه المحاولات بقوَّة الحجَّة وسلامة المنهج، ففَنَّد شبهاتهم، وردَّ أباطيلهم، وأسهم في حفظ المعارف القرآنيَّة من خلال ما قدَّمه من بيانٍ وتفسيرٍ كان مصدر هدايةٍ ونورٍ للمؤمنين، في مواجهة ظلمات الانحراف والجهل التي حاولت بعض الجهات نشرها.
روي: "أنَّ إسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه، فأخذ في تأليف كتاب سمَّاه بـ(تناقض القرآن)، وربما كان ذلك بإيعاز من الحكومة آنذاك؛ لأنَّهم أرادوا القضاء على الكتاب والعترة معًا، فشغل الكندي نفسه بذلك، وتفرَّد به في منزله، وأنَّ بعض تلامذته دخل يومًا على الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) فقال لـه أبو محمَّد (عليه السلام): أَمَا فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَرْدَعُ أُسْتَاذَكُمُ الْكِنْدِيَّ عَمَّا أَخَذَ فِيهِ مِنْ تَشَاغُلِهِ بِالْقُرْآنِ؟.
فقال التِّلميذ: نحن من تلامذته، كيف يجوز منَّا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره؟
فقال لـه أبو محمَّد (عليه السلام): أَتُؤَدِّي إِلَيْهِ مَا أُلْقِيهِ إِلَيْكَ؟
قال: نعم.
قال (عليه السلام): فَصِرْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ فِي مُؤَانَسَتِهِ وَمَعُونَتِهِ عَلَى مَا هُوَ بِسَبِيلِهِ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْأُنْسَةُ فِي ذَلِكَ، فَقُلْ: قَدْ حَضَرَتْنِي مَسْأَلَةٌ أَسْأَلُكَ عَنْهَا، فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ مِنْكَ، فَقُلْ لَهُ: إِنْ أَتَاكَ هَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا الْقُرْآنِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِمَا تَكَلَّمَ مِنْهُ غَيْرَ الْمَعَانِي الَّتِي قَدْ ظَنَنْتَهَا أَنَّكَ ذَهَبْتَ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكَ: إِنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ؛ لِأَنَّهُ رَجُلٌ يَفْهَمُ إِذَا سَمِعَ، فَإِذَا أَوْجَبَ ذَلِكَ، فَقُلْ لَهُ: فَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ قَدْ أَرَادَ غَيْرَ الَّذِي ذَهَبْتَ أَنْتَ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ وَاضِعاً لِغَيْرِ مَعَانِيهِ.
فصار الرَّجل إلى الكندي، وتلطف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة.
فقال لـه: أعد عليَّ. فأعاد عليه. فتفكَّر في نفسه، ورأى ذلك محتملًا في اللغة، وسائغًا في النَّظر، فقال: أقسمت إليك إلَّا أخبرتني من أين لك؟
فقال: إنَّه شيء عرض بقلبي، فأوردته عليك.
فقال: كلَّا ما مثلك من اهتدى إلى هذا، ولا من بلغ هذه المنزلة، فعرِّفني من أين لك هذا؟
فقال: أمرني به أبو محمَّد العسكري (عليه السلام).
فقال: الآن جئت به، وما كان ليخرج مثل هذا إلَّا من ذلك البيت.
ثمَّ إنَّه دعا بالنَّار، وأحرق جميع ما كان ألَّفه"(11).
إنَّ ما فعله الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مع الكندي كان تعليمًا لمنهجٍ مهمٍّ في فهم النُّصوص، وهو: أنَّ الإنسان لا يصحّ له أن يحكم بوجود التَّناقض في كلامٍ ما قبل أن يتأكَّد من أنَّ المعاني المقصودة فيه متعارضة حقيقةً، لا أن يكون التَّعارض ناشئًا من سوء الفهم أو الاقتصار على معنى واحد محتمل.
فالكلام قد يحتمل أكثر من وجه، وقد يظنُّ الإنسان في البداية أنَّ فيه تعارضًا، ثمَّ إذا بحث وتأمَّل ظهر له أنَّ الإشكال كان بسبب فهمه الخاص للنَّص، لا بسبب النَّص نفسه. فلو قال شخص مثلًا: "رأيتُ فلاناً في مكانٍ ما"، وقال آخر: "لم أرَ فلاناً في ذلك المكان"، فقد يبدو للوهلة الأولى أنَّ بين الكلامين تناقضًا؛ ولكن عند السُّؤال يتبيَّن أنَّ الأوَّل رآه في الصَّباح، والثَّاني لم يره في المساء، فلا تعارض بينهما؛ لأنَّ كلًّا منهما يتحدَّث عن ظرفٍ مختلف.
وكذلك إذا أخبر شخص بأنَّ "العين تجري"، وأخبر آخر بأنَّ "العين لا تتحرك من مكانها"، فلا يصحّ الحكم بالتَّناقض حتَّى نعرف المراد من كلمة "العين"؛ فقد يكون الأوَّل يقصد عين الماء الجارية، والثَّاني يقصد عين الإنسان، فالتَّعارض هنا نشأ من تشابه اللفظ، واختلاف المعنى.
وهذا هو الأصل الذي أراد الإمام (عليه السلام) أن يلفت إليه نظر الكندي؛ فإنَّ ادِّعاء وجود التَّناقض في القرآن الكريم لا يصحّ بمجرَّد أن يقرأ الإنسان آيتينِ فيظنُّ أنَّ بينهما اختلافًا؛ بل لا بدَّ أوَّلًا من معرفة المراد الحقيقي من كلِّ آية، والنَّظر في سياقها وقرائنها، فقد يكون ما ظُنَّ تعارضًا هو في الحقيقة اختلاف في الموضوع، أو اختلاف في جهة الكلام، أو أنَّ أحد النَّصين يوضِّح الآخر، ويكمله.
ولهذا كانت كلمة الإمام (عليه السلام) سببًا في تغيير موقف الكندي؛ لأنَّه أدرك أنَّ بناءه على دعوى التَّناقض لم يكن قائماً على دليل قطعي، وكان على تفسيرٍ خاص احتمل غيره، فكان رجوعه عن الخطأ دليلًا على بقاء روح الإنصاف عنده، كما كان موقف الإمام (عليه السلام) شاهدًا على قدرته العلميَّة في معالجة الشُّبهات من جذورها، وتصحيح طريقة التَّفكير نفسها، لا بمجرَّد ردِّ النَّتائج.
ومن هنا يتَّضح أنَّ القرآن الكريم لا يقع فيه تناقض؛ وإنَّما قد يقع الوهم بالتَّناقض بسبب محدوديَّة فهم الإنسان، كما قال الله (تعالى): (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (12).
الدَّور الثَّاني: كشف الخداع وإبطال شبهات المضلِّلين
كان الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) امتدادًا لمنهج آبائه الطَّاهرين (عليهم السلام) في مواجهة محاولات التَّضليل والانحراف، فقد وقف موقف المدافع عن العقيدة الإسلاميَّة، وكشف زيف الشُّبهات التي كان يثيرها أعداء الإسلام من الكفَّار والمشركين والزَّنادقة، كما تصدَّى لمحاولات الخداع التي كانت تستهدف إضعاف يقين المسلمين، وزعزعة إيمانهم.
ومن الشَّواهد التي تكشف هذا الدَّور ما روي من موقف الإمام (عليه السلام) مع أحد الرهبان الذين حاولوا إيهام النَّاس بامتلاك قدرةٍ خارقة، وإثارة الشُّكوك في نفوس بعض المسلمين. وبيان ذلك حسبما ورد في التَّاريخ وكتب الحديث: "لما حبس قحط النَّاس بسر من رأى قحطا شَدِيدا، فَأمر الْخَلِيفَة الْمُعْتَمد ابْن المتَوَكل بِالْخرُوجِ للاستسقاء ثَلَاثَة أَيَّام، فَلم يسقوا فَخرج النَّصَارَى وَمَعَهُمْ رَاهِب، كلَّما مدَّ يَده إِلَى السَّمَاء هطلت، ثمَّ فِي الْيَوْم الثَّانِي كَذَلِك فَشك بعض الجهلة، وارتدَّ بَعضهم فشق ذَلِك على الْخَلِيفَة فَأمر بإحضار الْحسن (عليه السلام) الْخَالِص، وَقَالَ لَهُ: أدْرك أمَّة جدك رَسُول الله (صلَّى الله عليه وآله) قبل أَن يهْلكُوا، فَقَالَ الْحسن (عليه السلام): يخرجُون غَدا، وَأَنا أزيل الشَّك -إِن شَاءَ الله-، وكلَّم الْخَلِيفَة فِي إِطْلَاق أَصْحَابه من السجْن، فَأَطْلَقَهُمْ، فَلَمَّا خرج النَّاس للاستسقاء، وَرفع الرَّاهب يَده مَعَ النَّصَارَى غيمت السَّمَاء فَأمر الْحسن (عليه السلام) بِالْقَبْضِ على يَده، فَإِذا فِيهَا عظم آدَمِيّ فَأَخذه من يَده، وَقَالَ: استسق، فَرفع يَده، فَزَالَ الْغَيْم، وطلعت الشَّمْس، فَعجب النَّاس من ذَلِك، فَقَالَ الْخَلِيفَة لِلْحسنِ (عليه السلام): مَا هَذَا يَا أَبَا مُحَمَّد؟
فَقَالَ: هَذَا عظم نَبِي ظفر بِهِ هَذَا الرَّاهب من بعض الْقُبُور، وَمَا كشف من عظم نَبِي تَحت السَّمَاء إِلَّا هطلت بالمطر"(13).
وتكشف هذه الحادثة جانبًا مهمًا من دور الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في حماية عقيدة الأمَّة، فقد واجه (عليه السلام) محاولة تضليل النَّاس، وإثارة الشُّكوك في نفوسهم، وأدرك خطورة ما قد يترتب على انتشار هذه الحيلة من اضطرابٍ في أفكار بعض المسلمين، وضعفٍ في يقينهم.
فقد كان ظهور المطر على يد الرَّاهب سببًا في افتتان بعض الجهلة، وظنُّوا أنَّ ذلك دليلٌ على امتلاكه قدرةً خارقة أو صحَّة ما يدعو إليه، فجاء موقف الإمام (عليه السلام)؛ ليزيل الوهم الذي تعلَّق به النَّاس. فلم يكتفِ (عليه السلام) بإبطال ما ظهر من الرَّاهب؛ وإنَّما بيَّن السَّبب الذي مكَّنه من ذلك، وكشف الوسيلة التي اعتمد عليها في خداع العامَّة، فأظهر أنَّ ما حدث كان نتيجة لاستعماله عظم نبيٍّ من الأنبياء (عليهم السلام).
ويظهر من هذا الموقف عمق علم الإمام (عليه السلام) في مواجهة الشُّبهات، فقد عالج أصل المشكلة، وكشف مصدر الخداع، ممَّا أعاد إلى النَّاس ثقتهم بدينهم، وأبطل التَّأثير الذي أحدثته تلك الحيلة في نفوسهم. وهذا يثبت أنَّ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا المرجع الذي تلجأ إليه الأمَّة عند وقوع الفتن؛ لما امتازوا به من علمٍ يهدي إلى الحقِّ، ويكشف أساليب التَّضليل.
الدَّور الثَّالث: التَّركيز على ولاية أهل البيت (عليهم السلام)
من خصائص أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، أنَّهم الهداة والدَّليل إلى الله (تعالى) بعد الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)؛ فهم حبل الله (سبحانه) المتين، وصراطه المستقيم، ومثلهم في هذه الأمَّة كسفينة نوح (عليه السلام) من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق وهوى، وهم الصراط المستقيم بعد النَّبيِّ المصطفى (صلَّى الله عليه وآله)، وهم كهف الأنام.
وقد أكَّد الإمام العسكري (عليه السلام) في كثير من كلماته والرّوايات الواردة عنه على ولاية لأهل البيت (عليهم السلام) وضرورة التّمسّك بهديهم، وأداء حقوقهم التي جعلها الله (تعالى) لهم (عليهم السلام).
قال الإمام العسكري (عليه السلام): "قَدْ صَعِدْنَا ذُرَى الْحَقَائِقِ بِأَقْدَامِ النُّبُوَّةِ وَالْوَلَايَةِ، وَنُورُنَا سَبْعُ طَبَقَاتٍ، أَعْلَامُ الْفَتْوَى بِالْهِدَايَةِ، فَنَحْنُ لُيُوثُ الْوَغَى، وَغُيُوثُ النَّدَى، وَطَعَّانُ الْعِدَى، وَفِينَا السَّيْفُ وَالْقَلَمُ فِي الْعَاجِلِ، وَلِوَاءُ الْحَمْدِ وَالْحَوْضُ فِي الْآجِلِ، وَأَسْبَاطُنَا حُلَفَاءُ الدِّينِ وَخُلَفَاءُ النَّبِيِّينَ، وَمَصَابِيحُ الْأُمَمِ وَمَفَاتِيحُ الْكَرَمِ، فَالْكَلِيمُ أُلْبِسَ حُلَّةَ الِاصْطِفَاءِ لِمَا عَهِدْنَا مِنْهُ الْوَفَاءَ، وَرُوحُ الْقُدُسِ فِي جِنَانِ الصَّاقُورَةِ (14) ذَاقَ مِنْ حَدَائِقِنَا الْبَاكُورَةِ (15)، وَشِيعَتُنَا الْفِئَةُ النَّاجِيَةُ وَالْفِرْقَةُ الزَّاكِيَةُ، وَصَارُوا لَنَا رِدْءاً وَصَوْناً وَعَلَى الظَّلَمَةِ أَلْباً وَعَوْناً، وَسَيَنْفَجِرُ لَهُمْ يَنَابِيعُ الْحَيَوَانِ بَعْدَ لَظَى النِّيرَانِ"(16).
ومن ذلك ما جاء في كتابٍ له (عليه السلام) إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوري: "إِنَّ اللَّهَ بِفَضلِهِ وَمَنِّهِ لَمَّا فَرَضَ عَلَيكُم الفَرائِضَ، لَم يَفرِض عَلَيكُم لِحَاجَةٍ مِنهُ إلَيكُم؛ بَل بِرَحمَةٍ مِنهُ -لا إِله إِلَّا هُوَ- عَليكُم؛ لِيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيِّبِ وَلِيَبتَلِيَ مَا فِي صُدُورِكُم، وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلوبِكُم، وَلِتَتَسَابِقُونَ إِلَى رَحمَتِهِ، وَتَتَفَاضَلَ مَنَازِلُكُم فِي جَنَّتِهِ .
فَفَرَضَ عَلَيكُمُ الحَجَّ وَالعُمرَةَ، وَإِقَامَ الصَّلَاةِ، وَإيتاءَ الزَّكَاةِ، وَالصَّومَ، وَالوَلَايَةَ، وَكَفَاهُم لَكُم بَابَاً لِتَفتَحُوا أَبوَابَ الفَرَائِضِ، وَمِفتَاحَاً إِلَى سَبِيلِهِ، وَلَولَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (صلَّى الله عليه وآله) وَالأَوصِيَاءُ مِن بَعدِهِ، لَكُنتُم حَيَارَى كَالبَهَائِمِ لَاتَعرِفُونَ فَرضَاً مِنَ الفَرَائِضِ، وَهَل تُدخَلُ قَريَةٌ إِلَّا مِن بَابِهَا؟
فَلَمَّا مَنَّ اللَّهُ عَلَيكُم بِإِقَامَةِ الأَولِيَاءِ بَعدَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله)، قَالَ اللَّهُ (عزَّ وجلَّ) لِنَبِيِّهِ: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)(17)، وَفَرَضَ عَلَيكُم لِأَولِيَائِهِ حُقُوقَاً أَمَرَكُم بِأَدَائِهَا إِلَيهِم، لِيَحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءِ ظُهُورِكُم مِن أَزوَاجِكُم، وَأَموَالِكُم، وَمَآكِلِكُم، وَمَشَارِبِكُم وَمَعرِفَتِكُم بِذَلِكَ النِّمَاءِ، وَالبَرَكَةِ، وَالثَّروَةِ، وَليَعلَمَ مَن يُطِيعُهُ مِنكُم بِالغَيبِ، قَالَ اللَّهُ (عزَّ وجلَّ): (قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَىٰ)(18)"(19).
وفي حديث أبي هاشم الجعفري: أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) قال له مبيِّنًا منزلة أهل البيت (عليهم السلام): "مَا ظَنُّكَ بِقَوْمٍ مَنْ عَرَفَهُمْ عَرَفَ اللَّهَ، وَمَنْ أَنْكَرَهُمْ أَنْكَرَ اللَّهَ، فَلَا مُؤْمِنٌ إِلَّا وَهُوَ بِهِمْ مُصَدِّقٌ، وَبِمَعْرِفَتِهِمْ مُوقِنٌ"(20).
وفي حديث أبي هاشم الجعفري أيضًا، قال أبو هاشم: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي حِزْبِكَ، وَفِي زُمْرَتِكَ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: "أَنْتَ فِي حِزْبِهِ، وَفِي زُمْرَتِهِ؛ إِنْ كُنْتَ بِاللَّهِ مُؤْمِناً، وَلِرَسُولِهِ مُصَدِّقاً، وَبِأَوْلِيَائِهِ عَارِفاً، وَلَهُمْ تَابِعاً، ثُمَّ أَبْشِر"(21).
وفي حديث آخر عن الحسن بن ظريف، قال: "كَتَبْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ أَسْأَلُهُ مَا مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلَّى الله عليه وآله) لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ؟ قَالَ: أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَماً يُعْرَفُ بِهِ حِزْبُ اللَّهِ عِنْدَ الْفُرْقَةِ"(22).
ومن هذه الرِّوايات الشَّريفة يتبيَّن أنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) سعى إلى ترسيخ مفهوم الولاية والإمامة لأهل البيت (عليهم السلام) بوصفها أصلًا معرفيًّا وعقديًّا، يبيِّن منزلتهم (عليهم السلام)، ويمتدُّ إلى حفظ هوية الإسلام من التَّحريف والانحراف. فالتَّمسك بالعترة الطَّاهرة (عليهم السلام)، كما أكَّد الإمام (عليه السلام)، هو الامتداد العملي للتَّمسك بالقرآن الكريم؛ إذ يشكِّلان معًا مصدر الهداية الإلهيَّة، ولا تنفصل هداية أحدهما عن الآخر. ومن ثمَّ، فإنَّ دعوة الإمام (عليه السلام) إلى ولاية أهل البيت (عليهم السلام) كانت تهدف إلى بناء أمَّةٍ واعية تستقي معارفها من المنبع الذي جعله الله (تعالى) ورسوله (صلَّى الله عليه وآله) ميزانًا للحقِّ، وحصنًا من الفتن، وطريقًا إلى النَّجاة في الدُّنيا والآخرة.
الدَّور الرَّابع: الحفاظ على شيعة أهل البيت (عليهم السلام)
لم تُثنِ الظُّروف القاسية التي عاشها الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عزيمته عن أداء رسالته في هداية شيعته ورعايتهم؛ فظلَّ يفيض عليهم من علوم القرآن الكريم، ويبيِّن لهم أحكامه وتعاليم الإسلام وشريعته، ويهديهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وما يضمن لهم الفوز والسَّعادة في الدَّارينِ. وفي وصيَّته إلى شيعته يحدِّد الإمام العسكري (عليه السلام) المنهج الذي ينبغي عليهم أن يتبعوه في تلك الظُّروف الصَّعبة: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالْوَرَعِ فِي دِينِكُمْ، وَالِاجْتِهَادِ للهِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، وَطُولِ السُّجُودِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، فَبِهَذَا جَاءَ مُحَمَّدٌ (صلَّى الله عليه وآله)، صَلُّوا فِي عَشَائِرِهِمْ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ، وَعُودُوا مَرْضَاهُم، وَأَدُّوا حُقُوقَهُمْ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ، وَصَدَقَ فِي حَدِيثِهِ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ هَذَا شِيعِيٌّ؛ فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ.
اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا زَيْناً وَلَا تَكُونُوا شَيْناً، جُرُّوا إِلَيْنَا كُلَّ مَوَدَّةٍ، وَادْفَعُوا عَنَّا كُلَّ قَبِيحٍ؛ فَإِنَّهُ مَا قِيلَ فِينَا مِنْ حُسْنٍ فَنَحْنُ أَهْلُهُ وَمَا قِيلَ فِينَا مِنْ سُوءٍ فَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ، لَنَا حَقٌّ فِي كِتَابِ اللهِ وَقَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَتَطْهِيرٌ مِنَ اللهِ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ غَيْرُنَا إِلَّا كَذَّابٌ، أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ وَذِكْرَ المَوْتِ وَتِلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، احْفَظُوا مَا وَصَّيْتُكُمْ بِهِ وَأَسْتَوْدِعُكُمُ اللهَ وَأَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَام"(23).
وتعكس هذه الرِّسالة منهج الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في حفظ شيعته من خلال بناء الإنسان المؤمن علمًا وعملًا، وترسيخ القيم التي تُجسِّد رسالة أهل البيت (عليهم السلام) في الواقع. فكانت وصاياه برنامجًا تربويًّا متكاملًا يربط بين العقيدة والعبادة والأخلاق، ويؤسِّس لمجتمعٍ مؤمنٍ ثابتٍ على مبادئه، حسنِ السِّيرة بين النَّاس.
الدَّور الخامس: التَّركيز على الشَّعائر الدِّينيَّة
سار الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) على نهج آبائه الطَّاهرين (عليهم السلام) في ترسيخ الشَّعائر الدِّينيَّة والمحافظة عليها؛ إذ أولاها عنايةً كبيرةً بوصفها من أبرز مظاهر الارتباط بالله (تعالى) والولاء لأهل البيت (عليهم السلام). وقد أكَّد (عليه السلام) إحياء أمرهم، والحثَّ على إقامة الشَّعائر الحسينيَّة ومجالس العزاء، وإظهار الحزن في مصابهم، وأقرَّ بعض مظاهر الجزع المشروعة، كشقِّ الجيب في مصابهم (عليهم السلام)، لما تحمله هذه الشَّعائر من معانٍ إيمانيَّة وتربويَّة تُجسِّد الارتباط بنهجهم، وتُسهم في حفظ رسالتهم وإحياء ذكرهم في نفوس المؤمنين؛ فقد روي أنَّه "خَرَجَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) فِي جَنَازَةِ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) وَقَمِيصُهُ مَشْقُوقٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَوْنٍ الْأَبْرَشُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ (عليه السلام): يَا أَحْمَقُ مَا أَنْتَ وَذَاكَ، قَدْ شَقَّ مُوسَى عَلَى هَارُونَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: وَإِنَّكَ لَا تَمُوتُ حَتَّى تَكْفُرَ، وَيَتَغَيَّرَ عَقْلُكَ، فَمَا مَاتَ حَتَّى حَجَبَهُ ابْنُهُ عَنِ النَّاسِ، وَحَبَسُوهُ فِي مَنْزِلِهِ فِي ذَهَابِ الْعَقْلِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ" (24).
الدَّور السَّادس: التَّمهيد للغيبة
تُشكِّل قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) في عهد الإمام العسكري (عليه السلام) محورًا بالغ الأهميَّة في الفكر الإسلامي، ولا سيَّما لدى أتباع أهل البيت (عليهم السلام). وقد اكتسبت هذه القضيَّة مزيدًا من الحساسيَّة في ظلِّ الظُّروف السِّياسيَّة والأمنيَّة المعقَّدة التي أحاطت بالإمام العسكري (عليه السلام)؛ إذ اشتدَّت الرقابة عليه وتزايدت حدَّة التَّضييق كلَّما اقترب موعد ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، وما ارتبط بها من مسألة الغيبة وما تفرضه من تدابير خاصَّة لحفظ الإمام المنتظر (عليه السلام) وصيانة أمره.
وكانت المهمَّة التي اضطلع بها الإمام العسكري (عليه السلام) في هذا المجال بالغة الصُّعوبة والدقَّة؛ فهو والد الإمام الثَّاني عشر (عليه السلام)، وقد تحمَّل الجانب الأكبر من مسؤوليَّة التَّمهيد لمرحلة الغيبة، وترسيخ هذا المبدأ في أذهان أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في ظرفٍ سياسيٍّ شديد التَّعقيد. فقد أحكمت السُّلطة الحاكمة رقابتها على الإمام (عليه السلام)، وسعت إلى الحدِّ من صلته بأصحابه ومواليه، وعملت على عزلِه عن محيطه، فضلًا عن وقوفها في مواجهة كلِّ ما يتعلَّق بمستقبل الإمامة، ولا سيَّما مسألة الغيبة التي كانت تُمهِّد لها الظروف القائمة آنذاك. ويمكن إجمال أبرز أعمال الإمام العسكري (عليه السلام) في هذا المجال في الآتي:
1. التَّمهيد لأسلوب الاحتجاب والارتباط بالوكلاء
اعتمد الإمام العسكري (عليه السلام)، كما سبقه إلى ذلك أبوه الإمام الهادي (عليه السلام)، أسلوبًا في التَّعامل مع الشِّيعة يقرِّبهم تدريجيًّا من النَّمط الذي سيشهده عصر الغيبة؛ فقلَّل من الاتِّصال المباشر بهم، وأوكل إلى عددٍ من أصحابه الموثوقين مهمَّة تبليغ الأحكام الشَّرعيَّة، واستلام الحقوق الماليَّة، ونقل المكاتبات والتَّواقيع الصادرة عنه إلى شيعته. ولم يكن هذا الأسلوب مجرَّد إجراءٍ فرضته الظُّروف؛ وإنَّما أسهم في تهيئة القواعد الشَّعبيَّة لقبول نمطٍ جديد من التَّواصل مع الإمام (عليه السلام)، يقوم على الواسطة الموثوقة والرُّجوع إلى الوكلاء في مختلف الشُّؤون.
وكانت المكاتبات والتَّواقيع من أبرز وسائل التَّواصل بين الإمام العسكري (عليه السلام) وشيعته؛ فكان أصحابه يبعثون إليه بما يعرض لهم من مسائل دينيَّة وشؤونٍ مختلفة، فيتولَّى الإمام (عليه السلام) الإجابة عنها كتابةً، ثمَّ يتكفَّل الوكلاء بإيصال تلك الأجوبة إلى أصحابها. وبذلك تكرَّس تدريجيًّا نمطٌ من العلاقة بين الإمام (عليه السلام) وأتباعه يعتمد على قنواتٍ منظَّمة من الاتِّصال، الأمر الذي أسهم في إعداد الشِّيعة للمرحلة التي ستليها، وما تقتضيه من التَّكيُّف مع ظروف الغيبة.
2. النصُّ على ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) والتَّعريف به في نطاقٍ محدود
من أبرز الخطوات التي اتَّخذها الإمام العسكري (عليه السلام) في التَّمهيد لقضيَّة ولده المهدي (عليه السلام) أن نصَّ عليه إمامًا من بعده، وأطلع على ولادته ونسبه طائفةً من أصحابه الموثوقين، ممَّن عُرفوا بقوَّة الإيمان، وثبات الموقف، وصدق الولاء، وجعل ذلك في إطارٍ بالغ الدقَّة؛ بحيث تتحقَّق الحجَّة على المؤمنين بولادته وإمامته، من دون أن ينكشف أمره للسُّلطة الحاكمة التي كانت تترقَّب ولادة الإمام الموعود وتتحرَّى الوصول إليه.
وروي أنَّه (عليه السلام) كان يتخيَّر لهذه المهمَّة الأقرب لقرابته والأولى لولايته وذوي الكرامة عند الله (سبحانه)، ومع ذلك يأخذ عليهم بالكتمان ويوصيهم بالستر والسِّريَّة. ففي كتابٍ له (عليه السلام) بخطِّه بعثه إلى أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري، جاء فيه: "وُلِدَ لنا مَوْلُودُ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَسْتُوراً، وَعَنْ جَمِيعِ النَّاسِ مَكْتُوماً، فَإِنَّا لَمْ نُظْهِرْ عَلَيْهِ إِلَّا الْأَقْرَبَ لِقَرَابَتِهِ وَالمَوْلَى لِوَلَايَتِهِ، أَحْبَبْنَا إِعْلَامَكَ لِيَسُرَّكَ اللهُ بِهِ كَمَا سَرَّنَا، وَالسَّلَام"(25).
وجاء في حديث آخر: "ياأَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ لَوْ لَا كَرَامَتُكَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى حُجَجِهِ مَا عَرَضْتُ عَلَيْكَ ابْنِي هَذَا، إِنَّهُ سَمِيُّ رَسُولِ اللَّهِ وَكَنِيُّهُ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً. يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ مَثَلُهُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلَ الْخَضِرِ (عليه السلام) وَمَثَلُهُ مَثَلُ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَاللَّهِ لَيَغِيبَنَّ غَيْبَةً لَا يَنْجُو مِنَ الْهَلَكَةِ فِيهَا إِلَّا مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ (تَعَالَى) عَلَى الْقَوْلِ بِإِمَامَتِهِ وَوَفَّقَهُ لِلدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ فَرَجِهِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ فَهَلْ مِنْ عَلَامَةٍ تَطْمَئِنُّ بِهَا قَلْبِي، فَنَطَقَ الْغُلَامُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ فَصِيحٍ، فَقَالَ: أَنَا بَقِيَّةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَالْمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَلَا تَطْلُبْ أَثَراً بَعْدَ عَيْنٍ يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ. قَالَ أَحْمَدُ: فَخَرَجْتُ فَرِحاً مَسْرُوراً، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَقَدْ عَظُمَ سُرُورِي بِمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلَيَّ، فَمَا السُّنَّةُ الْجَارِيَةُ فِيهِ مِنَ الْخَضِرِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ؟ قَالَ: طُولُ الْغَيْبَةِ يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ غَيْبَتَهُ لَتَطُولُ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّي حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِهِ، فَلَا يَبْقَى إِلَّا مَنْ أَخَذَ اللَّهُ عَهْدَهُ بِوَلَايَتِنَا، وَكُتِبَ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانُ، وَأَيَّدَهُ بِرُوحٍ مِنْهُ. يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ هَذَا أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَسِرٌّ مِنْ سِرِّ اللَّهِ، وَغَيْبٌ مِنْ غَيْبِ اللَّهِ، فَخُذْ ما آتَيْتُكَ، وَاكْتُمْهُ، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ، تَكُنْ مَعَنَا غَداً فِي عِلِّيِّينَ"(26).
ويفصح هذا الأسلوب عن دقَّة التَّدبير الذي اتَّبعه الإمام العسكري (عليه السلام) في التَّعريف بولده؛ فلم يكن المقصود مجرَّد الإعلان عن ولادته، وإنَّما إثبات وجوده وإمامته أمام جماعة من خواصِّ أصحابه، بما يحقِّق الحجَّة ويُرسِّخ اليقين، مع المحافظة في الوقت نفسه على سرِّيَّة أمره وصيانته من أعين السُّلطة العباسيَّة.
وبذلك عرَّف الإمام العسكري (عليه السلام) بالإمام الحجَّة (عليه السلام)، فأثبت ولادته، ونصَّ على إمامته، وأشهد عليها من خواصِّ أصحابه، بالقدر الذي تتحقَّق به الحجَّة وتطمئنُّ به نفوس المؤمنين، مع اتِّخاذ أقصى درجات الحيطة لحفظ الإمام المهدي (عليه السلام) من بطش السُّلطة الحاكمة، وتهيئة شيعته نفسيًّا وعقائديًّا للمرحلة التي ستبدأ بالغَيبة.
3. عرض الإمام العسكري (عليه السلام) ولده على جماعةٍ من خواصِّه
حرص الإمام العسكري (عليه السلام) على أن يطَّلع عددٌ من أصحابه الموثوقين وبعض خدم داره على ولده الإمام المهدي (عليه السلام)، ليكون ذلك أوثق في إثبات ولادته وأبلغ في إقامة الحجَّة على من يثبت له هذا الأمر. ولم يكن اطِّلاعهم عليه في وقتٍ واحد؛ ولكن تدرَّج بحسب الظُّروف ومقتضيات الحيطة والكتمان؛ فمنهم من رآه في أيَّام ولادته الأولى، ومنهم من شاهده بعد ذلك، ومنهم من أدركه في سنواتٍ لاحقة من عمره الشَّريف.
وقد شمل ذلك عددًا من الشخصيَّات التي كان لها موقعها في دائرة أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) وخواصِّه، ومنهم: أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري الذي رآه في سنته الثَّالثة، وحكيمة ابنة الإمام محمَّد الجواد (عليه السلام)؛ وهي عمَّة أبيه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وكانت قابلته، وحمزة بن أبي الفتح، وحمزة بن نصر غلام أبي الحسن (عليه السلام)، وأبو نصر ظريف الخادم، وجارية أبي علي الخيزراني، وأبو عمرو عثمان بن سعيد العمري، وعمرو الأهوازي، وأبو غانم الخادم، وكامل بن إبراهيم المدني، ومارية ونسيم وكانتا من خدم الدَّار، ويعقوب بن منقوش رآه حينما كان خماسيًّا(27).
ويُظهر هذا التنوُّع في الأشخاص والأوقات أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) لم يكتفِ بإخبار شخصٍ واحد عن ولادة ولده؛ وإنَّما حرص على أن يشهدها عددٌ من الموثوقين، بما يجعل أمر الإمام المهدي (عليه السلام) قائمًا على شهادةٍ ومعرفةٍ مباشرة لدى جماعةٍ من أهل الثِّقة، مع بقاء ذلك في نطاقٍ محدود تفرضه الظُّروف الأمنيَّة والسِّياسيَّة التي أحاطت بالإمام وولده (عليهما السلام).
4. بيان التَّكليف في مرحلة الغيبة
لم يقتصر دور الإمام العسكري (عليه السلام) على إثبات ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) والنصِّ على إمامته؛ وإنَّما امتدَّ إلى تهيئة الشِّيعة للتَّعامل مع المرحلة المقبلة، وبيان ما يترتَّب عليهم من واجبٍ عقائدي في زمن الغيبة. فكان يؤكِّد ضرورة معرفة الإمام (عليه السلام) والتَّمسُّك بإمامته، ويحذِّر من آثار الجهل به أو الانحراف في شأنه، كما نبَّه إلى طبيعة الغيبة وما سترافقها من امتحانٍ واضطرابٍ فكري، ولا سيَّما انتشار الشكوك والادِّعاءات الباطلة، وتحديد أوقات الظُّهور بغير علم.
ففي حديث محمَّد بن عثمان العمري، قال: "سمعت أبي يقول: سئل أبو محمَّد الحسن بن عليٍّ (عليه السلام) وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه: "أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً"، فَقَالَ (عليه السلام): إِنَّ هَذَا حَقٌّ كَمَا أَنَّ النَّهَارَ حَقٌّ، فَقِيلَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَنِ الْحُجَّةُ وَالْإِمَامُ بَعْدَكَ؟
فَقَالَ: ابْنِي مُحَمَّدٌ هُوَ الْإِمَامُ وَالْحُجَّةُ بَعْدِي، مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، أَمَا إِنَّ لَهُ غَيْبَةً يَحَارُ فِيهَا الْجَاهِلُونَ، وَيَهْلِكُ فِيهَا الْمُبْطِلُونَ، وَيَكْذِبُ فِيهَا الْوَقَّاتُونَ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْأَعْلَامِ الْبِيضِ تَخْفِقُ فَوْقَ رَأْسِهِ بِنَجَفِ الْكُوفَةِ" (28).
وتكشف هذه الرِّواية عن أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) كان يضع أتباعه أمام طبيعة المرحلة القادمة بوضوح؛ فالإيمان بالإمام الغائب (عليه السلام) لا ينفصل عن معرفة إمامته والثَّبات عليها، كما أنَّ مواجهة الشُّبهات والاضطرابات التي ستنشأ في عصر الغيبة تتطلَّب وعيًا مسبقًا بطبيعة هذا الامتحان، والحذر من دعاوى التَّوقيت والتَّخرُّص بشأن موعد الظُّهور. ومن ثمَّ كان هذا البيان جزءًا من عمليَّة التَّمهيد العقائدي والنَّفسي للشِّيعة، بما يعينهم على الثَّبات على الولاية في مرحلة الغيبة.
5. توجيه الشِّيعة إلى الرُّجوع إلى الفقهاء الجامعين للشَّرائط
من مظاهر التَّمهيد للمرحلة التي تلي عصر الحضور المباشر للإمام (عليه السلام)، أن وجَّه الإمام العسكري (عليه السلام) أتباعه إلى الرُّجوع في معرفة الأحكام الشَّرعيَّة إلى الفقهاء الذين تتوافر فيهم شروط العلم والاستقامة والتَّقوى، ولم يجعل هذا الرُّجوع قائمًا على مجرَّد الانتساب إلى الفقه أو التَّصدِّي للإفتاء؛ بل حدَّد جملةً من الصِّفات التي تؤهِّل الفقيه للمرجعيَّة، وفي مقدَّمتها صيانة النَّفس، وحفظ الدِّين، ومخالفة الهوى، والالتزام بطاعة الله (تعالى).
وقد بيَّن (عليه السلام) أنَّ أهل العامَّة يجوز لهم تقليد الفقيه الذي تتوافر فيه هذه الصِّفات، فقال: " فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ، حَافِظاً لِدِينِهِ، مُخَالِفاً لِهَوَاهُ، مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ. وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي بَعْضِ فُقَهَاءِ الشِّيعَةِ لَا جَمِيعِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ رَكِبَ مِنَ الْقَبَائِحِ وَالْفَوَاحِشِ مَرَاكِبَ فَسَقَةِ فُقَهَاءِ الْعَامَّةِ، فَلَا تَقْبَلُوا مِنْهُمْ عَنَّا شَيْئاً، وَلَا كَرَامَةَ لَهُمْ..." (29). ويُظهر بجلاء هذا النَّص الشَّريف عن وضع ضوابط واضحة للرُّجوع إلى أهل الاختصاص في الأحكام الشَّرعيَّة، بما يحفظ على المؤمن دينه ويقيه من اتِّباع من لا تتوافر فيه شروط الأمانة العلميَّة والأخلاقيَّة. كما أنَّه يمثِّل خطوةً مهمَّة في تهيئة الشِّيعة لمرحلةٍ يصبح فيها الرُّجوع إلى العلماء والفقهاء الجامعين للشَّرائط وسيلةً أساسيَّة لمعرفة الأحكام الشَّرعيَّة وإدارة شؤونهم الدِّينيَّة في ظلِّ غياب الإمام (عليه السلام).
6. ترسيخ ثقافة الصَّبر وانتظار الفرج
عمل الإمام العسكري (عليه السلام) على إعداد شيعته للمرحلة التي تلي عصره، بتعميق روح الصَّبر والثَّبات، وربطهم عقائديًّا ووجدانيًّا بالإمام المهدي (عليه السلام) وما يترقَّبونه من ظهوره وإقامة دولته. فانتظار الفرج كان في توجيهاته (عليه السلام) موقفًا إيمانيًّا يستلزم الثَّبات على الولاية، والاستمرار في العمل، وعدم الانحراف أو اليأس بسبب طول الغيبة وتأخُّر الظهور. ومن ذلك ما كتبه (عليه السلام) إلى أبي الحسن عليِّ بن الحسين بن بابويه القمِّي: "عليك بالصَّبر وانتظار الفرج، قال النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله): أَفْضَلُ أَعْمَالِ أُمَّتِي انْتِظَارُ الْفَرَجِ، وَلَا يَزَالُ شِيعَتُنَا فِي حُزْنٍ حَتَّى يَظْهَرَ وَلَدِيَ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ النَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله) أَنَّهُ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطاً، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً. فَاصْبِرْ يَا شَيْخِي، وَأْمُرْ جَمِيعَ شِيعَتِي بِالصَّبْرِ، فَـ(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (30)" (31).
ويشير هذا التَّوجيه عن أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) كان يهيِّئ أتباعه لمواجهة الآثار النَّفسيَّة والعقائديَّة التي قد تترتَّب على طول الغيبة؛ فالصَّبر يحفظهم من اليأس، والانتظار يبقي صلتهم بقضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) حيَّةً، والثَّبات على الولاية يحميهم من الانحراف أمام ما قد يحيط بهم من شبهات واضطرابات. وبذلك تحوَّل انتظار الفرج إلى وسيلةٍ لحفظ الهويَّة الإيمانيَّة والاستمرار في طريق الالتزام إلى أن يأذن الله (تعالى) بالفرج والظُّهور.
وممَّا تقدَّم يتبيَّن أنَّ سيرة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مثَّلت نموذجًا متكاملًا للقيادة الربانيَّة في مواجهة الأزمات، فلم تكن شدَّة الظُّروف المحيطة به سببًا للانكفاء أو تعطيل مسؤوليَّاته؛ بل كانت دافعًا إلى تنويع أساليب العمل، وحسن تقدير المواقف، بما ينسجم مع طبيعة المرحلة ومتطلَّباتها. فقد واجه الإمام (عليه السلام) سلطةً عبَّاسيَّةً شديدة البطش والمراقبة، وفي الوقت نفسه حمل مسؤوليَّة صيانة العقيدة، وحفظ جماعة المؤمنين، والاستمرار في أداء رسالة الإمامة.
وأظهر الإمام (عليه السلام) في تعامله مع تلك التَّحدِّيات قدرةً واضحة على الجمع بين الثَّبات على المبادئ، والمرونة في وسائل العمل؛ فدافع عن القرآن الكريم، وكشف الشُّبهات وأساليب التَّضليل، ورسَّخ ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، ووجَّه شيعته إلى التَّقوى وحسن السلوك والمحافظة على هويَّتهم الإيمانيَّة، كما أكَّد حضور الشَّعائر الدينيَّة بوصفها وسائل لإبقاء الصِّلة برسالة أهل البيت (عليهم السلام) حيَّةً في المجتمع.
ولم تقف مسؤوليَّته عند معالجة قضايا عصره، فكان التَّمهيد لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام) من أبرز المهام التي اضطلع بها في آخر مراحل الإمامة الظَّاهرة. فعرَّف خواصَّ أصحابه بولادة ولده (عليه السلام)، وأكَّد النَّصَّ عليه، وأقام الحجَّة على إمامته بالقدر الذي تقتضيه الظُّروف، مع إحاطة أمره بالكتمان والحذر من السُّلطة. كما مهَّد لمرحلة الغيبة عن طريق ترسيخ أساليب التَّواصل غير المباشر، وتوجيه الشِّيعة إلى الرُّجوع إلى الفقهاء الجامعين للشَّرائط، وبيان طبيعة الغيبة، والحثِّ على الصَّبر وانتظار الفرج والثبات على الولاية.
ومن هنا، فإنَّ سيرة الإمام العسكري (عليه السلام) تقدِّم درسًا خالدًا في الحكمة والثَّبات، وحسن إدارة الأزمات، وحماية المبادئ، وتربية الأتباع، واستشراف المستقبل؛ إذ استطاع، في ظلِّ أقسى الظُّروف، أن يحفظ امتداد مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وأن يهيِّئ شيعته للتحوُّل من مرحلة الحضور المباشر للإمام إلى مرحلة الغيبة، واضعًا الأسس التي تكفل استمرار الارتباط بالهداية الإلهيَّة، والثَّبات على طريق الحقِّ حتَّى ظهور الحجَّة (عجَّل الله تعالى فرجه الشَّريف).



اضف تعليق