في زمنٍ تتسارع فيه المنصات الرقمية وتتشابك فيه الرسائل الإعلامية بين التأثير والتضليل، تتجه المؤسسات الشبابية والثقافية في كربلاء المقدسة نحو بناء وعي إعلامي يحمل هوية المدينة وقدسية رسالتها، عبر ورش تدريبية تسعى إلى تمكين الشباب من أدوات الخطاب المهني القادر على نقل القضية الحسينية بروح معاصرة تحافظ على عمقها الفكري والإنساني....
في زمنٍ تتسارع فيه المنصات الرقمية وتتشابك فيه الرسائل الإعلامية بين التأثير والتضليل، تتجه المؤسسات الشبابية والثقافية في كربلاء المقدسة نحو بناء وعي إعلامي يحمل هوية المدينة وقدسية رسالتها، عبر ورش تدريبية تسعى إلى تمكين الشباب من أدوات الخطاب المهني القادر على نقل القضية الحسينية بروح معاصرة تحافظ على عمقها الفكري والإنساني.
وفي هذا السياق، نظّمت منظمة امتداد للثقافة والتعليم بالتعاون مع منظمة النحل للتنمية المستدامة ورشة تدريبية حملت عنوان “الإعلام الحسيني بعيون شابة” قدّمتها الباحثة في العلوم الإسلامية أشواق الموسوي، إلى جانب ورشة “التمكين الإعلامي: من الحضور إلى التأثير الفاعل” التي قدّمتها المدربة الصحفية دعاء الزبيدي، بمشاركة عدد من الشباب والمهتمين بالشأن الإعلامي والثقافي في محافظة كربلاء.
خطاب يلامس الشباب
أكدت الموسوي لـ "النبأ" أن “الإعلام الحسيني المعاصر يحتاج إلى لغة تلامس واقع الشباب وتحوّل قيم النهضة الحسينية إلى منهج حياة يومي يرتبط بسلوك الإنسان في المجتمع والعمل والعلاقات الإنسانية.”
وأوضحت أن نجاح الخطاب الحسيني يكمن في تقديم الإمام الحسين (ع) بوصفه قدوة إنسانية تحمل قيم العزة والكرامة والوفاء والإيثار، مع التركيز على البعد الإنساني العالمي للرسالة الحسينية بما يجعلها قادرة على مخاطبة مختلف الثقافات والشرائح.
وبيّنت الموسوي أن المنصات الرقمية الحديثة فرضت طبيعة جديدة للتلقي، الأمر الذي يستدعي تقديم المحتوى عبر فيديوهات قصيرة ومركزة وإنفوجرافيك وبودكاست بصري قادر على إيصال الفكرة بصورة واضحة ومؤثرة.
كما شددت على أهمية الانتقال من أسلوب التلقين إلى الحوار، عبر فتح مساحات للنقاش والإجابة عن تساؤلات الشباب الفكرية والنفسية بلغة علمية هادئة تراعي طبيعة الجيل الجديد.
تحديات العصر الرقمي
وتطرقت الموسوي إلى أبرز التحديات التي تواجه الإعلام الحسيني في الفضاء الرقمي، مشيرة إلى أن الشباب يواجهون تدفقاً متسارعاً للأفكار والشبهات التي تستهدف القيم الأسرية والهوية الأخلاقية، الأمر الذي يتطلب خطاباً يمتلك وعياً نفسياً وتربوياً وقدرة على المعالجة الفكرية العميقة.
كما تحدثت عن تأثير خوارزميات المنصات الرقمية وما تفرضه من تضييق على بعض أنواع المحتوى، إضافة إلى تحدي السطحية البصرية والسعي وراء “الترند” على حساب المضمون الفكري والروحي.
ورأت أن المرحلة الحالية تتطلب عملاً إعلامياً مؤسساتياً مستداماً يضم مختصين في الإعلام والتربية والفكر وصناعة المحتوى، بما يضمن تقديم رسالة حسينية رصينة تمتد طوال العام.
التأثير المسؤول
من جانبها، أكدت الزبيدي أن “التحدي الحقيقي أمام الشباب لا يرتبط بمجرد الظهور الإعلامي، وإنما بالقدرة على صناعة تأثير إيجابي ومستدام عبر محتوى مهني يحمل رسالة واعية ومسؤولة.”
وقالت الزبيدي في حديثها لـ "النبأ" إن "الإعلام الحديث يحتاج إلى وعي نقدي ومهارات متخصصة تساعد الشباب على التعامل مع التحولات الرقمية ومواجهة التضليل الإعلامي، إلى جانب تقديم رسائل تتسم بالمصداقية والمسؤولية الاجتماعية".
وأضافت أن بناء شخصية إعلامية مؤثرة يتطلب الجمع بين المعرفة المهنية والأخلاقيات الإعلامية والوعي المجتمعي، بما يعزز دور الإعلام في التنمية وترسيخ القيم الإيجابية.
وحول التوازن بين التأثير العاطفي والمهنية الصحفية في الإعلام الحسيني، أوضحت أن البعد الإنساني ينبغي أن يكون مدعوماً بالدقة والموضوعية واحترام عقل المتلقي، مع الاعتماد على التحقق من المعلومات والابتعاد عن الطرح غير الموثق.
كما تحدثت عن صناع المحتوى الشباب مطالبون بتقديم رسالة حسينية تستند إلى القيم الفكرية والإنسانية للنهضة الحسينية، مع توظيف أساليب سرد حديثة قادرة على الوصول إلى الجمهور وصناعة أثر حقيقي.
صناعة وعي إعلامي
أوضح مدير منظمة امتداد للثقافة والتعليم محمد العبودي لـ "النبـأ" أن الورشة ركزت على أساسيات العمل الإعلامي الحسيني، والتمكين الإعلامي وصناعة المحتوى، وآليات نقل رسالة الإمام الحسين (ع) بأسلوب مهني يواكب تطورات الإعلام الحديث.
وأشار إلى أهمية إعداد إعلامي يمتلك القدرة على التأثير الحقيقي ونقل الصورة المهنية بوعي ومسؤولية، بما ينسجم مع طبيعة المجتمع الكربلائي وهويته الدينية والثقافية.
وأضاف العبودي أن هذه الأنشطة تسعى إلى تمكين الشباب وتعزيز وعيهم بأهمية إيصال القيم والمبادئ الحسينية بصورة مؤثرة تخدم المجتمع وتسهم في بناء شخصية إعلامية تمتلك أهدافاً سامية وثقة ومصداقية داخل الوسط الإعلامي.
وأكد أن هذه الورش تمثل خطوة أولى نحو اكتشاف الطاقات الشبابية ودعمها لإطلاق مشاريع إعلامية مستمرة تخدم القضية الحسينية والمجتمع بصورة عامة.
خصوصية كربلاء الإعلامية
من جهتها، قالت الإعلامية سناء الموسوي، رئيسة منظمة النحل للتنمية المستدامة لـ "النبأ" إن إقامة هذه الورش جاءت انطلاقاً من خصوصية محافظة كربلاء الدينية والثقافية، وما تتطلبه من خطاب إعلامي يمتلك وعياً عالياً في طريقة الطرح والتأثير.
وأشارت إلى أن الفترات الأخيرة شهدت دخول أعداد كبيرة من صناع المحتوى إلى المجال الإعلامي من دون خلفية معرفية أو ثقافة مهنية، الأمر الذي انعكس على طبيعة المحتوى المتداول وأثره في المجتمع.
وأضافت أن الورش التوعوية تهدف إلى تقديم أفكار تساعد الشباب على فهم هوية كربلاء بوصفها مدينة تمتلك إرثاً دينياً وثقافياً عميقاً، إلى جانب دورها في استقطاب ملايين الزائرين سنوياً.
وأكدت الموسوي أن الحفاظ على صورة كربلاء الإعلامية يتطلب خطاباً يحمل قدسية الرسالة ويواكب التطورات الحديثة في الوقت نفسه.
أصوات شبابية
وشهدت الورشة تفاعلاً من المشاركين الشباب الذين تحدثوا عن أهمية الإعلام الحسيني في نقل صورة القضية الحسينية بصورة صحيحة ومؤثرة.
أوضح الإعلامي زيد الاعرجي أن الورشة عززت فكرة نقل رسالة الإمام الحسين (ع) بأسلوب يعكس صورة المواكب الحسينية وخدمة الزائرين والمفارز الطبية والجهود الإنسانية المرتبطة بالشعائر الحسينية.
أما تبارك ذياب، الطالبة في كلية التربية للعلوم الصرفة بجامعة كربلاء، فبيّنت أن القضية الحسينية تمثل مشروع إصلاح إنساني متكامل، وأن الإعلامي الحسيني يحمل مسؤولية أخلاقية وثقافية في طريقة تقديم المحتوى.
وأكدت أن الإعلام لا يرتبط بالشكل الخارجي فقط، وإنما بصورة الفكر والكتابة الرصينة القادرة على جذب الشباب العراقي وتقديم صورة تعكس قيم الحشمة والثقافة والوعي.
بدوره، أشار سجاد موحان، خريج كلية التمريض والعامل في مستشفى الحسيني ومؤسسة الشيخ أحمد الوائلي، إلى أن مشاركته في الورشة جاءت بدافع تطوير المعرفة والانفتاح على مجالات أخرى تعزز الثقافة والوعي الإعلامي لدى الشباب.
وتأتي هذه الورش ضمن سلسلة أنشطة تسعى إلى بناء جيل إعلامي شاب يمتلك الوعي المهني والقدرة على توظيف أدوات الإعلام الحديث لخدمة القضايا الإنسانية والفكرية، انطلاقاً من رسالة الإمام الحسين (ع) بوصفها مشروعاً أخلاقياً وثقافياً متجدداً في وجدان المجتمع.



اضف تعليق