: نهاية التحالف لن تنهي مشكلة الميليشيات العراقية. كما أنها لن تؤدي إلى تسوية التناقض الكامن في قلب الدولة العراقية؛ فالمجموعات المسلحة التي اندمجت رسمياً في الأجهزة الأمنية تحتفظ بدرجات متفاوتة من الاستقلال السياسي، والعسكري، والأيديولوجي – وربما على نحو تتعارض فيه أهدافها. سيرث الزيدي المأزق نفسه الذي أحبط أسلافه...
بقلم: لهيب هيجل
يواجه رئيس الوزراء العراقي الجديد تحدياً مألوفاً يتمثل في مواجهة المجموعات المدعومة من إيران.
عند تولي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مهام منصبه في أيار/مايو، كان يعرف أنه سيواجه تحدياً يتمثل في التعامل مع المجموعات المسلحة المدعومة من إيران في البلاد. لكنه لم يكن يعرف ربما مدى سرعة حدوث تلك المواجهة أو حدّتها؛ ففي 27 تموز/يوليو، ذُكِر أن مسيَّرات أُطلقت من العراق استهدفت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية من السعودية.
على الرغم من أن المجموعات المسلحة العراقية أنكرت مسؤوليتها عن ذلك، شنت السعودية والولايات المتحدة بعد يومين ضربات منسقة ضد الفصائل المدعومة من إيران؛ وذُكر أن تلك الضربات قتلت ما لا يقل عن 20 من أفراد الميليشيات. ليس من الواضح ما إذا كان هذا التبادل سيبقى قابلاً للاحتواء، لكنه أظهر فعلياً المأزق الذي يواجهه الزيدي في كيفية كبح جماح مجموعات مسلحة قادرة على جر العراق إلى صراع إقليمي وفي الوقت نفسه المحافظة على التوازن في علاقات بغداد مع الولايات المتحدة وإيران.
حدث هذا التصعيد بعد أول زيارة دولة يجريها الزيدي إلى واشنطن. ظاهرياً، كانت الزيارة ناجحة؛ إذ وقَّع الزيدي والوفد المرافق له نحو 50 مذكرة تفاهم، بينما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يتوقع أن يصبح الزيدي ”قائداً عظيماً في الشرق الأوسط“. لكن لم يكن لحفاوة الاستقبال أن تغير الظروف التي تنتظر الزيدي عند عودته إلى بغداد، والمتمثلة في اقتصاد يعتمد اعتماداً كلياً على النفط، ونظام سياسي مجزأ، وفصائل مسلحة قوية، إضافة إلى التنافس الذي لا يستطيع الفكاك منه بين واشنطن وطهران.
سيعتمد احتمال تصاعد الأزمة الراهنة على جملة واسعة من العوامل الخارجة عن سيطرة الزيدي. لكن بمرور الوقت، ستتاح للزيدي فرصة لم تتوفر لأسلافه؛ فالتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية ينهي مهمته. لذلك فإن العلاقة الأمنية متعددة الأطراف التي حكمت العلاقات الأميركية–العراقية لأكثر من عقد من الزمن ستحل محلها علاقة ثنائية. وينبغي لهذا التحول أن يسمح لبغداد بالتفاوض على نطاق وشروط التعاون الأمني مع واشنطن بدلاً من وجود إطار أوسع يشارك فيه عدد من البلدان – وتفصيل تلك العلاقة على نحو ينسجم على نحو أوثق مع الأولويات العراقية، ويخضع الحكومة للمساءلة على نحو أوضح عن الترتيبات في الداخل، ويمنحها فرصة القيام بإدارة أفضل للمأزق الإقليمي الذي تواجهه.
لقد قدم الزيدي نفسه على أساس أنه يمثل قطيعة مع الماضي؛ فهو رجل أعمال شاب لا يمتلك سجلاً سياسياً راسخاً، وبالتالي فهو يختلف عن السياسيين المخضرمين الذين هيمنوا على النظام العراقي بعد عام 2003. ويبدو أن ذلك كان أحد الأسباب التي جعلت إدارة ترامب تفضله على المتنافسين الآخرين على رئاسة الوزراء. لكن تغيير شاغل مكتب رئيس الوزراء لا يغير النظام الذي يرأسه.
لقد واجه كل رئيس وزراء عراقي منتخب منذ عام 2005 التحدي الأساسي نفسه، والمتمثل في كيفية الاحتفاظ بعلاقات مثمرة مع الولايات المتحدة والجارة إيران دون السماح بأن يصبح العراق حلبة لتنافسهما. علاقات بغداد الوثيقة، لكن المعقدة، مع كلا القوتين مكّنتها أحياناً من القيام بدور الوسيط. لكن تلك الفرص الدبلوماسية فاقتها على نحو متكرر تكاليف المواجهة الإقليمية – وهي تكاليف ارتفعت مع تصاعد المنافسة بين واشنطن وطهران إلى حرب مفتوحة في جزء كبير من المنطقة.
لا يستطيع الزيدي تجنب جغرافيا العراق ولا اقتصاده السياسي، الذي يمكن أن يستغرق تغييره عقوداً. كما أنه لا يستطيع ببساطة قيادة دولة تجزئها الرعاية التي تمارسها الأحزاب، والفساد، ومراكز القوى القسرية المتنافسة. تتمثل فرصته الأكثر واقعية في تقليص قوة هذه القيود من خلال تعزيز قوة مؤسسات الدولة، وتوسيع العلاقات الإقليمية للعراق، وإيجاد مساحة أوسع لصياغة سياسة خارجية مستقلة. سيتطلب القيام بذلك تحقيق مكاسب تدريجية بدلاً من القطيعة الدراماتيكية مع الماضي. كما سيتطلب قيام واشنطن بتعديل توقعاتها لما يمكن لرئيس وزراء عراقي تحقيقه.
توضح العلاقة الأمنية المتغيرة الفرص المتاحة له والأخطار التي تهدده على حد سواء. خلال زيارة الزيدي لواشنطن، أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن التحالف الذي تَشكَّل ضد تنظيم الدولة الإسلامية سينهي مهمته في 30 أيلول/سبتمبر، الأمر الذي سينجم عنه انسحاب نحو 2,500 جندي موجودون حالياً في العراق. معظم هؤلاء الجنود من الولايات المتحدة، رغم أن أعضاء آخرون في التحالف نشروا أيضاً العشرات من أفراد قواتهم في أدوار تدريبية واستشارية. لقد جادل الزيدي وسلفه، محمد شيّاع السوداني، أن هذا التحول سيحسِّن نفوذ الدولة على المجموعات المسلحة المدعومة من إيران، التي طالما استحضرت وجود القوات الأجنبية من أجل تبرير احتفاظها بأسلحتها وبهيكليات قيادتها المستقلة.
ثمة منطق في ذلك الادعاء، لكن لا ينبغي المبالغة به. من غير المرجح أن تغادر القوات الأميركية العراق على نحو كامل؛ إذ يُتوقَّع أن تحتفظ بغداد بعدد محدود من المستشارين العسكريين الأميركيين في ظل الإطار الأمني الثنائي الجديد. وعلى نحو أكثر جوهرية، فإن الفصائل الأكثر قوة بين الفصائل المتحالفة مع إيران ليست مجرد مجموعات مسلحة داخلية المنشأ نشأت رداً على وجود القوات الأميركية في العراق، بل إنها ترتبط أيديولوجياً وعملياتياً بما يسمى محور المقاومة الذي تقوده إيران. قاتلت المجموعات العراقية إلى جانب نظام الأسد في سوريا لأكثر من عقد من الزمن.
وبعد الضربة على بغداد في كانون الثاني/يناير 2020 التي قتلت قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، وأبو مهدي المهندس، نائب رئيس قوات الحشد الشعبي –الذي يُعدُّ المظلة الجامعة لمجموعات الميليشيات التطوعية التي احتشدت في عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية – لم تكتفِ الأحزاب المرتبطة بها في البرلمان العراقي بالمطالبة بانسحاب التحالف من العراق بل بإنهاء الوجود العسكري الأميركي الأوسع في المنطقة.
لقد أكدت الحرب الأميركية–الإسرائيلية الأخيرة مع إيران الطبيعة العابرة للحدود لهذه المجموعات. فالفصائل العراقية التي تصف نفسها بـ “المقاومة” لم تكتفِ باستهداف الأصول الأميركية داخل العراق فحسب، بل استهدفت أيضاً القواعد الأميركية والبنية التحتية المدنية في الأردن، وسوريا، والخليج. ومادام الصراع بين واشنطن وطهران مستمراً، فمن غير المرجح أن تتخلى هذه الفصائل عن قدراتها العسكرية ولا عما تعتبره حقها المشروع في محاربة الولايات المتحدة، سواء كان ذلك على أرض العراق أو على أراضٍ تتجاوز حدوده.
ولذلك فإن نهاية التحالف لن تنهي مشكلة الميليشيات العراقية. كما أنها لن تؤدي إلى تسوية التناقض الكامن في قلب الدولة العراقية؛ فالمجموعات المسلحة التي اندمجت رسمياً في الأجهزة الأمنية تحتفظ بدرجات متفاوتة من الاستقلال السياسي، والعسكري، والأيديولوجي – وربما على نحو تتعارض فيه أهدافها. سيرث الزيدي المأزق نفسه الذي أحبط أسلافه؛ فالتحرك ببطء أكثر مما ينبغي يخاطر بترسيخ سلاسل القيادة الموازية. أما التحرك على نحو عدائي أكثر مما ينبغي فيخاطر بإثارة صراع شيعي-شيعي قد لا تكون الدولة العراقية قادرة على احتوائه.
لا يتمثل النهج الناشئ للحكومة في المقاربة التقليدية المتمثلة في عملية نزع السلاح، والتفكيك، وإعادة الاندماج. فهذه المجموعات ليست تمرداً مهزوماً، ولا توجد خطة شاملة لتفكيكها. ما تحاول بغداد فعله بدلاً من ذلك هو الدمج التدريجي من خلال مفاوضات مع فصائل بعينها.
كانت سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر أول جماعة تسلم السيطرة على ألوية حشدها الشعبي للزيدي، الذي يشغل أيضاً منصب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، في حزيران/يونيو. وتعهدت عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي وكتائب الإمام علي بقيادة شبل الزيدي بأن تحذو حذوها، رغم أن التفاصيل والجدول الزمني لحدوث ذلك ما يزالان غير واضحين. أما الفصائل الأكثر ارتباطاً بالمقاومة –بما فيها كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وحركة أنصار الله الأوفياء– فقد رفضت الفكرة علناً، حتى في الوقت الذي يبدو أن بعضها دخل في نقاشات مع الحكومة.



اضف تعليق