تضارب أجندات أعضاء التحالف العربي، الإمارات والسعودية، إلى جانب الصراعات الداخلية في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، مكّن الحوثيين من الحفاظ على تفوقهم على خصومهم. أما الرهان على ظهور تحالف قبلي مناهض للحوثيين، فرغم قلقهم منه، إلا أنه رهان مؤقت. أي تحالف قبلي أقرب إلى الحوثيين فكريًا ونفسيًا وعمليًا...
من المثير للحيرة أن الحوثيين لم يقدموا سوى دعم عسكري محدود لحلفائهم الإيرانيين منذ اندلاع الحرب الإيرانية–الأميركية في 28 فبراير، على الرغم من قدرتهم على إغلاق مضيق باب المندب فعليًا، بل وطرد البحرية الأميركية من المنطقة بأكملها. ومع ذلك، هدد الحوثيون بإغلاق مضيق باب المندب والبحر الأحمر المتصل به، إذا لزم الأمر. وهذا ليس مفاجئًا ولا محيرًا؛ فالحوثيون ينتظرون معرفة طبيعة أي اتفاق محتمل قد يمنح طهران سيطرة فعلية على مضيق هرمز. وقد يسعون حينها إلى تكرار هذا النجاح الإيراني في باب المندب.
ويمثل حشد الحوثيين الحالي لقواتهم في المناطق التي يسيطرون عليها، إلى جانب حصارهم للموانئ السعودية واشتباكاتهم مع القوات الحكومية اليمنية في بعض المناطق، تحولًا من الخطاب والتعبئة إلى العمل العسكري. علاوة على ذلك، فإن إعلان الحوثيين عن شن هجمات بطائرات بدون طيار على منشآت النفط السعودية وإسقاط طائرة استطلاع سعودية فوق اليمن، إلى جانب تصاعد التوترات بين الجانبين، يؤكد تحول الحوثيين الفعلي من الخطاب والتعبئة إلى العمليات العسكرية على الأرض.
ستؤدي العمليات العسكرية للحوثيين على الأرض إلى سلسلة من الاضطرابات في إمدادات النفط العالمية عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وهو ممر مائي حيوي يمثل 30% من التجارة العالمية و5% من الطاقة العالمية. وسيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى ارتفاع أسعار النفط الخام العالمية. حاليًا، أدى الصراع بين الولايات المتحدة وإيران إلى تعطيل ما يقرب من خُمس تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز.
ونتيجة لذلك، تم تحويل جزء من إمدادات الطاقة من دول الخليج العربي إلى خارج المنطقة عبر خطوط أنابيب تسيطر عليها السعودية، والتي تنقل النفط إلى السفن الراسية في الموانئ السعودية على طول البحر الأحمر. وبمجرد تحميلها، يمكن لهذه الإمدادات من الطاقة في الشرق الأوسط أن تصل إلى السوق العالمية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وفي نهاية المطاف، يمكن للاقتصاد العالمي أن يستمر في التعافي طالما أن جزءًا من الطاقة المنتجة في الشرق الأوسط يتدفق عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب. لكن هذا الوضع لن يدوم إلا إذا بقي الحوثيون خارج الحرب. ويبدو من غير المرجح أن يستمر هذا الوضع طالما استمر الحصار السياسي والاقتصادي والأمني المفروض على اليمن والحوثيين. لذا، فإن إعلان الحوثيين الانتقال من الخطابات والتعبئة إلى العمل العسكري قد شكّل كارثة استراتيجية أخرى لأسواق الطاقة، تقع على بعد مئات الأميال إلى الجنوب الغربي. والجميع يعلم أن الحوثيين والإيرانيين، نظرًا لتحالفهم الوثيق، يمتلكون القدرة المؤكدة على إغلاق هذين الممرين المائيين.
سبب تحول الحوثيين إلى العمل العسكري
يقول مايكل روبين، الباحث الأميركي البارز والمؤرخ والخبير بشؤون الشرق الأوسط، والمسؤول والمستشار السابق في وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون": "من السهل فهم إحباط السعودية من الحوثيين". ويضيف: "في البداية، شكّل الحوثيون تهديدًا كبيرًا للسعودية. لاحقًا، انضمت الرياض إلى صفوفهم، على غرار إيران وعُمان". ويتابع روبين: "يكمن الفرق الرئيسي بين طهران والرياض في أن السلطات الإيرانية تدعم الحوثيين انطلاقًا من تقارب أيديولوجي وطائفي، بينما يدعمهم المسؤولون السعوديون انطلاقًا من اعتقاد انتهازي بإمكانية احتواء الحوثيين وإخضاعهم".
واليوم، أصبح الحوثيون "سلطة فعلية ولاعبًا إقليميًا مؤثرًا". ولا يعود هذا التحول إلى الدعم الإيراني، بل إلى الحرب التي تقودها السعودية، والتي خلّفت اليمن مدمرًا ومنقسمًا على أسس طائفية: "الشيعة المدعومون من إيران في الشمال، وجماعات الإخوان المسلمين والسلفيين والوهابيين في الجنوب". لم يكن هذا الانقسام متوقعًا، ولكنه أصبح واقعًا جديدًا يعزز السلطة الدينية للحوثيين في الشمال، بينما لا تزال الفصائل المتبقية المدعومة من السعودية في الجنوب تنتظر حربًا أخرى قد تعيد تشكيل المشهد العسكري والسياسي في الجنوب.
الحاجة إلى إعادة تشكيل المشهد العسكري والسياسي في الجنوب
أدت الحرب الأهلية في اليمن إلى تفتيت عميق للمشهد العسكري والسياسي الجنوبي، ولا سيما انتشار الجماعات المسلحة المختلفة "الميليشيات" وإضعاف سلطة الحكومة المركزية، المعروفة أيضًا بالحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا. ما هي العوامل التي يمكن أن تسهم في تعزيز التماسك داخل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا؟
أولها إنشاء قيادة عسكرية موحدة. إن توحيد قوات الأمن والفصائل المسلحة "الميليشيات" تحت قيادة عملياتية واحدة من شأنه أن يقلل من الصراعات داخل الحكومة التي تتخذ من عدن مقرًا لها، ويعزز تماسكها.
ثانيها بدء حوار سياسي شامل مع النخب السياسية الجنوبية والجهات الفاعلة المحلية لمعالجة أزمة الحكم الذاتي دون التسبب في انقسام البلاد.
ثالثها الحكم الشفاف والاستقرار الاقتصادي: إعادة تعيين المسؤولين الحكوميين، وبناء الدولة على أساس الجدارة، واتخاذ تدابير فعالة لمكافحة الفساد ومنع توزيع الموارد بين الشبكات المتنافسة. يجب أن يتم ذلك بالتزامن مع توفير الخدمات العامة الأساسية، واستقرار العملة الوطنية، ودفع رواتب القوات المسلحة والقطاع العام من أجل إعادة بناء الثقة في شرعية النظام.
إذا تعزز التماسك داخل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، كما صرّح أحمد ناجي، كبير محللي الشؤون اليمنية في مجموعة الأزمات الدولية، لقناة الجزيرة، فقد يرجح ذلك كفة الحرب لصالح الحكومة ضد الحوثيين. ويتوقف هذا على أن تصبح السعودية القوة الإقليمية المهيمنة على الأرض، وأن تتعاون مع مختلف الفصائل المناهضة للحوثيين، كما أوضح يزيد الجداوي، مدير الأبحاث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، لقناة الجزيرة. وبينما قد يُحسّن التماسك الداخلي داخل الحكومة وبقاء السعودية قوة إقليمية رئيسية من موقف الحكومة، فإن ترجمة ذلك إلى نتيجة استراتيجية ليس مضمونًا، إن لم يكن مستحيلًا، لأسباب عديدة.
لم تُضعف سنوات حرب التحالف العربي بقيادة السعودية، من مارس 2015 إلى أبريل 2022، عزيمة الحوثيين. نعلم أن تضارب أجندات أعضاء التحالف العربي، الإمارات والسعودية، إلى جانب الصراعات الداخلية في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، مكّن الحوثيين من الحفاظ على تفوقهم على خصومهم. أما الرهان على ظهور تحالف قبلي مناهض للحوثيين، فرغم قلقهم منه، إلا أنه رهان مؤقت. أي تحالف قبلي أقرب إلى الحوثيين فكريًا ونفسيًا وعمليًا من أي نظام سياسي مدني، على الأقل في المدى القريب.
يراهن الحوثيون على أن السعودية ودول المنطقة الأخرى لن تتسامح مع أي هجمات على أراضيهم، وستسعى بدلًا من ذلك إلى اتفاق سريع بدلًا من مواصلة القتال.



اضف تعليق