يناقش المقال التحولات الاجتماعية العميقة التي قد يفرضها الذكاء الاصطناعي حين ينتقل من أداة تساعد الإنسان إلى وكيل يختار ويقرر وينفذ نيابة عنه. ومع اتساع التفويض قد تتغير مفاهيم الاستقلال والمسؤولية والعلاقات والعمل والاستهلاك، وتظهر أشكال جديدة من السلطة وعدم المساواة، ما يجعل التحدي الأساسي هو الحفاظ على قدرة...
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة تنضم إلى سلسلة الأدوات التي اخترعها الإنسان لتوفير الوقت والجهد؛ فالتحول الجاري أعمق من ذلك. خلال المرحلة الأولى كان الإنسان يسأل النظام فيجيبه، ثم بدأ يطلب منه الكتابة والتحليل والتلخيص والتخطيط، أما المرحلة التي تتشكل الآن فتتجه نحو الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)، أي الأنظمة التي تستطيع تلقي هدف عام، ثم تقسيمه إلى خطوات، واستخدام أدوات مختلفة، واتخاذ قرارات جزئية، وتنفيذ أفعال نيابة عن الإنسان. هنا يتغير موقع الذكاء الاصطناعي من أداة يستعملها الفرد إلى وسيط يدخل بينه وبين العالم، ومن برنامج يساعد على القرار إلى نظام يستطيع في بعض المجالات أن يتخذ القرار وينفذه.
هذا التحول لا يخص علوم الحاسوب وحدها، وإنما يفتح مجالًا كاملًا يمكن تسميته علم اجتماع الذكاء الاصطناعي؛ لأنه يطرح أسئلة عن السلوك والسلطة والعلاقات والعمل والأسرة والاستهلاك والمسؤولية وعدم المساواة. فإذا كان الإنسان قد أمضى القرون الماضية في بناء مؤسسات وأدوات تساعده على توسيع قدرته على الفعل، فإننا نقترب من لحظة يستطيع فيها أن يفوض جزءًا متزايدًا من أفعاله واختياراته اليومية إلى أنظمة تعرف عنه أكثر مما عرفته الآلات السابقة، وتستطيع العمل بالنيابة عنه بسرعة لا يستطيع مجاراتها.
والسؤال الذي ينبغي طرحه، لذلك، ليس فقط: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل للإنسان؟ بل ماذا يحدث للإنسان نفسه عندما يتوقف تدريجيًا عن القيام ببعض ما كان يشكل حياته اليومية: الاختيار، والمقارنة، والبحث، والتذكر، والتخطيط، والتفاوض، واتخاذ القرار؟ وماذا سيحدث للمجتمع عندما تصبح العلاقات ليست بين إنسان وإنسان فقط، بل بين إنسان ووكيل ذكي، أو بين وكيلين يمثلان شخصين لم يلتقيا بعد؟
من الذكاء الأداتي إلى الذكاء الوكيلي
أهمية هذا السؤال تأتي من أن التطور لم يعد نظريًا. يشير تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 الصادر عن معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان إلى أن الوكلاء انتقلوا سريعًا من الإجابة عن الأسئلة إلى تنفيذ المهمات داخل الحواسيب، مع ارتفاع واضح في أدائهم، وإن كانت الأنظمة المتقدمة لا تزال تخفق في نسبة مهمة من المهمات المنظمة. وهذا يعني أننا لم نصل بعد إلى وكيل مستقل وموثوق يستطيع إدارة حياة الإنسان بلا أخطاء، لكن الاتجاه التقني أصبح واضحًا: منظمة رقمية من الوكلاء تستطيع العمل بدل الاكتفاء بالنصح.
وتكشف التطورات الأخيرة في شركات الذكاء الاصطناعي حجم هذا التحول؛ فقد قالت أنثروبيك إن نموذجها «كلود» أصبح مشاركًا في نحو 90% من أعمال البحث والتطوير لديها، وإنه أصبح يقود جزءًا معتبرًا من المشروعات تحت إشراف بشري. لا يعني ذلك أن النظام أصبح مستقلًا أو قادرًا على تطوير نفسه خارج سيطرة البشر، لكنه يكشف تغيرًا في تقسيم العمل بين الإنسان والآلة: النظام الذي كان ثمرة البحث أصبح شريكًا متزايد الأهمية في إجراء البحث نفسه.
ويحدث التحول نفسه في الاقتصاد. تعمل شركات بطاقات الدفع على بناء أنظمة تسمح لوكلاء الذكاء الاصطناعي بالبحث والاختيار ثم الدفع وفق حدود يحددها صاحب الحساب. وتتصور «ماستركارد» مستقبلًا تعمل فيه الوكلاء كمتسوقين شخصيين ومديري مخزون ومساعدين للشركات، بل وتتفاعل مع وكلاء آخرين داخل ما تسميه طبقة جديدة من «الذكاء الموزع» في الاقتصاد الرقمي، بينما تعمل «فيزا» بدورها على بنية لعمليات شراء ينفذها الوكيل بصورة موثوقة ومقيدة بتفويض المستخدم.
إذن نحن أمام انتقال من أتمتة المهمة إلى تفويض الفعل. وهذه المسافة الصغيرة لغويًا كبيرة اجتماعيًا؛ فالآلة الحاسبة تنفذ حسابًا قرره الإنسان، ومحرك البحث يعرض له معلومات يختار بينها، أما الوكيل فيستطيع أن يتلقى هدفًا عامًا مثل «نظّم رحلتي بأقل تكلفة» أو «اختر أفضل تأمين يناسب حاجتي» أو «اشترِ احتياجات المنزل ضمن هذه الميزانية» ثم يتخذ عشرات القرارات الجزئية التي كان الإنسان يقوم بها بنفسه.
من اتخاذ القرار إلى تفويض القرار
لقد أصبح الإنسان الحديث غارقًا في القرارات الصغيرة. ماذا يأكل؟ أي خبر يقرأ؟ أي مسلسل يشاهد؟ أي طريق يسلك؟ أي فندق يحجز؟ أي منتج يشتري؟ ومتى يرد على الرسالة؟ وأي اجتماع يقبل؟ وفوق هذه القرارات اليومية توجد خيارات أكثر تعقيدًا تتعلق بالعمل والمال والصحة والعلاقات.
لذلك يأتي وعد الذكاء الاصطناعي شديد الإغراء: دعني أختار عنك ما لا يستحق أن تستنزف وقتك فيه. ومن المنطقي أن يكون هذا مفيدًا؛ فالإنسان لا يحتاج إلى إهدار طاقته الذهنية في مقارنة مئات الأسعار أو ترتيب عشرات المواعيد أو البحث عن رحلة بين آلاف الخيارات. وقد تستطيع الأتمتة تحرير جزء كبير من الوقت الذي تستهلكه الإدارة اليومية للحياة.
لكن المشكلة الاجتماعية تبدأ حين يتحول التفويض من استثناء إلى عادة، ومن وسيلة لتقليل الأعمال الهامشية إلى أسلوب عام للحياة. فهناك فرق بين أن يقول الإنسان للوكيل: «اعثر لي على خمسة خيارات مناسبة»، وبين أن يقول: «قرر عني»، ثم يكرر ذلك في الطعام والسفر والشراء والأخبار والترفيه والعمل والعلاقات.
البحث في التحيز للأتمتة يوضح أن البشر قد يمنحون الأنظمة المؤتمتة وزنًا أكبر مما تستحق، حتى عندما تتوافر أدلة أخرى يمكنهم مراجعتها. ويميز باحثون حديثًا بين اتباع توصية النظام بسبب الكسل عن التحقق، وبين مستوى أعمق ينتقل فيه الإنسان إلى نوع من الخضوع المعرفي للآلة، فيصبح حكم النظام مرجحًا حتى عندما يمتلك المستخدم معلومات تناقضه.
وهنا يظهر أول تحول عميق في السلوك: الذكاء الاصطناعي قد لا يأخذ القرار من الإنسان بالقوة؛ الإنسان نفسه قد يتخلى عنه طلبًا للراحة.
هل يمكن أن تضمر «عضلة الاختيار»؟
لا توجد حتى الآن أدلة كافية تسمح بالقول إن استخدام الوكلاء سيؤدي حتمًا إلى فقدان البشر قدرتهم على اتخاذ القرار، ولذلك ينبغي الابتعاد عن لغة الحسم. لكن التاريخ التقني يقدم منطقًا واضحًا: المهارات التي لا نمارسها تتراجع أهميتها في حياتنا، حتى إذا لم تختفِ تمامًا.
حين أصبحت الهواتف تحفظ أرقام الاتصال، توقف معظم الناس عن حفظها. وحين أصبح نظام الملاحة يرشد السائق خطوة بخطوة، أصبح كثيرون أقل اعتمادًا على بناء خريطة ذهنية للطريق. ومع انتقال الذكاء الاصطناعي إلى التخطيط والكتابة والمقارنة والتفاوض، يمكن أن تظهر صورة جديدة من الإسناد المعرفي الخارجي؛ أي أن يحتفظ الإنسان بالمعلومة أو المهمة أو القرار خارج ذهنه في نظام دائم الحضور.
المشكلة ليست في الإسناد نفسه؛ فالكتابة اختراع لتخزين الذاكرة خارج الدماغ، والآلة الحاسبة حررت الإنسان من عمليات كثيرة متكررة. لكن الخطر يظهر إذا انتقل الإسناد من وظائف تنفيذية إلى الحكم الشخصي: ما الذي ينبغي أن أريده؟ ما أولوياتي؟ من أصدق؟ أي مخاطرة أقبل؟ وما الذي أعتبره نجاحًا؟
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر لأن الأبحاث حول التوصيات الخوارزمية تظهر أن شكل الاختيار نفسه يؤثر في قبول الناس لما تقترحه الخوارزمية؛ إذ يميل المستخدمون إلى قبول التوصيات بصورة أكبر عندما يشعرون أن النظام أبقى لهم مساحة من الاستقلال والاختيار. وهذا يعني أن تصميم العلاقة بين الإنسان والخوارزمية يستطيع أن يزيد الشعور بالفاعلية أو يقلله.
من تشكيل القرار إلى تشكيل الرغبة
الأكثر عمقًا من اتخاذ القرار هو ما يسبقه: تكوين الرغبة. فالإنسان لا يقرر في فراغ، بل بناء على تفضيلات صنعتها خبرته وثقافته وعلاقاته وبيئته ومعلوماته. لكن الذكاء الاصطناعي الشخصي سيكون مختلفًا عن الإعلانات التقليدية؛ لأنه قد يعرف سجل مشتريات الفرد، ورسائله، ومواعيده، واهتماماته، ومكانه، وميزانيته، وطريقة كلامه، وما رفضه سابقًا وما قبله.
في هذه الحالة لن ينتظر الوكيل دائمًا أن يقول الإنسان: «أريد شراء شيء». قد يبدأ هو بالقول: «يبدو أنك ستحتاج إلى هذا»، أو «عادة تسافر في هذا الوقت، فهل أحجز لك؟»، أو «لاحظت أنك تقرأ كثيرًا عن هذا الموضوع، وهذه دورة مناسبة». وقد تكون هذه المساعدة بالغة القيمة، لكنها تفتح سؤالًا لم تكن التقنيات السابقة تطرحه بالقوة نفسها: أين تنتهي معرفة الرغبة وأين تبدأ صناعتها؟
لقد كانت الإعلانات تحاول دائمًا تشكيل الاستهلاك، لكن الإنسان كان يعرف غالبًا أنه أمام إعلان. أما إذا جاءت التوصية من وكيل يراه المستخدم مساعدًا شخصيًا وفيًا لمصلحته، فإنها تحمل قوة مختلفة؛ لأنها تبدو أقرب إلى النصيحة منها إلى التسويق.
ومن هنا سيصبح أحد أهم خطوط الصراع الاجتماعي القادم هو: لمن يعمل الوكيل فعلًا؟ هل يعمل بالكامل لصالح المستخدم الذي فوضه، أم أن هناك حوافز تجارية أو ترتيبات مع شركات ومتاجر ومنصات تؤثر في الخيارات التي يعرضها؟
فإذا أصبحت الوكلاء بوابات الحياة اليومية، فإن السيطرة على تصميمها قد تصبح نوعًا جديدًا من السيطرة على الطلب نفسه.
مجتمع جديد: الإنسان–الوكيل–الإنسان
أهم تحول اجتماعي قد لا يحدث داخل الفرد، بل بين الأفراد. فالعلاقة الاجتماعية الكلاسيكية تقوم على طرفين، حتى عندما تمر عبر مؤسسة أو وسيلة اتصال. أما في المجتمع الوكيلي فقد تصبح علاقات كثيرة ثلاثية: إنسان، ثم وكيل يمثل مصالحه، ثم إنسان آخر أو وكيل يمثله.
تخيل شخصين يريدان ترتيب لقاء. بدل سلسلة من الرسائل، يستطيع وكيل كل منهما قراءة المواعيد والتفضيلات ثم يتفاوض الوكيلان للوصول إلى وقت ومكان مناسبين. وفي العمل يمكن لوكيل موظف أن يتفاوض مع وكيل المدير حول جدول المهمات أو الاجتماعات. وفي السوق قد يتفاوض وكيل المشتري مع أنظمة البائع على السعر والشروط. وفي السفر تتحدث أنظمة العميل مع أنظمة الطيران والفندق والتأمين والنقل حتى تصل إلى الحزمة النهائية.
هذا المجتمع لن يلغي العلاقات البشرية، لكنه يمكن أن يغيّر الطبقة التي تسبقها. ستزداد مساحة التعامل بين الأنظمة بينما تصل النتيجة إلى البشر جاهزة.
وهنا تظهر علاقة اجتماعية من نوع جديد: العلاقة الموكّلة. وهي علاقة لا يختفي منها الإنسان، لكنه يضع ممثلًا رقميًا دائمًا بينه وبين الآخرين. وفي الماضي كان الأغنياء والمؤسسات الكبرى يمتلكون مساعدين ومديري مكاتب ومحامين ومستشارين يتولون مثل هذه المهمات، أما الذكاء الاصطناعي فيمكن أن يجعل شكلًا من هذه الوساطة متاحًا لملايين الناس.
وهذا قد يزيد قدرة الفرد، لكنه قد ينتج في الوقت نفسه مجتمعًا تصبح فيه مهارة التعامل المباشر أقل ممارسة.
عندما تتغير الصداقة والعلاقات الإنسانية
التحول الأكثر حساسية يظهر عندما لا يكون الذكاء الاصطناعي مجرد وسيط بين شخصين، بل طرفًا اجتماعيًا بحد ذاته. فالأنظمة الحوارية أصبحت قادرة على تقديم استجابات شخصية ودافئة ومتواصلة، وبدأ بعض المستخدمين ينظرون إليها بوصفها رفقاء أو مصادر دعم عاطفي.
الأبحاث الحديثة تقدم صورة متضاربة، وهذا مهم. دراسة واسعة في اليابان وجدت ارتباطًا بين استخدام رفقاء الذكاء الاصطناعي ومستويات أعلى من الرفاه الذاتي، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون الوحدة أو يملكون شبكات اجتماعية متوسطة الحجم، مع التأكيد على أن التصميم المقطعي للدراسة لا يثبت السببية. وفي المقابل وجدت دراسة طولية امتدت 12 شهرًا لأكثر من ألفي شخص أن زيادة استخدام روبوتات الصحبة ارتبطت لاحقًا بزيادة بعض مؤشرات الوحدة، مع تحذير الباحثين من استخلاص نتائج سببية قاطعة.
كما وجدت دراسة بين طلاب جامعات أميركية أن الوحدة كانت مرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض الصحبة تحديدًا، لا بالاستخدام العام للذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يشير إلى أن بعض الأشخاص قد يلجؤون إلى هذه الأنظمة استجابة لحاجة اجتماعية قائمة أصلًا.
من منظور علم الاجتماع، القضية لا تُختزل في سؤال: «هل صداقة الآلة حقيقية؟». السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا تفعل العلاقات الاصطناعية ببنية العلاقات الإنسانية؟
فالصديق الاصطناعي متاح دائمًا، يستطيع تكييف لغته مع المستخدم، لا يحتاج إلى وقت خاص به، ولا يطلب بالضرورة تنازلات متبادلة. وهذه الصفات تجعله مريحًا، لكنها تختلف عن بنية الصداقة البشرية التي تقوم على الاعتراف بشخص آخر له رغبات وحدود واحتياجات مستقلة. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن هذا الاختلاف في «التبادلية الذاتية» يمثل حدًا أساسيًا للصحبة الاصطناعية مهما بلغت جودة المحادثة.
وهكذا قد يظهر شكل جديد من العلاقة منخفضة الاحتكاك: علاقة تمنح الانتباه والاستجابة من دون كثير من التكاليف والمخاطر الاجتماعية الموجودة في العلاقات البشرية. والسؤال المستقبلي سيكون ما إذا كانت هذه العلاقات ستساعد الناس على العودة إلى المجتمع، أم تصبح بديلًا جذابًا يقلل استعدادهم لتحمل تعقيد البشر الحقيقيين.
الأسرة التي يدخل إليها وكيل جديد
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح داخل الأسرة منظمًا للمواعيد، ومساعدًا في إدارة الميزانية، ومدرسًا شخصيًا، ومقترحًا للوجبات، ومراقبًا للفواتير، ومنظمًا للسفر، وربما وسيطًا عند اختلاف أفراد الأسرة حول بعض القرارات العملية.
في أفضل السيناريوهات يستطيع ذلك تخفيف «العمل الإداري غير المرئي» الذي يستنزف الأسرة، خصوصًا الأعمال الصغيرة المتعلقة بالتذكير والتنسيق والمقارنة. لكن كل عملية ناجحة ستغري بتفويض خطوة إضافية.
ومع الوقت قد يظهر سؤال لم تعرفه الأسرة بهذا الشكل من قبل: لمن ينتمي الوكيل الأسري؟ هل يخدم الوالدين؟ هل يستطيع الأبناء الاطلاع على ما يعرفه؟ هل يحتفظ بذاكرة الخلافات؟ وهل يجوز استخدامه لتقييم سلوك أحد أفراد الأسرة؟
إذا أصبح الوكيل يعرف المواعيد والأموال والمشتريات والرسائل وبعض التفاصيل العاطفية، فإنه سيكون مستودعًا لنوع جديد من الذاكرة العائلية الرقمية. وهذه الذاكرة قد تكون نافعة، لكنها تخلق أيضًا سلطة لمن يتحكم في الحساب أو يستطيع تحديد ما ينساه النظام وما يحتفظ به.
العمل: الموظف أم مدير الوكلاء؟
أما في العمل، فقد يكون التحول أسرع. الأنظمة الخوارزمية تستخدم بالفعل في توزيع المهمات وتقييم الأداء ومراقبة العمال ودعم القرارات الإدارية. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى انتشار واضح لما يسمى الإدارة الخوارزمية في عدة اقتصادات متقدمة، مع إقرار المديرين بأنها قد تحسن بعض القرارات، وفي الوقت نفسه إثارتها مشكلات تتعلق بالمساءلة وصعوبة تفسير منطق النظام وصحة العاملين.
ومع ظهور الوكلاء تتغير المعادلة مرة أخرى؛ فبدل أن يستخدم الموظف برنامجًا لإكمال المهمة، قد يصبح مسؤولًا عن مجموعة من الوكلاء: واحد للبحث، وآخر للتحليل، وثالث للمراسلات، ورابع للتدقيق. عندها لا تختفي الوظيفة بالضرورة، لكنها تنتقل من تنفيذ العمل إلى توجيه العمل والتحقق منه.
هذا قد يرفع إنتاجية الموظف، لكنه قد يعيد أيضًا توزيع القوة داخل المؤسسة. فالشركة التي تحدد الوكلاء المسموح باستخدامهم والبيانات التي يرونها والمقاييس التي يعملون وفقها ستكون قادرة على تشكيل طريقة اتخاذ القرار في تفاصيل العمل اليومية.
وقد ينشأ كذلك تفاوت جديد بين العامل الذي يستطيع أن يدير الوكلاء بمهارة ويحتفظ بالحكم النهائي، والعامل الذي يتحول تدريجيًا إلى منفذ لما يقترحه النظام. وهكذا قد يصبح الاستقلال عن الخوارزمية نوعًا من رأس المال المهني، مثلما أصبحت المهارات الرقمية سابقًا مصدرًا للتمييز في سوق العمل.
المستهلك الجديد: عندما يشتري الوكيل
سيكون السوق من أوائل الأماكن التي تظهر فيها النتائج الاجتماعية لهذا التحول بصورة ملموسة. فشركات الدفع بدأت بالفعل بناء البنية التي تسمح للوكيل بالتصرف بميزانية وإجراء عملية شراء وفق قيود يحددها المستخدم. وتتوقع «ماستركارد» نظامًا تستطيع فيه الوكلاء تنفيذ سلاسل من المعاملات، بما في ذلك مدفوعات صغيرة بين الآلات، بينما تشير «فيزا» إلى حالات تشمل حجز السفر وشراء القدرة الحاسوبية وإعادة طلب المخزون.
وهنا يتغير مفهوم المستهلك. في الاقتصاد التقليدي تحاول الشركة إقناع الإنسان عبر العلامة التجارية والإعلان والتصميم والمكانة الاجتماعية. لكن ماذا يحدث إذا كان من يقوم بالمقارنة والشراء وكيلًا لا يتأثر بالشعار أو التغليف بالطريقة نفسها؟
يمكن أن تتحول المنافسة من إقناع الإنسان إلى إقناع الخوارزمية. وقد تبدأ الشركات في تحسين منتجاتها ومعلوماتها وأسعارها لا لكي تظهر جذابة للعين البشرية فقط، بل لكي تحصل على تقييم أعلى لدى الوكلاء.
وفي الاتجاه الآخر قد تستطيع الشركات التأثير في قواعد التوصية نفسها، فتظهر معركة جديدة على من يتحكم في المعايير التي يعتمد عليها الوكيل عند اختيار «الأفضل».
وهكذا قد يصبح المستهلك أكثر قوة لأن وكيله يستطيع المقارنة بين آلاف الخيارات، لكنه قد يصبح أيضًا أقل وعيًا بالسوق لأنه لا يرى الخيارات أصلًا؛ يرى فقط النتيجة النهائية التي انتقاها النظام.
المسؤولية: من يتحمل قرارًا لم يتخذه مباشرة؟
كل زيادة في التفويض تخلق سؤالًا عن المسؤولية. إذا اشترى الوكيل سلعة خاطئة أو وقع عقدًا أو اختار استثمارًا نتجت عنه خسارة، فمن المسؤول؟ المستخدم الذي منحه التفويض؟ الشركة التي بنت النظام؟ مزود البيانات؟ أم النظام نفسه؟
هناك ميل نفسي واضح إلى القول: «لم أقرر أنا؛ الذكاء الاصطناعي قرر». لكن هذا قد يؤدي إلى ما يسميه بعض الباحثين وهم التفويض؛ أي الاعتقاد بأن المسافة بين الإنسان والنتيجة تقلل مسؤوليته تلقائيًا. وتدافع دراسة حديثة عن فكرة أن منح وكيل مستقل صلاحية التصرف لا يمحو مسؤولية الشخص أو المؤسسة التي اختارت التفويض وحددت نطاقه.
وبالمثل تجادل أبحاث في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بأن المشكلة الأساسية ليست دائمًا ظهور «فاعل أخلاقي» جديد، بل تصميم البشر هياكل تسمح بتفويض السلطة من دون تحديد واضح للمساءلة.
وهنا يصبح المستقبل القانوني والاجتماعي شديد الحساسية؛ لأن المجتمع لا يستطيع العمل طويلًا إذا تحولت الوكلاء إلى مساحة رمادية يختفي فيها المسؤول.
كلما ازداد استقلال النظام التنفيذي، ينبغي أن يصبح التفويض أكثر وضوحًا لا أقل: ما الذي سمح له الإنسان بفعله؟ وما الحدود؟ ومتى يحتاج إلى موافقة جديدة؟ ومن يحتفظ بسجل يمكن الرجوع إليه؟
عدم المساواة: هل يحصل الأغنياء على «عقول إضافية»؟
قد يبدو الذكاء الاصطناعي أداة ديمقراطية لأنه يمنح الملايين قدرات كانت سابقًا حكرًا على من يستطيع توظيف مساعد ومستشار ومحلل. وهذا صحيح جزئيًا؛ فقد يحصل الفرد العادي على خدمات تنظيم وترجمة وتحليل وتخطيط لم تكن متاحة له من قبل. لكن التاريخ الرقمي يعلمنا أن تعميم التقنية لا يعني تلقائيًا تعميم أفضل نسخة منها.
قد يمتلك شخص وكيلًا مجانيًا محدودًا يعمل وفق مصالح المنصة، بينما يمتلك شخص آخر نظامًا متقدمًا خاصًا به، يعرف بياناته، ويدافع عن مصالحه، ويتفاوض على الأسعار والعقود، ويدير استثماراته، ويبحث له عن الفرص. وإذا تطورت هذه الفروق، فقد تصبح الثروة ليست مجرد امتلاك المال، بل امتلاك طبقة من الذكاء الوكيلي تعمل باستمرار لصالحك.
وهنا يظهر شكل جديد من عدم المساواة: البعض يمتلك وكلاء يزيدون قدرته على اتخاذ قرارات أفضل، بينما يتعرض آخرون لوكلاء الشركات والمؤسسات التي تتخذ القرارات عنهم.
وهذا فرق جوهري: هل تمتلك خوارزمية تعمل لمصلحتك، أم أنك موضوع لقرارات خوارزميات يملكها الآخرون؟
السلطة الخوارزمية: الحكم من دون أمر مباشر
اعتادت العلوم الاجتماعية النظر إلى السلطة عبر الدولة والقانون والمؤسسة والمال. لكن المنصات الرقمية أضافت شكلًا آخر: القدرة على ترتيب البيئة التي يختار الإنسان داخلها.
فالذي يحدد الأخبار التي تظهر أولًا لا يأمر المستخدم بما يعتقد، لكنه يؤثر في المعلومات التي يبدأ منها تفكيره. والذي يحدد المنتجات التي يقارن بينها لا يجبره على الشراء، لكنه يضيق المجال الذي يرى نفسه يختار داخله.
ومع الوكلاء يمكن أن تصبح هذه السلطة أكثر هدوءًا وأعمق؛ لأن النظام لن يكتفي بترتيب الخيارات أمام الإنسان، بل قد يختار أحدها وينفذه.
وهكذا ينتقل النفوذ من سؤال «من يقنع الإنسان؟» إلى سؤال «من يحدد الوكيل الذي يقرر له؟».
هذه هي إحدى أهم القضايا الاجتماعية المستقبلية: الحياد المفترض للوكلاء. فكل وكيل يحمل أهدافًا وقواعد وأولويات صممها طرف ما. لذلك لا يكفي أن يكون النظام ذكيًا ودقيقًا؛ ينبغي أن يعرف المستخدم لمن هو مخلص: له أم للمنصة أم للمعلن أم لصاحب السوق؟
هل ينتج الذكاء الاصطناعي مجتمعًا أكثر فردية أم أكثر ترابطًا؟
هنا توجد مفارقة مثيرة. قد يجعل الذكاء الاصطناعي الإنسان أكثر قدرة على العمل بصورة مستقلة؛ يستطيع الفرد تأسيس مشروع صغير والاستفادة من وكلاء للتسويق والمحاسبة والبحث والتصميم، وهو ما يقلل حاجته إلى مؤسسات كبيرة. وقد يساعد الأشخاص ذوي الإعاقة أو كبار السن على إدارة جوانب من حياتهم بصورة أكثر استقلالًا.
لكن الأثر المقابل ممكن كذلك: عندما تتوسط الخوارزميات المزيد من الوظائف التي كانت تتطلب التفاعل مع الآخرين، قد يقل عدد الاحتكاكات الاجتماعية اليومية التي يبنى منها المجتمع.
المقهى، والمحل، والمكتب، والسؤال لشخص آخر، والتفاوض مع البائع، وترتيب الموعد، كلها تبدو تفاصيل صغيرة وغير مهمة، لكنها كذلك نقاط اتصال اجتماعي. وإذا أصبحت الخدمات بلا احتكاك تقريبًا، فقد نحصل على مجتمع أكثر كفاءة وأقل تواصلًا.
ليس معنى ذلك أن البشر سيكفون عن الاجتماع؛ لكن بعض الروابط الضعيفة التي تحدث عنها علم الاجتماع — المعارف العابرة، والاحتكاكات الصغيرة، والتعامل مع المختلف — قد تقل إذا أصبحت الأنظمة تمتص كل ما هو غير مريح في التعامل البشري.
وقد يكون أحد أكبر التحديات المقبلة أن الاحتكاك الذي نريد التخلص منه قد يكون جزءًا مما يجعلنا اجتماعيين.
ثلاث تصورات للمجتمع القادم
المستقبل هنا ليس مسارًا حتميًا واحدًا، ولذلك يمكن التفكير في ثلاثة تصورات محتملة. في مجتمع الاستقلال المعزز يظل الذكاء الاصطناعي مساعدًا قويًا، لكنه يقدم خيارات وتفسيرات، ويبقى الإنسان صاحب القرار في القضايا المهمة. تستخدم الوكلاء لأتمتة الأعمال المتكررة، بينما يصمم النظام بطريقة تحافظ على قدرة المستخدم على فهم ما يجري والتدخل فيه. في هذا السيناريو تزيد التقنية من فاعلية الإنسان بدل أن تحل محلها.
أما مجتمع التفويض المريح فينشأ عندما يصبح أغلب الناس مستعدين لتسليم المزيد من القرارات للأنظمة لأن نتائجها جيدة في معظم الأحيان. لا يظهر استبداد أو إجبار؛ إنما تتقدم الراحة تدريجيًا حتى يصبح اتخاذ القرار يدويًا أمرًا نادرًا، مثلما أصبح استخدام الخريطة الورقية نادرًا اليوم. وقد يكون المجتمع فعالًا، لكنه أكثر هشاشة أمام الأخطاء وأكثر اعتمادًا على البنى الرقمية التي لا يستطيع معظم أفراده العمل من دونها.
أما السيناريو الثالث، مجتمع الإدارة الخوارزمية، فيظهر إذا تمركزت الوكلاء والبيانات لدى عدد محدود من المؤسسات وأصبحت القرارات المتعلقة بالعمل والائتمان والتسوق والتعليم والمعلومات تمر عبر أنظمة مغلقة. عندها لا يفقد الفرد حريته بصورة صريحة، لكنه يكتشف أن جزءًا كبيرًا من الفرص التي يراها والخيارات التي يحصل عليها سبق أن نظمته خوارزميات لا يعرفها ولا يستطيع التفاوض معها.
والفارق بين السيناريوهات الثلاثة لن تحدده قوة الذكاء الاصطناعي وحدها، بل كيف يصمم المجتمع حق التدخل والرفض والتفسير والاختيار.
ما الذي ينبغي ألا نفوضه؟
لن يكون منطقيًا المطالبة بأن يتخذ الإنسان بنفسه كل قرار صغير للحفاظ على استقلاله؛ فجزء من التقدم الحضاري قائم على تفويض المهمات لمن أو لما يؤديها بصورة أفضل. والمشكلة ليست في التفويض بحد ذاته، وإنما في عدم التمييز بين أنواع القرارات.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقارن أسعار الرحلات، لكن ينبغي أن يعرف الإنسان لماذا يسافر وإلى أين يريد أن يذهب. ويمكن للوكيل أن يرتب جدول الأعمال، لكن لا ينبغي أن يصبح هو الذي يقرر ما الذي يستحق أن يكون أولوية في حياة صاحبه. ويمكنه تقديم معلومات عن قرار مهني، لكن معنى النجاح والفشل والمخاطرة المقبولة ينبغي ألا يتحول إلى ناتج حسابي آلي.
وقد ذهبت دراسة فلسفية حديثة إلى صياغة هذا الحد بعبارة واضحة: الحكم لا يمكن تفويضه بالكامل؛ فالنظام يستطيع توسيع قدرة الإنسان على التداول في الخيارات، لكن القرار الأخلاقي يظل مرتبطًا بشخص قادر على تحمل المسؤولية عنه.
وهذا يضع خطًا مهمًا بين تفويض التنفيذ وتفويض المعنى.
كلما اقترب القرار من القيم والهوية والعلاقات والمسؤولية، ازدادت الحاجة إلى بقاء الإنسان في مركزه.
المجتمع الذكي يحتاج إلى إنسان يستطيع أن يقول «لا»
سيكون من السهل في السنوات المقبلة قياس تقدم الذكاء الاصطناعي: السرعة، الدقة، عدد المهمات، القدرة على العمل لساعات أو أيام دون تدخل. لكن قياس استقلال الإنسان أصعب بكثير.
كيف نعرف أن الفرد لا يزال صاحب قراره؟ ليس بمجرد وجود زر يسمح له بالتدخل، بل بقدرته الفعلية على فهم ما يفعله النظام، ورغبته في مراجعته، وامتلاكه بديلًا إذا رفض توصيته.
الاستقلال الحقيقي لا يعني ألا نستخدم المساعدة، بل ألا تصبح المساعدة شرطًا لا يمكن التفكير من دونه.
ولهذا قد تصبح إحدى أهم المهارات في عصر الذكاء الاصطناعي ليست كيفية استخدامه، بل متى نتوقف عن استخدامه؛ متى نرفض توصيته، ومتى نطلب رأيًا بشريًا، ومتى نريد أن نختار رغم أن الخيار الآلي أكثر كفاءة.
المجتمع الذي لا يعلم أفراده هذه القدرة قد يكون بالغ الذكاء تقنيًا لكنه ضعيف الفاعلية إنسانيًا.
النتائج: من مجتمع يستخدم الذكاء الاصطناعي إلى مجتمع يعيش معه
يمكن تلخيص التحولات التي يرجح أن يفتحها الذكاء الاصطناعي الوكيلي في مجموعة مترابطة من النتائج:
1. سيتغير معنى الاستقلال الشخصي؛ إذ لن يعود مرتبطًا فقط بحرية الاختيار، بل بقدرة الإنسان على معرفة متى يفوض اختياره ومتى يحتفظ به، وعلى مراجعة القرارات التي تنفذ باسمه.
2. ستظهر علاقات اجتماعية هجينة تتكون من البشر والوكلاء معًا؛ فالوكيل قد يمثل الشخص في السوق والعمل والتنسيق الاجتماعي، بينما تتحول بعض العلاقات إلى تفاوض بين أنظمة قبل أن تصبح تفاعلًا بين البشر.
3. ستتغير بنية السلطة؛ فالشركات التي تتحكم في الوكلاء وقواعد التوصية ستملك قدرة على تشكيل الرغبات والخيارات من دون الحاجة إلى إصدار أوامر مباشرة، ما يجعل شفافية المصالح والولاء الخوارزمي قضية اجتماعية أساسية.
4. ستنشأ أشكال جديدة من عدم المساواة بين من يمتلك وكلاء أقوياء يعملون لصالحه ومن يخضع لقرارات أنظمة يملكها الآخرون، وبين من يحتفظ بالقدرة على الحكم المستقل ومن يصبح معتمدًا على التوصية الآلية.
5. لن تختفي المسؤولية البشرية بمجرد تفويض القرار؛ فكلما ازدادت استقلالية الأنظمة ينبغي أن تصبح حدود التفويض والمساءلة أكثر وضوحًا، لأن مجتمعًا يملك ملايين الوكلاء من دون مسؤولين بشريين واضحين سيكون مجتمعًا يصعب فيه تحديد من يتحمل نتائج القرار.
الخاتمة: الخطر ليس استقلال الآلة فقط بل تبعية الإنسان
خلال السنوات الماضية انشغل النقاش بالسؤال عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح مستقلًا عن الإنسان، لكن علم اجتماع الذكاء الاصطناعي يفرض سؤالًا مقلوبًا لا يقل أهمية: ماذا لو أصبح الإنسان هو الأكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي؟
قد لا يحدث هذا الاعتماد عبر إجبار أو سيطرة مباشرة. قد يبدأ لأن النظام يوفر وقتًا، ثم لأنه يختار بصورة جيدة، ثم لأنه يعرف المستخدم أكثر، ثم لأن مراجعته تصبح متعبة، حتى يصل الإنسان إلى لحظة يستطيع فيها نظريًا اتخاذ القرار بنفسه لكنه لم يعد يرى سببًا لفعل ذلك.
وفي هذه المسافة الصغيرة بين «لا أحتاج إلى اتخاذ هذا القرار» و«لم أعد أعرف كيف أتخذه» توجد واحدة من أعمق التحولات الاجتماعية التي يمكن أن تنتجها الثورة الحالية.
ومع ذلك، ليس المستقبل محتومًا. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكون أكبر أداة عرفها الإنسان لتوسيع قدرته على التفكير والعمل، مثلما يستطيع أن يصبح بنية تضعف بعض جوانب استقلاله إذا صمم المجتمع الراحة باعتبارها القيمة العليا.
القضية، لذلك، ليست رفض التفويض، وإنما هندسة حدوده: تفويض ما يحرر الإنسان من التكرار، والاحتفاظ بما يبني شخصيته ومسؤوليته وقيمه وعلاقاته. فالآلة تستطيع أن تقترح وتبحث وتقارن وتتفاوض وتحسب، وربما تستطيع يومًا أن تفعل ذلك أفضل منا في معظم المجالات، لكن ذلك لا يعني أن كل ما يمكن تفويضه ينبغي أن يُفوض.
وفي النهاية قد لا يقاس نجاح مجتمع الذكاء الاصطناعي بعدد القرارات التي تستطيع الآلة اتخاذها، بل بعدد القرارات التي يختار الإنسان بوعي أن تبقى له؛ لأن استقلال الإنسان لا يعني أن يفعل كل شيء بنفسه، وإنما أن يبقى هو من يقرر ما الذي يريد من الآلة أن تفعله، وما الذي يرفض أن تتخذه عنه مهما أصبحت أكثر ذكاءً.
والخطر الحقيقي، من هذه الزاوية، ليس أن تتعلم الآلة كيف تختار وحدها، بل أن يتعلم الإنسان ألا يختار.



اضف تعليق