تكشف خصخصة السيادة عن انتقال بعض وظائف الدولة ومواردها إلى شبكات نفوذ سياسية واقتصادية واجتماعية، بما يعيد إنتاج المحسوبية ويضعف الكفاءة والثقة بالمؤسسات. وفي العراق تتداخل المحاصصة والريع النفطي وضعف الرقابة مع تعدد مراكز القرار، ما يستدعي تعزيز سيادة القانون، وشفافية التعيينات والعقود، واستقلال القضاء، وتمكين الكفاءات، وتنويع الاقتصاد...
مقدمة
تُعد السيادة الوطنية جوهر الدولة الحديثة، وأحد أهم مقومات وجودها واستقلال قرارها السياسي؛ إذ تعني امتلاك الدولة سلطة اتخاذ القرار داخل إقليمها، وإدارة مواردها، وحماية أمنها، وتمثيل مصالحها الخارجية بعيدًا عن الإملاءات والتأثيرات التي تنتقص من استقلال إرادتها الوطنية. غير أن السيادة لا تُفقد بالضرورة عن طريق الاحتلال العسكري المباشر، فقد تتعرض إلى التآكل التدريجي أو الخصخصة غير المعلنة عندما تنتقل بعض وظائف الدولة وقراراتها ومقدراتها من المؤسسات العامة إلى مراكز نفوذ سياسية أو حزبية أو اقتصادية أو اجتماعية ضيقة ومحدودة.
وفي الحالة العراقية، تبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيدًا، حيث تداخل ضعف المؤسسات مع تعدد مراكز القرار، وتنامي نفوذ شبكات المصالح، وتراجع مبدأ تكافؤ الفرص، الأمر الذي أسهم في إعادة إنتاج المحسوبية السياسية بأشكال جديدة. إذ لم تعد المحسوبية مجرد علاقة شخصية بين مسؤول ومقرّب مستفيد منه وموالٍ له، بل تحولت في بعض صورها إلى منظومة متشابكة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والإدارة والتوظيف والنفوذ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
ومن هنا تبرز إشكالية العلاقة بين خصخصة السيادة وإعادة إنتاج المحسوبية؛ فكلما تراجعت مركزية الدولة المؤسسية، ازدادت قدرة شبكات النفوذ على اقتسام القطاع العام، وتحويل الموارد والوظائف والفرص من حقوق عامة إلى امتيازات تُمنح وفق معايير الولاء والانتماء والعلاقة.
أولًا- مفهوم خصخصة السيادة الوطنية
المقصود بخصخصة السيادة هنا ليس الخصخصة الاقتصادية بمفهومها التقليدي، وإنما مفهوم سياسي-مؤسسي يشير إلى تحويل أجزاء من وظائف الدولة وقرارها السيادي من الإطار المؤسسي العام إلى مراكز نفوذ خاصة أو فئوية.
وتظهر هذه الخصخصة عندما تصبح بعض القرارات المهمة مرتبطة بمصالح جماعات أو أحزاب أو شبكات اقتصادية، بدلًا من أن تكون محكومة حصرًا بالمصلحة الوطنية والقانون والمؤسسات الدستورية.
وتتخذ هذه الظاهرة صورًا متعددة، منها:
1. تعدد مراكز صناعة القرار خارج الأطر الرسمية.
2. تغليب المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية.
3. استخدام مؤسسات الدولة لتحقيق أهداف سياسية أو انتخابية.
4. ربط التعيين والترقية والامتيازات بدرجة الولاء بدل الكفاءة.
5. إخضاع الموارد العامة لشبكات المصالح والنفوذ.
6. ضعف قدرة المؤسسات الرقابية على محاسبة أصحاب النفوذ.
وعندما تصل هذه الظاهرة إلى مستويات متقدمة، تصبح الدولة حاضرة من الناحية القانونية، إلا أنها أضعف من حيث قدرتها الفعلية على احتكار القرار العام وتنفيذه.
ثانيًا- من الدولة المؤسسية إلى دولة الشبكات
تقوم الدولة الحديثة على مبدأ رئيس، هو أن المؤسسة أقوى من الفرد، وأن الوظيفة العامة ملك للدولة والمجتمع، وليست ملكًا للحزب أو المسؤول أو العائلة أو الجماعة.
أما عندما تتحول المؤسسات إلى ساحات لتوزيع النفوذ، فإن الدولة تبدأ بالانتقال من نموذج الدولة المؤسسية إلى ما يمكن تسميته دولة الشبكات، حيث تتقاطع شبكة سياسية مع شبكة اقتصادية، وأخرى اجتماعية، وأحيانًا مع شبكات مسلحة أو جماعات ضغط، فتتوزع مراكز القوة بصورة تجعل القرار الوطني عرضة للتجزئة والتشتت.
وقد لا تكمن المشكلة في وجود جماعات سياسية أو اجتماعية بحد ذاته، فهذا أمر طبيعي في المجتمعات الديمقراطية، وإنما في تحول هذه الجماعات من التنافس المشروع على السلطة إلى السيطرة على موارد الدولة ومؤسساتها.
ثالثًا- المحسوبية بوصفها إعادة إنتاج للسلطة
إن المحسوبية ليست مجرد ظاهرة أخلاقية سلبية، وإنما يمكن النظر إليها بوصفها آلية لإعادة إنتاج السلطة؛ فحين يحصل الفرد على وظيفة أو منصب أو عقد أو امتياز بسبب قربه من مركز سياسي أو اجتماعي، فإن المستفيد لا يحصل على منفعة آنية فحسب، بل يصبح جزءًا من شبكة تدين بالولاء إلى الجهة التي وفرت له تلك المنفعة.
وهكذا تنشأ دائرة مغلقة: نفوذ سياسي ← امتيازات ← ولاءات ← توسيع شبكة النفوذ ← مزيد من السيطرة على الموارد ← إعادة إنتاج النفوذ.
وهذه الدائرة تمثل أحد أخطر أشكال إضعاف الدولة؛ إذ إنها تجعل العلاقة بين المواطن والدولة أقل أهمية من علاقته بالشبكة التي يستطيع من خلالها الوصول إلى الوظيفة أو الخدمة أو الفرصة.
رابعًا- العراق وإشكالية المحاصصة والزبائنية
لا يمكن اختزال جميع مشكلات العراق في المحاصصة وحدها، كما لا يصح افتراض أن كل تعيين أو قرار سياسي تحكمه المحسوبية، فهناك مؤسسات وكفاءات وقرارات تُدار وفق القانون. غير أن استمرار أنماط من المحاصصة السياسية والزبائنية وتبادل المنافع أسهم في إضعاف مبدأ المواطنة المتساوية في بعض المجالات.
وتظهر المشكلة بصورة خاصة عندما يُنظر إلى الوظيفة العامة باعتبارها غنيمة سياسية، أو عندما تتحول المناصب إلى أدوات لاسترضاء القوى المهيمنة المؤثرة، أو عندما تصبح بعض العقود والفرص الاقتصادية جزءًا من منظومة تبادل المنافع.
والنتيجة لا تتمثل فقط في إهدار الكفاءة، وإنما في خلق شعور عام بأن الوصول إلى الدولة لا يمر دائمًا عبر القانون والمؤهلات، بل قد يمر عبر الوساطة والانتماء والعلاقات الشخصية والمصلحية.
وهذا الإدراك، حتى عندما لا يكون صحيحًا في جميع الحالات، يمثل خطرًا بحد ذاته؛ ذلك أنه يضعف الثقة بالدولة، ويشجع المواطن على البحث عن حماية أو منفعة خارج المؤسسات الرسمية.
خامسًا- أثر خصخصة السيادة في الاقتصاد الوطني
تُعد السيادة الاقتصادية جزءًا لا يتجزأ من السيادة الوطنية، فالدولة التي لا تستطيع إدارة مواردها بكفاءة، أو حماية المال العام، أو وضع سياسة اقتصادية مستقلة، تكون أكثر عرضة لتأثير شبكات المصالح الداخلية والخارجية.
وفي العراق، تبرز أهمية هذه المسألة بسبب الاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيس للإيرادات العامة. وإذا لم تتحول الإيرادات النفطية إلى قاعدة لبناء اقتصاد منتج ومتنوع، فإنها قد تتحول إلى مصدر للتنافس على الريع بدلًا من أن تكون وسيلة لبناء الدولة.
وهنا تلتقي خصخصة السيادة مع اقتصاد الريع؛ إذ يصبح التحكم بمنافذ توزيع الموارد أهم من خلق الثروة، وتصبح المنافسة السياسية، في بعض صورها، منافسة على حصة من موارد الدولة.
سادسًا- الكفاءة الوطنية ضحية للمحسوبية
إن من أخطر نتائج المحسوبية إقصاء الكفاءات، ليس بالضرورة بإبعادها رسميًا، وإنما أحيانًا بجعلها تشعر بأن الكفاءة وحدها لا تكفي للوصول إلى مواقع التأثير.
وهذا يؤدي إلى ثلاث نتائج خطيرة، وهي:
1- هجرة العقول والكفاءات أو ابتعادها عن المجال العام.
2- إحلال الولاء محل الخبرة في بعض مواقع المسؤولية.
3- انخفاض جودة القرار العام؛ لأن الدولة تفقد جزءًا من قدرتها على الاستفادة من أفضل طاقاتها البشرية.
والدولة التي تقصي كفاءاتها لا تخسر أفرادًا فقط، بل تخسر جزءًا من قدرتها المستقبلية على التخطيط والإدارة والمنافسة.
سابعًا- المحسوبية والسيادة الرقمية والمعلوماتية
لم تعد السيادة في القرن الحادي والعشرين مقتصرة على الأرض والحدود والقوة العسكرية، فقد أصبحت المعلومات والبيانات والتكنولوجيا والفضاء السيبراني عناصر أساسية من عناصر القوة الوطنية.
ومن ثم، فإن حماية البيانات والمؤسسات الرقمية والبنية التحتية المعلوماتية، ومنع احتكار المعلومات العامة من قبل جهات خاصة أو فئوية، أصبحت جزءًا من حماية السيادة.
وفي العراق، كما في غيره من الدول، تزداد أهمية بناء مؤسسات قادرة على إدارة المعلومات والبيانات بصورة مهنية؛ لأن ضعفها يفتح المجال أمام النفوذ غير المؤسسي، ويزيد من قدرة الشبكات على التأثير في الرأي العام وصناعة القرار.
ثامنًا- الخطر الأكبر هو تطبيع الظاهرة
ربما يكون أخطر ما في المحسوبية ليس وجودها، وإنما تحولها إلى أمر طبيعي في الثقافة السياسية والاجتماعية. فعندما يصبح المواطن مقتنعًا بأن الحصول على حقه يحتاج إلى واسطة، وأن الوظيفة لا تُنال بالكفاءة وحدها، وأن النفوذ أقوى من القانون، فإن المشكلة تنتقل من مستوى الممارسة السياسية إلى مستوى الثقافة العامة.
وعندها تبدأ الدولة بفقدان أهم مصادر قوتها، وهو الثقة بها. فالدولة لا تُقاس قوتها بعدد مؤسساتها فحسب، وإنما بمدى إيمان المواطن بأن القانون يحميه، وأن حقوقه لا تتوقف على علاقاته، وأن مؤسسات الدولة تعمل لمصلحته بوصفه مواطنًا متساويًا في الحقوق مع الآخرين.
تاسعًا- نحو استعادة السيادة المؤسسية
إن معالجة هذه الإشكالية لا تكون بالشعارات، ولا بمجرد تغيير الأشخاص، وإنما بإعادة بناء قواعد العمل العام على أساس مؤسسي رصين.
ولعل من أهم المعالجات:
1. تعزيز استقلال مؤسسات الدولة عن التأثيرات الحزبية والشخصية.
2. إعادة تعريف الوظيفة العامة بوصفها تكليفًا وطنيًا لا امتيازًا سياسيًا.
3. اعتماد معايير واضحة وشفافة في التعيين والترقية والمناصب العليا.
4. تفعيل أجهزة الرقابة ومكافحة الفساد على أساس مهني وقانوني.
5. حماية المبلغين عن الفساد وتعزيز استقلال القضاء.
6. بناء نظام رقمي شفاف للعقود والمناقصات والتعيينات.
7. إخضاع الإنفاق العام والموارد الوطنية لمعايير واضحة من الشفافية والمساءلة.
8. تمكين الكفاءات الوطنية من المشاركة في صناعة القرار.
9. تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الريع النفطي.
10. ترسيخ ثقافة المواطنة وسيادة القانون بدل ثقافة الولاء الشخصي.
الخاتمة
بناءً على ما تقدم، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة ليس فقدان حدودها، وإنما فقدان قدرتها على اتخاذ القرار الوطني بصورة مستقلة ومؤسسية. فحين تتوزع وظائف الدولة بين شبكات المصالح، وتتحول الموارد العامة إلى أدوات لإنتاج الولاءات الضيقة، تصبح السيادة الوطنية معرّضة للتآكل من الداخل دون الحاجة إلى احتلال خارجي.
والعراق، بما يمتلكه من موارد بشرية وطبيعية وموقع جيوسياسي وتاريخ حضاري، يستطيع بناء دولة قوية ومؤثرة، إلا أن ذلك يتطلب الانتقال من منطق تقاسم الدولة إلى منطق بناء الدولة، ومن منطق الولاء للأشخاص والجماعات إلى الولاء للمؤسسات والوطن، ومن اعتبار الوظيفة العامة امتيازًا إلى اعتبارها مسؤولية.
إن استعادة السيادة الوطنية لا تعني فقط حماية الحدود والقرار الخارجي، بل تعني أيضًا استعادة الدولة لحقها في إدارة مواردها ومؤسساتها وقرارها العام، بحيث يصبح القانون هو المرجعية العليا، والكفاءة معيارًا رئيسًا، والمواطنة أساسًا، والمصلحة الوطنية غاية أسمى.
وعندها فقط يمكن الانتقال من دولة تتنافس القوى على حصصها، إلى دولة تتنافس مؤسساتها في خدمة مواطنيها، ومن نظام يعيد إنتاج المحسوبية، إلى نظام يعيد إنتاج الكفاءة والعدالة والثقة بالدولة.



اضف تعليق