تكشف أزمة مضيق هرمز هشاشة الاقتصاد العراقي لاعتماده على النفط ومسار تصدير رئيس واحد، مع هيمنة الإنفاق الجاري وضعف القطاعات غير النفطية. ويبيّن المقال أن معالجة الأزمة تتطلب تنويع منافذ التصدير، وحماية الاحتياطيات، وإصلاح الإيرادات غير النفطية، وتحويل العوائد النفطية إلى استثمارات إنتاجية، وبناء موازنة أكثر مرونة، واقتصاد قادر...
لم تُنشئ الحرب الأمريكية-الإيرانية أزمة الاقتصاد العراقي، لكنها كشفتها بصورة أكثر وضوحًا؛ إذ إن توقف الملاحة في مضيق هرمز لم يكن مجرد عارض جغرافي عطّل ناقلات النفط، بل اختبارًا عمليًا لقدرة الاقتصاد العراقي على الاستمرار عندما يتعطل المصدر الرئيس للإيرادات والعملات الأجنبية.
وقد أظهر الاختبار أن الخطر لا يكمن في المضيق وحده، وإنما في نموذج اقتصادي يعتمد على مورد واحد، وطريق تصدير شبه وحيد، وموازنة تهيمن عليها النفقات الجارية، واقتصاد داخلي ضعيف القدرة على تعويض الإيرادات المفقودة.
لذلك يمكن القول إن العراق واجه، في وقت واحد، أربع أزمات مترابطة: أزمة تصدير، وأزمة إيرادات، وأزمة موازنة، وأزمة نموذج اقتصادي.
أولًا: ارتفاع سعر النفط لا ينفع من لا يستطيع تصديره
تقوم المالية العامة العراقية على معادلة بسيطة، لكنها شديدة الخطورة:
الإيراد النفطي = كمية النفط المصدّرة × سعر البرميل.
أدت الحرب وإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا، لكن العراق لم يتمكن من الاستفادة الكاملة من هذا الارتفاع؛ لأن الجزء الأكبر من صادراته ينطلق من الموانئ الجنوبية ويمر عبر المضيق، وعندما تتراجع الكمية المصدّرة بشدة، لا يكون ارتفاع السعر كافيًا لتعويضها.
إذ صدّر العراق تقريبًا 108 و100 مليون برميل في شهري كانون الثاني وشباط من العام الجاري [i]، بسعرَي 61 و67 دولارًا تقريبًا [ii]، وإيرادات نفطية أكثر من 6.5 مليار دولار لكل شهر.
ورغم ارتفاع أسعار النفط إلى 117 و108 دولارات في آذار ونيسان، حسب بيانات أوبك، فإن الإيرادات انخفضت إلى 2.2 مليار دولار و1.0 مليار دولار على التوالي، نظرًا لانخفاض كمية الصادرات إلى 19 و10 ملايين برميل تقريبًا، حسب بيانات سومو، بسبب إغلاق مضيق هرمز.
أي إن العراق يخسر قرابة 5 مليارات دولار شهريًا رغم ارتفاع أسعار النفط، فما فائدة ارتفاع الأسعار دون أن يتم تصدير النفط؟!
وهنا ظهرت المفارقة: يمتلك العراق احتياطيات نفطية تقارب 145 مليار برميل، لكنه لا يمتلك مرونة تصديرية تتناسب مع حجم هذه الثروة.
فالاحتياطي الكبير لا يتحول إلى قوة اقتصادية إذا بقي الوصول إلى الأسواق مرتبطًا بعنق زجاجة جغرافي واحد.
ثانيًا: انكشاف نموذج الاقتصاد لا قطاع النفط
قبل الحرب، كان النفط يمثل نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، و88% من الإيرادات الحكومية، و91% من الصادرات السلعية، وفق تقديرات البنك الدولي لعام 2025 [iii].
هذه النسب تعني أن توقف الصادرات لا يصيب وزارة النفط وحدها، بل ينتقل عبر سلسلة واسعة.
ولا يمتلك القطاع غير النفطي حتى الآن قدرة كافية على امتصاص الصدمة؛ فالزراعة والصناعة والخدمات الخاصة تعاني ضعف الكهرباء والتمويل والبنية التحتية وبيئة الأعمال، فضلًا عن منافسة الاستيراد واتساع النشاط غير المنظم. وبذلك ظل الاقتصاد الداخلي مرتبطًا بالإنفاق النفطي الحكومي أكثر من ارتباطه بإنتاج مستقل عنه.
فعندما ترتفع الإيرادات النفطية، تتوسع العقود والرواتب والاستهلاك والتجارة. وعندما تتراجع، ينكمش الطلب وتتوقف المشاريع وتتعثر الشركات. وهذا يعني أن كثيرًا من النشاط غير النفطي ليس بديلًا حقيقيًا عن النفط، بل هو نشاط يتحرك بأموال النفط.
ثالثًا: هشاشة الإنفاق العام
كشفت الصدمة أيضًا هشاشة تركيب الإنفاق العام. فبحسب البيانات المالية للنصف الأول من عام 2026 [iv]، بلغ إجمالي الإنفاق قرابة 57.19 تريليون دينار، توزّع بين:
- 54.67 تريليون دينار إنفاقًا جاريًا، بما يعادل 95.6%.
- 2.51 تريليون دينار إنفاقًا استثماريًا، بما يعادل 4.4%.
كما بلغت تعويضات الموظفين نحو 30.77 تريليون دينار، والحماية الاجتماعية قرابة 13.86 تريليونًا؛ أي إنهما استحوذا معًا على حوالي 78% من مجموع الإنفاق.
هذه الأرقام لا تعني أن الرواتب والحماية الاجتماعية نفقات غير ضرورية، وإنما تكشف أن معظم الإنفاق أصبح التزامًا ثابتًا يصعب تخفيضه عند وقوع الأزمة.
وفي المقابل، يكون الإنفاق الاستثماري أول ما يتعرض للتأجيل، فتتوقف المشروعات التي كان يُفترض أن توسع الطاقة الإنتاجية وتخفف الاعتماد على النفط.
وهكذا تعالج الدولة أزمة الإيرادات بطريقة قد تعمّق الأزمة الاقتصادية مستقبلًا: تحمي الاستهلاك الآني، لكنها تؤجل الاستثمار الذي يصنع دخلًا بديلًا.
رابعًا: الاحتياطيات الأجنبية خط دفاع وليست موردًا للموازنة
قد يبدو استخدام احتياطيات البنك المركزي حلًا سريعًا لتعويض نقص الإيرادات، لكنه ينقل المشكلة من المالية العامة إلى الاستقرار النقدي.
فالاحتياطيات الأجنبية مخصصة أساسًا لتمويل الاستيراد، ودعم الثقة بالدينار، ومواجهة الالتزامات الخارجية، وليست صندوقًا دائمًا لتغطية الرواتب.
استهلاك الاحتياطيات لتغطية عجز هيكلي يشبه استخدام خزان الطوارئ يوميًا: يمنح الدولة وقتًا، لكنه لا يصلح الخلل.
وكلما طال توقف الإيرادات النفطية، ازداد الضغط على نافذة بيع العملة، والاستيرادات، وسعر الصرف، والأسعار المحلية.
من التقييم إلى التقويم
لا يستطيع العراق منع الحروب الإقليمية، لكنه يستطيع تقليل مقدار الضرر الذي تسببه، ويقتضي ذلك العمل ضمن ثلاثة آجال:
إجراءات عاجلة: ينبغي وضع موازنة طوارئ، وترتيب النفقات حسب الأولوية، وحماية الرواتب الدنيا والغذاء والدواء والكهرباء، مع تجميد الإنفاق غير الضروري. كما يجب الفصل بين عجز الخزينة ووظيفة البنك المركزي، ومنع استنزاف الاحتياطيات في تمويل إنفاق غير منتج.
إجراءات متوسطة الأجل: يحتاج العراق إلى رفع الطاقة الفعلية للمسارات البديلة، ولا سيما الخط الشمالي نحو تركيا، وتطوير إمكانات النقل والتخزين، ودراسة منفذ مستدام باتجاه البحر الأحمر أو المتوسط. فتنويع طرق التصدير يجب أن يسبق أحيانًا تنويع مصادر الدخل؛ لأن النفط سيظل لسنوات المصدر الرئيس للتمويل.
وفي الوقت نفسه، ينبغي إصلاح الجمارك والضرائب وإدارة أملاك الدولة والرسوم العامة، ولكن من خلال توسيع القاعدة وتحسين التحصيل، لا فرض أعباء إضافية على الموظفين والفئات محدودة الدخل.
إصلاح بعيد الأجل: الإصلاح الحقيقي يتمثل في تحويل الإيراد النفطي إلى طاقة إنتاجية دائمة: كهرباء مستقرة، وغاز مستثمر، وتعليم مرتبط بالمهارات، وزراعة عالية الكفاءة المائية، وصناعة تنافسية، ونقل حديث، وقطاع خاص قادر على خلق الوظائف.
كما يحتاج العراق إلى قاعدة مالية تلزم الحكومة بادخار جزء من الإيرادات النفطية في صندوق للاستقرار والأجيال، وتمنع تحويل كل زيادة مؤقتة في سعر النفط إلى رواتب والتزامات دائمة.
الخلاصة
أثبتت أزمة هرمز أن امتلاك النفط لا يكفي لتحقيق الأمن الاقتصادي؛ فالدولة قد تكون غنية في باطن الأرض، لكنها شديدة الهشاشة في الموازنة والأسواق وطرق التصدير. والمشكلة الأعمق ليست أن المضيق توقف، بل أن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد العراقي توقف معه.
لذلك ينبغي ألا يكون هدف السياسة الاقتصادية العودة إلى ما قبل الحرب فحسب؛ لأن ما قبل الحرب كان يحمل أسباب الأزمة نفسها.
المطلوب هو الانتقال من اقتصاد ينتظر مرور الناقلة إلى اقتصاد يستطيع الاستمرار عندما تتوقف؛ ومن موازنة توزع الإيراد النفطي إلى دولة تحوّله إلى إنتاج واحتياطيات ومسارات بديلة وثروة دائمة.



اضف تعليق