الإيمان هو المصد الأقوى والأعظم لجميع الأفكار وحتى الأفعال المنحرفة، حتى يمكننا القول بأن صناعة الإنسان الذي يتحلى بالإيمان الحقيقي هو أعظم الأهداف، وأكثر قدرة على بناء إنسان قوي مؤمن وفاعل وقادر على إلحاق الهزيمة بالشر وبأصحابه...

(النبي محمد صلى الله عليه وآله طرح المعتقد الصحيح بالأسلوب الحِسي والعقلي المتلائم مع الفطرة الإنسانية السليمة) الإمام الشيرازي

يحتاج الناس إلى الإيمان حاجة قاطعة، كونه يعد من ضروريات العيش المستقر المتوازن والقويم، وإذا فقد الإنسان الإيمان كأنه فقد الاستقرار والاطمئنان، وعندها تكون حياته عبئا عليه، ويكون في حالة من التذبذب النفسي والعقلي والفكري بحيث لا يجد لحياته مستقَر، فتتلاعب به الدنيا يمينا وشمالا، وتصبح حياته أشبه بالتيه الشديد.

ولكن حين يدخل الإيمان قلب الإنسان يكون في مأمن من عواصف التذبذب واللا استقرار، والإيمان الذي يجعل الإنسان مستكينا مؤمنا هو ما يدخل إلى قلبه ويقوده إلى الله تعالى، وهو أيضا ما يتم تثبيته بالعمل الصحيح، أي أن إيمان الإنسان هو ما يقربه إلى الله تعالى، ولهذا عليه أن يجسد هذا الإيمان في جميع أعماله المادية.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقرّب لنا معنى الإيمان كما ورد ذلك في كتابه القيّم الموسوم بـ (مختارات من القطوف الدانية) فيقول:

(للإيمان معنىً ينقله الحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام: الإيمان ما استقرّ في القلب وأفضى به إلى اللّه عزّ وجلّ وصدَّقه العمل).

لذلك يعد الإيمان من أعظم الأسس التي تمدّ الإنسان بالمنهج التربوي القويم الذي يضمن له نتائج جيدة ومستدامة، ولهذا تكون سيرة الإنسان المؤمن معلومة ومستندة إلى الأحكام وإلى الدقة والالتزام والانسجام في نفس الوقت، وإذا ما تمكن كل إنسان من الوصول إلى هذه الدرجة من الإيمان فإنه يكون قد حقق غايته في الارتقاء ضمن حياة معافاة.

الالتزام والانضباط العالي للمؤمنين

وهذا سوف ينعكس على سلوكه ودرجة التزامه، فمن يحقق درجة الإيمان ويصل إلى المرتبة العليا منه، سوف يقوده ذلك إلى حالة التجسيد الفعلي المنضبط لتأدية الأعمال في التوقيت المحدد لها، بمعنى سوف يكون إنسان منضبطا إلى أقصى درجة، لأن الإيمان سوف يدفع الإنسان إلى الالتزام والانضباط العالي، لهذا تكون مثل هذه الصفات معروفة عنه ولصيقة به، وهذا بالفعل ما يتميز به المؤمنون وهو الالتزام قولا وتوقيتا وفعلا.

حيث يقول الإمام الشيرازي عن ذلك:  

(الإيمان أساس متين لتربية ثابتة وبناء دائم مضمون النتائج والاستمرار، وبهذا يكون للإنسان المؤمن سيرة معلومة وتقوم حياته على الأحكام والترتيب والانسجام، ونستطيع أن نقول جازمين أنه سيعمل العمل الفلاني في الوقت الفلاني بمعنى في الوقت المحدّد له). 

أما الإنسان المنزوع من الإيمان لأي سبب كان، فتراه أقرب إلى الشيطان، كونه ذا شخصية عاجزة وضعيفة وغير قادرة على الإنجاز كما هو حال الإنسان المؤمن المدعوم بكل وسائل التمكين، لأن الإيمان يمنح صاحبه الاستقرار والطمأنينة وهذا هو الشرط الأهم والأكبر لكي يكون الإنسان فاعلا ومنتجا ومؤثرا في محيطه الاجتماعي أو العملي أو الدراسي أو سواه، وبهذا يكون الإنسان الذي يفتقد للإيمان مفرغا من السيرة الثابتة والواضحة.

وغالبا ما تكون سيرته متذبذبة، ولا تجد عقيدة صحيحة في قلبه، وسرعان ما يجد نفسه مأسورا بين مخالب الشيطان، وخاضعا له، الأمر الذي يجعل منه إنسانا شريرا ولا فرصة أمامه لكي يكون مقبولا في المجتمع، إلا إذا قيّض له أن يكون قادرا على تحصيل الإيمان وهذا الشرط يتطلب الحصول على مقومات الإنسان المؤمن وهي تقوم على قيم معروفة، وانضباط والتزام بالأحكام وبجميع القيم والعادات الاجتماعية التي تجعل منه إنسان مستقرا متوازنا وفاعلا.

الإمام الشيرازي يقول حول هذه النقطة:  

(أما غير المؤمن فلا سيرة ثابتة له في حياته، فهو قادر على أن يظهر بمظهر الشيطان متى يشاء، وهذا أمر طبيعي لأنه لا يلتزم بفكرة معينة، ولم تستقر في قلبه عقيدة من العقائد الصحيحة). 

ولابد للإنسان أن يفهم نقطة في غاية الأهمية لها علاقة بموضوعة الإيمان، فقد يؤمن بعضهم بأفكار أو أقوال أو مقولات أو سواها، تتناقض مع الإيمان السليم، بمعنى ربما يؤمن بعضهم بالخرافات والأساطير أو الأوثان، ومثل هذه القضايا تقود الإنسان نحو الانحراف والضلال، لذلك حين يؤمن بعض الناس بالخرافات، فإن هذا النوع من الإيمان يتناقض كليا مع الإيمان السليم والصحيح، وهكذا يتعرض الإنسان المؤمن بالأفكار إلى نوع من الضلال الشديد.

فيصبح عرضة للاصطفاف إلى جانب الشر ومعارضة الحق، والدخول في معسكر الشياطين، التي تدقعه أكثر فأكثر نحو مستنقع الانحراف الفكري والاجتماعي، ولا يمكنه أن يكون مشاركا في الخير والعمل الصلاح، ولا يمكن أن يكون عنصرا مفيدا في المجتمع، بل مثل هذا النوع من الناس حتى محيطه الاجتماعي الأصغر (العائلة) تكون معرضة للانحراف، بسبب تأثر أفرادها بالمنحرف الأول الذي خلا قلبه من الإيمان الحقيقي.

لهذا يقول الإمام الشيرازي:

(قد لا يكون الإيمان دائماً مصدر خير، فربما بُني الإيمان على الخرافات والأساطير كما هو في الأديان الوثنية أو الفِرق الضالّة وهذا هو الإيمان غير الصحيح الذي يهدم ذات الإنسان ويجعل قوتها بقوة المعتقد الذي آمن به). 

الأنبياء وغرس الإيمان في النفوس

ولكي نفهم ونعرف قيمة الإيمان وأهميته بالنسبة للإنسان، يمكننا أن نطلع على ما قام به الأنبياء من مهام ساعدت البشرية على التغيير والتحول من مجتمعات شريرة خاضعة للشر والنزاعات والغزوات ولكل أفعال الشر المعروفة، بسبب فقدانها لعنصر الإيمان الضابط لإيقاع الحياة القائمة على الخير، وهذا يعني أننا بلا إيمان لا يمكن أن نتقدم خطوة واحدة نحو الخير.

لذا فإن أول دور كبير يقوم به الإيمان إذا غُرس في القلوب، فإنه يجعل من هؤلاء الناس من ذوي الإرادات الحديدية، ويتحول ذلك الإنسان بفعل الإيمان بعد أن دخل قلبه إلى شخصية عظيمة قادرة على الإنجاز النوعي الكبير، بعد أن كان ضعيفا عاجزا لأن قلبه كان سابقا يخلو من الإيمان الذي استطاع أن يغيره إلى إنساني إيجابي فاعل ومنجِز في نفس الوقت.

الإمام الشيرازي يعبر عن هذه النقطة بالقول:

(لأهمية الإيمان في بناء الفرد نلاحظ أن عمل الأنبياء هو غرس الإيمان في نفوس الناس، والأمثلة على ذلك كثيرة: فبلال الحبشي كان عبداً مسلوب الإرادة لا يملك من أمره شيئاً، لكننا لاحظنا كيف تحوّل إلى عملاق في وجه زعماء مشركي قريش).

وهكذا نحن بحاجة كبيرة وملحّة لجعل أفراد أمتنا ومجتمعنا من الناس المؤمنين بالإيمان الصحيح، خاصة أننا نحتاج إلى هذا النوع من البشر، أناس مؤمنين فاعلين ملتزمين، يقفون إلى جانب الحق ويرفضون الباطل، وينشرون القيم الصالحة في المجتمع، ويحثون الآخرين على تحصيل الإيمان كونه القيمة والصفة الأعظم التي تغير شخصية الإنسان نحو الأفضل.

فالمؤمن لا يكون ضعيفا أمام الأفكار المنحرفة، بل على العكس يكون قادرا على صدها وفضحها، وحماية نفسه وغيره من مخاطر فقدان الإيمان، والمساوئ الكبيرة التي تحدث بسبب عدم الإيمان، والذهاب نحو الأفكار المنحرفة التي قد تتحول إلى عواصف فكرية مدمرة.

كما يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:

(إذن نحن بحاجة ماسّة لصناعة إنسان قوي في مواجهة صعوبات الحياة المادية، لأن مواجهة الأمواج والتيارات والأعاصير الفكرية المنحرفة، بحاجة إلى صناعة إنسان مؤمن بعقيدته الربانيّة وفكره الإلهي وكل ذلك لا يكون إلّا ببناء داخل الإنسان بالإنبات الحسن المثمر). 

في النتيجة يكون الإيمان هو المصد الأقوى والأعظم لجميع الأفكار وحتى الأفعال المنحرفة، حتى يمكننا القول بأن صناعة الإنسان الذي يتحلى بالإيمان الحقيقي هو أعظم الأهداف، وأكثر قدرة على بناء إنسان قوي مؤمن وفاعل وقادر على إلحاق الهزيمة بالشر وبأصحابه.

اضف تعليق