التضخم الجديد.. الوجه الآخر لثورة الذكاء الاصطناعي

كيف تضغط الخوادم ومراكز البيانات والرقائق على أسعار الكهرباء وكلفة المعيشة؟

التضخم الجديد هو تضخم التحولات الكبرى: الطاقة، الحروب، الممرات، التصنيع، الأمن، والذكاء الاصطناعي. وفي هذا المشهد، يظهر الذكاء الاصطناعي كقوة صاعدة تضيف ضغطًا جديدًا على الكهرباء والرقائق ورأس المال والبنية التحتية. إنه يعد بخفض التكاليف مستقبلًا، لكنه يرفع بعضها الآن؛ يعد بالإنتاجية، لكنه يحتاج أولًا إلى استثمارات ضخمة...

لم يعد التضخم في الاقتصاد العالمي ظاهرة يمكن تفسيرها بعامل واحد، كما كان يحدث في بعض المراحل السابقة عندما ترتفع أسعار النفط، أو تتوسع السيولة النقدية، أو يزداد الطلب الاستهلاكي بسرعة تفوق قدرة الأسواق على التوريد. فالعالم يدخل اليوم مرحلة أكثر تركيبًا، تتشابك فيها الحروب، واضطراب الممرات البحرية، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة الطاقة، والتحول نحو الكهرباء، والإنفاق الدفاعي، والسباق التكنولوجي، وصعود الذكاء الاصطناعي. ومن هذا التداخل يتشكل ما يمكن تسميته بـ«التضخم الجديد»، أي ذلك النمط من ارتفاع الأسعار الذي لا ينتج فقط عن وفرة المال أو نقص السلع، بل عن تحولات بنيوية عميقة في طريقة عمل الاقتصاد العالمي.

في هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه مفارقة اقتصادية لافتة. فمن جهة، يُقدَّم باعتباره تقنية قادرة على خفض التكاليف ورفع الإنتاجية وتسريع الأعمال وتحسين كفاءة الخدمات والصناعة والإدارة. ومن جهة أخرى، تكشف المرحلة الحالية أن بناء هذه التقنية يحتاج إلى استثمارات ضخمة في مراكز البيانات، والرقائق، والخوادم، وشبكات الكهرباء، ومحطات الطاقة، وأنظمة التبريد، والأراضي، والمياه، والاتصالات. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد لا يكون في بدايته قوة خافضة للأسعار، بل قد يتحول، ولو مؤقتًا، إلى أحد مصادر الضغط التضخمي قبل أن تظهر ثماره الإنتاجية الواسعة.

هذه هي الفكرة المركزية في المقال: الذكاء الاصطناعي لا يشعل التضخم وحده، ولا يمكن تحميله مسؤولية موجات ارتفاع الأسعار التي تصنعها الحروب والطاقة والغذاء والفائدة. لكنه قد يصبح عنصرًا جديدًا في التضخم المعاصر، لأنه يحول الاقتصاد الرقمي من نشاط يبدو خفيفًا وغير مادي إلى صناعة كثيفة الاستهلاك للطاقة ورأس المال والمعدات النادرة. فالخوارزمية لا تعمل في الفراغ، بل تحتاج إلى بنية تحتية مادية هائلة. وكلما زاد سباق الشركات والدول نحو الذكاء الاصطناعي، زاد الضغط على الموارد التي تجعل هذا السباق ممكنًا.

ما هو التضخم الجديد؟

يقصد بالتضخم الجديد ذلك النمط من ارتفاع الأسعار الذي يتشكل من ضغوط طويلة الأمد لا ترتبط بدورة اقتصادية قصيرة فقط. فالتضخم التقليدي قد يحدث بسبب زيادة الطلب الاستهلاكي، أو ارتفاع الأجور، أو طباعة الأموال، أو صدمة في أسعار النفط والغذاء. أما التضخم الجديد فينشأ من تحولات أعمق: انتقال الاقتصاد من الوقود الأحفوري إلى الكهرباء، وتكلفة بناء شبكات الطاقة المتجددة، والحروب التي تربك الممرات البحرية، وإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية، وزيادة الإنفاق على الأمن والدفاع، وتنافس الدول على التكنولوجيا والرقائق، وتوسع مراكز البيانات التي تحتاج إلى كهرباء دائمة ورخيصة ومستقرة.

بهذا المعنى، لا يكون التضخم الجديد مجرد زيادة عابرة في الأسعار، بل يصبح تعبيرًا عن انتقال العالم إلى مرحلة أغلى كلفة في البناء والتشغيل. فالدول تريد طاقة أنظف، لكنها تحتاج إلى شبكات جديدة. وتريد أمنًا استراتيجيًا، لكنها تنفق أكثر على الدفاع. وتريد تقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد البعيدة، لكنها تدفع كلفة أعلى للتصنيع المحلي. وتريد ذكاءً اصطناعيًا أكثر تقدمًا، لكنها تحتاج إلى كهرباء ورقائق وخوادم ومراكز بيانات. لذلك فإن التضخم الجديد لا يأتي من الاستهلاك وحده، بل من كلفة إعادة بناء الاقتصاد العالمي.

هنا يدخل الذكاء الاصطناعي في قلب النقاش. فهو ليس سلعة استهلاكية عادية، بل مشروع بنية تحتية عالمي. وإذا كان الإنترنت قد بنى اقتصاده على الألياف الضوئية والخوادم ومراكز البيانات التقليدية، فإن الذكاء الاصطناعي يرفع الكلفة إلى مستوى أعلى؛ لأن نماذجه تحتاج إلى قدرات حوسبة ضخمة، وتدريب مستمر، وتشغيل كثيف، وتحديث سريع للأجهزة. لذلك فإن السؤال لم يعد: هل سيغير الذكاء الاصطناعي الاقتصاد؟ بل: ما كلفة بناء الاقتصاد الذي يحتاجه الذكاء الاصطناعي؟

عصر الكهرباء المكثفة

أول قناة تربط الذكاء الاصطناعي بالتضخم الجديد هي الكهرباء. فقد أكدت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها «كهرباء 2026» أن الطلب العالمي على الكهرباء مرشح للنمو بمعدل سنوي يبلغ 3.6% خلال الفترة 2026 ـ 2030، مدفوعًا بالصناعة، والمركبات الكهربائية، والتبريد، ومراكز البيانات. كما تشير الوكالة إلى أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة تصبح فيها الكهرباء مدخلًا رئيسيًا لبعض أكثر قطاعات الاقتصاد ديناميكية، مثل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والتصنيع المتقدم.

هذا التحول مهم جدًا لفهم التضخم الجديد. فالكهرباء لم تعد مجرد خدمة منزلية أو صناعية تقليدية، بل أصبحت العمود الفقري للاقتصاد الرقمي. وكلما زادت تطبيقات الذكاء الاصطناعي، زاد الطلب على مراكز البيانات، وكلما زاد الطلب على مراكز البيانات، زاد الضغط على الشبكات ومحطات التوليد. وقد ذكرت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها عن الطاقة والذكاء الاصطناعي أن مركز بيانات واحدًا مخصصًا للذكاء الاصطناعي قد يستهلك كهرباء تعادل استهلاك 100 ألف منزل، وأن بعض أكبر المراكز قيد الإنشاء قد تستهلك أضعاف ذلك.

ليست المشكلة في كمية الكهرباء فقط، بل في مكانها وتوقيتها واستمراريتها. مراكز البيانات تحتاج إلى طاقة مستقرة على مدار الساعة، ولا يمكنها العمل بكفاءة في بيئات كهربائية متذبذبة. كما أنها تميل إلى التجمع في مناطق محددة قرب شبكات الألياف الضوئية، ومصادر الطاقة، ومراكز الشركات الكبرى. وهذا التركّز يخلق ضغطًا إقليميًا على الشبكات، حتى لو بقيت حصة مراكز البيانات عالميًا محدودة نسبيًا. لذلك قد يظهر أثر الذكاء الاصطناعي في أسعار الكهرباء المحلية قبل أن يظهر بوضوح في مؤشرات التضخم العالمية.

مراكز البيانات وسؤال فاتورة الكهرباء

تظهر الولايات المتحدة اليوم بوصفها المختبر الأوضح لهذا التحول. فقد ذكرت رويترز أن مسؤولي الطاقة الأميركيين ناقشوا إصلاحات في شبكة PJM، وهي أكبر شبكة كهرباء في الولايات المتحدة وتغطي 67 مليون شخص في ولايات تضم أكبر تجمع لمراكز البيانات في العالم. وأوضحت الوكالة أن الشبكة تعاني من خطر نقص الإمدادات وارتفاع أسعار الكهرباء مع صعود الطلب المرتبط بمراكز البيانات وقلة الإمدادات الجديدة.

هذا التطور يكشف نقطة جوهرية: عندما تدخل مراكز البيانات إلى شبكة كهرباء محدودة، لا تكون الكلفة محصورة بالشركة التقنية التي تبني المركز. فقد تحتاج الشبكة إلى تحديثات، وخطوط نقل، ومحطات توليد، وأنظمة تخزين، وقد تنتقل بعض هذه الكلفة إلى المستهلكين عبر فواتير الكهرباء. ولهذا لم يعد النقاش تقنيًا فقط، بل أصبح سياسيًا وتنظيميًا. من يدفع ثمن الشبكة الجديدة؟ شركات الذكاء الاصطناعي؟ شركات الكهرباء؟ الدولة؟ أم المواطن؟

وكالة أسوشيتد برس نقلت أن الرئيس الأميركي وسّع تعهدًا طوعيًا لحماية المستهلكين من ارتفاع فواتير الكهرباء المرتبط بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وأن هناك جهودًا لتحويل هذا التعهد إلى قانون يلزم مراكز البيانات بتحمل كلفة تحديث الشبكات. كما نقلت الوكالة عن الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جنسن هوانغ أن نقطة ضعف الولايات المتحدة في تطوير الذكاء الاصطناعي هي نقص توليد الطاقة.

هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي انتقل من كونه ملفًا تقنيًا إلى ملف تكلفة معيشة. فالمواطن الذي لا يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر قد يتأثر بها إذا ارتفعت فاتورة الكهرباء، أو إذا زادت كلفة الخدمات التي تعتمد على الطاقة، أو إذا اضطرت الحكومات إلى تمويل بنية تحتية جديدة. وهنا يظهر التضخم الجديد في أوضح صوره: تقنية مستقبلية تضغط على موارد أساسية حاضرة.

التضخم لا يأتي من الاستهلاك فقط بل من الاستثمار

القناة الثانية التي تربط الذكاء الاصطناعي بالتضخم الجديد هي الإنفاق الرأسمالي. فالشركات الكبرى لا تنفق فقط على البرمجيات، بل على أراضٍ، ومبانٍ، وخوادم، ورقائق، ومعدات تبريد، ومولدات، وشبكات اتصالات، واتفاقات طويلة الأجل لشراء الطاقة. وقد نشر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تحليلًا يوضح أن الاستثمار في البرمجيات ومراكز البيانات ومرافق الطاقة والحواسيب أصبح مؤشرًا مهمًا لتتبع أثر بناء الذكاء الاصطناعي في الناتج والاقتصاد الكلي. 

هذا الإنفاق الضخم قد يكون مفيدًا للنمو، لكنه قد يكون تضخميًا في مرحلة البناء. فحين تتسابق شركات كبرى على شراء الرقائق نفسها، واستئجار الأراضي نفسها، والتعاقد مع مزودي الكهرباء أنفسهم، فإنها ترفع الطلب على موارد محدودة. وإذا كان العرض لا يتوسع بالسرعة نفسها، ترتفع الأسعار. وهذا ما يجعل الذكاء الاصطناعي مختلفًا عن بعض الموجات الرقمية السابقة: فهو لا يحتاج فقط إلى مبرمجين ومنصات، بل إلى بنية مادية تشبه الصناعات الثقيلة في بعض جوانبها.

وقد وصف تحليل آخر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي طفرة الذكاء الاصطناعي بأنها تشبه «صدمة تكنولوجية قائمة على الاستثمار»، أي أن الاستفادة من التقدم التقني تتطلب إنفاقًا مستمرًا على أجيال جديدة من رأس المال والمعدات. وأشار التحليل إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية تتميز بإنفاق متصاعد على الحواسيب والرقائق ومراكز البيانات، وأن المدخلات الأساسية لهذه الطفرة مركزة جغرافيًا بدرجة كبيرة في شرق آسيا، مع احتمال أن تجعل أسعار المدخلات المرتفعة المخاطر التضخمية أكبر مما كانت عليه في دورات تكنولوجية سابقة. 

هذه النقطة تفتح زاوية أوسع: التضخم الجديد ليس تضخم الأجور فقط، ولا تضخم الطلب الاستهلاكي فقط، بل تضخم الاستثمار في البنية التحتية. فعندما تصبح كل دولة وكل شركة كبرى مضطرة إلى بناء قدرات حوسبة خاصة بها، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى سباق رأسمالي عالمي. وهذا السباق يحتاج إلى تمويل، والتمويل يتأثر بالفائدة، والفائدة تتأثر بالتضخم، وبذلك تدخل التقنية في حلقة اقتصادية أوسع.

الرقائق: عنق الزجاجة الخفي

لا يمكن الحديث عن تضخم الذكاء الاصطناعي من دون الحديث عن الرقائق. فالرقائق المتقدمة، خصوصًا وحدات معالجة الرسوم والمعالجات المتخصصة، هي القلب المادي للنماذج الكبيرة. وكلما زاد الطلب عليها، زادت الضغوط على سلاسل التوريد، والأسعار، وقدرات التصنيع. ولأن إنتاج هذه الرقائق متركز في عدد محدود من الدول والشركات، فإن أي اضطراب جيوسياسي أو تجاري يمكن أن يتحول إلى ضغط سعري.

تحليل الاحتياطي الفيدرالي حول طفرة الذكاء الاصطناعي أشار إلى أن نحو 90% من المعدات ذات الصلة بهذه الطفرة تُستورد من شرق آسيا، وأن الطلب المستدام على أشباه الموصلات والمعدات المرتبطة بها قد يجعل أثر الطفرة أطول وأكثر استمرارًا من دورات تكنولوجية سابقة. كما أشار إلى أن أسعار الحواسيب وأشباه الموصلات ارتفعت منذ الجائحة بعد عقود من الانخفاض، وهو ما قد يجعل كلفة مواصلة بناء الذكاء الاصطناعي أعلى مما كان متوقعًا. 

هنا لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد خدمة رقمية تُباع للمستخدمين، بل يصبح جزءًا من سوق عالمي شديد الحساسية للسياسة والصناعة والتجارة. فإذا فرضت دولة قيودًا على تصدير الرقائق، أو تعثرت مصانع متقدمة، أو زاد الطلب فوق قدرة الإنتاج، فإن كلفة الذكاء الاصطناعي ترتفع، وقد تنتقل هذه الكلفة إلى خدمات الحوسبة السحابية، ثم إلى الشركات التي تستخدمها، ثم إلى المستهلكين.

من أسعار الجملة إلى التضخم العام

قد يسأل القارئ: هل يمكن لمراكز البيانات وحدها أن ترفع التضخم العام؟ الجواب يحتاج إلى توازن. فالأثر الحالي قد يكون محدودًا مقارنة بالنفط أو الغذاء أو السكن، لكنه مهم لأنه في اتجاه صاعد. فقد قدّر بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس أن طفرة مراكز البيانات قد تزيد تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة عبر أسعار الكهرباء بنحو 0.05 نقطة مئوية في 2026 وبنحو 0.13 نقطة في 2030 في سيناريو يتركز فيه الاستهلاك في أوقات الذروة، مع احتمال أن تكون الآثار أعلى في سيناريوهات توسع قصوى.

كما نشرت دالاس فد ورقة بحثية وجدت أن مراكز البيانات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي عكست عقدين من استقرار الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة، وأن مراكز البيانات الحالية رفعت أسعار الكهرباء بالجملة بنحو 3% إلى 5% في المتوسط على مستوى البلاد، مع آثار أكبر في المناطق التي تستضيف ممرات رئيسية لمراكز البيانات. وتوقعت الورقة أن الأسعار قد ترتفع بدرجات أكبر إذا استمر البناء المقترح في سيناريوهات استخدام مرتفعة.

هذه الأرقام لا تعني أن التضخم الجديد سيأتي كله من الذكاء الاصطناعي، لكنها تثبت أن أثره لم يعد افتراضًا نظريًا. فالضغط على أسعار الكهرباء بالجملة يمكن أن ينتقل تدريجيًا إلى الأسعار بالتجزئة، ثم إلى كلفة الإنتاج في قطاعات أخرى. ومع الوقت، قد يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من سلة العوامل التي تفسر صعوبة عودة التضخم إلى مستويات منخفضة ومستقرة.

لماذا يختلف التضخم الجديد عن التضخم القديم؟

الاختلاف الأساسي أن التضخم القديم كان يُفهم غالبًا من خلال الطلب الاستهلاكي أو أسعار السلع الأساسية. أما التضخم الجديد فيرتبط بكلفة بناء اقتصاد جديد. فالعالم يبني شبكات طاقة جديدة، ويعيد ترتيب التجارة، ويستثمر في الدفاع، ويطوّر الذكاء الاصطناعي، ويدخل مرحلة كهربة واسعة. كل ذلك يحتاج إلى رأس مال وموارد ووقت. وخلال فترة البناء، قد ترتفع الأسعار قبل أن تأتي المكاسب.

الذكاء الاصطناعي جزء من هذه المعادلة لأنه يستهلك موردًا أصبح مركزيًا: الكهرباء. فبينما كان الاقتصاد الرقمي يُنظر إليه باعتباره اقتصادًا خفيفًا، يتضح الآن أنه يعتمد على بنية ثقيلة. ومثلما احتاجت الثورة الصناعية إلى الفحم والحديد والسكك، يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى كهرباء ورقائق وخوادم وشبكات. ومعنى ذلك أن كل توسع في الذكاء الاصطناعي يضع سؤال الطاقة في قلب الاقتصاد الرقمي.

لكن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي قوة تضخمية دائمة. فكل تقنية كبرى تمر بمرحلتين: مرحلة بناء مكلفة، ثم مرحلة انتشار قد تخفض الكلفة. في المرحلة الأولى، ترتفع الاستثمارات والطلب على الموارد. وفي المرحلة الثانية، إذا نجحت التقنية، تتحسن الإنتاجية وتنخفض تكاليف بعض الأعمال. لذلك فإن أثر الذكاء الاصطناعي في التضخم سيتوقف على سرعة انتقاله من مرحلة البناء إلى مرحلة الإنتاجية.

الوجه المضاد: الذكاء الاصطناعي كقوة خافضة للأسعار

حتى يكون التحليل منصفًا، يجب عدم حصر الذكاء الاصطناعي في زاوية التضخم. فهذه التقنية قد تصبح على المدى المتوسط والطويل قوة مضادة لارتفاع الأسعار. فإذا حسنت إدارة المخزون، وخفضت الهدر، وسرّعت التصميم الصناعي، وطورت سلاسل النقل، ورفعت كفاءة الطاقة، وساعدت في الطب والتعليم والإدارة، فقد تسهم في خفض كلفة الخدمات والسلع.

كما أن هناك دراسات تطرح صورة أكثر تعقيدًا. فقد وجدت ورقة بحثية منشورة على «أرشايف» أن مراكز البيانات في الولايات المتحدة بين 2015 و2024 ربما خفضت متوسط أسعار الكهرباء بالتجزئة قليلًا بفعل وفورات الحجم، مع أن هذا لا يلغي احتمال تغير الأثر مستقبلًا إذا أصبحت الشبكات مقيدة وارتفع الطلب فوق قدرة التوليد والنقل. 

إذن، الذكاء الاصطناعي ليس تضخميًا بطبيعته، وليس خافضًا للأسعار بطبيعته. أثره يتوقف على شروط بنائه واستخدامه. فإذا بنيت مراكز البيانات في مناطق تملك فائضًا كهربائيًا، وإذا تحملت الشركات كلفة الشبكات، وإذا توسعت الطاقات المتجددة والنووية والغازية بسرعة، وإذا تحولت أدوات الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجية حقيقية، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي عاملًا مضادًا للتضخم. أما إذا سبق الطلب قدرة الشبكات، وإذا تم تحميل الكلفة على المستهلكين، وإذا بقيت مكاسب الإنتاجية محدودة أو محتكرة، فسيصبح جزءًا من التضخم الجديد.

من يدفع الكلفة؟

هذا السؤال هو جوهر النقاش الاجتماعي والسياسي. شركات التقنية ترى أن الذكاء الاصطناعي سيخلق قيمة اقتصادية كبيرة، وأن الاستثمار في مراكز البيانات ضرورة استراتيجية. شركات الكهرباء ترى أن تلبية الطلب الجديد تحتاج إلى شبكات وتمويل وتنظيم. الحكومات ترى أن الذكاء الاصطناعي عنصر سيادة وتنافس دولي. لكن المواطن يسأل سؤالًا أبسط: هل سترتفع فاتورة الكهرباء؟

تدخل الحكومات اليوم على هذا الخط لأن كلفة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتحول إلى قضية سياسية. فإذا شعر المواطنون بأنهم يدفعون ثمن بنية تحتية تخدم شركات عملاقة، ستزداد المعارضة لمراكز البيانات، وقد تطالب المجتمعات المحلية بضرائب أو رسوم أو التزامات مباشرة على الشركات. وهذا ما بدأ يظهر في النقاش الأميركي حول إلزام مراكز البيانات بتحمل تكاليف تحديث الشبكات بدل تمريرها إلى المستهلكين.

هذه النقطة مهمة للدول النامية أيضًا. فإذا أرادت هذه الدول دخول سباق الذكاء الاصطناعي، فعليها أن تسأل: هل تمتلك كهرباء كافية؟ هل شبكاتها قادرة؟ هل الاستثمار في مراكز البيانات سيخدم اقتصادها المحلي أم سيضغط على خدمات المواطنين؟ هل سيؤدي إلى نقل معرفة وفرص عمل، أم سيخلق مناطق عالية الاستهلاك ومنخفضة العائد الاجتماعي؟ هنا يصبح الذكاء الاصطناعي ليس ملفًا تقنيًا فقط، بل ملف عدالة اقتصادية.

التضخم الجديد والشرق الأوسط

في الشرق الأوسط، يكتسب هذا النقاش بعدًا إضافيًا. فالمنطقة تعيش أصلًا تحت ضغط الطاقة والحروب والممرات البحرية. وإذا ارتفعت أسعار النفط بسبب الأزمات، أو ارتفعت كلفة الشحن بسبب تهديدات الملاحة، فإن أي ضغط إضافي على الكهرباء والبنية الرقمية سيزيد تعقيد المشهد. وفي دول تعاني من ضعف الشبكات الكهربائية، كما في العراق ولبنان وبعض مناطق المنطقة، يصبح الحديث عن مراكز بيانات ضخمة أكثر حساسية، لأن الكهرباء نفسها ما زالت قضية معيشية وسياسية.

لكن في المقابل، تمتلك بعض دول الخليج فرصة مختلفة، لأنها تملك موارد طاقة ورأس مال وقدرة على بناء بنى تحتية حديثة. وقد تسعى هذه الدول إلى تحويل الطاقة الرخيصة والموقع الجغرافي والاستثمارات الضخمة إلى ميزة في سباق الذكاء الاصطناعي. غير أن ذلك لا يلغي سؤال التضخم؛ فحتى الدول الغنية بالطاقة قد تواجه ارتفاعًا في كلفة المياه والتبريد والأراضي والمهارات والتأمين والبنية التحتية إذا توسعت بسرعة كبيرة.

لذلك فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعيد توزيع المزايا الاقتصادية في المنطقة. الدول التي تملك كهرباء مستقرة وتنظيمًا واضحًا قد تجذب الاستثمارات. أما الدول التي تعاني من عجز كهربائي وفساد وبيروقراطية، فقد تجد نفسها خارج السباق أو داخله بكلفة عالية. وهنا يظهر جانب آخر من التضخم الجديد: ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل ارتفاع كلفة اللحاق بالتكنولوجيا.

هل نحن أمام فقاعة أم تحول بنيوي؟

هناك سؤال مهم يرافق طفرة الذكاء الاصطناعي: هل هذا الإنفاق الضخم يعكس تحولًا بنيويًا حقيقيًا، أم فقاعة استثمارية قد تنكمش لاحقًا؟ إذا كانت الطفرة فقاعة، فقد ينتهي جزء من الضغط على الطاقة والرقائق بعد تراجع الاستثمار. أما إذا كانت تحولًا بنيويًا مستمرًا، فإن الطلب على الكهرباء ومراكز البيانات سيبقى مرتفعًا لسنوات.

تقرير وكالة الطاقة الدولية حول الأسئلة الرئيسية للطاقة والذكاء الاصطناعي أشار إلى أن نمو مراكز البيانات واستهلاكها للطاقة سيكون حساسًا لتوقعات السوق حول العوائد على الاستثمار، وإلى أن المواطنين أصبحوا أكثر قلقًا من أثر الذكاء الاصطناعي في الوظائف والاقتصاد والبيئة والمجتمع.

هذا يعني أن مستقبل التضخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي ليس محسومًا. فإذا تباطأ الاستثمار، قد تتراجع الضغوط. وإذا تسارع السباق، قد تصبح الكهرباء والرقائق والأراضي والتمويل محاور تضخم جديدة. لذلك فإن السؤال ليس فقط: هل يرفع الذكاء الاصطناعي الأسعار؟ بل: أي شكل من الذكاء الاصطناعي نبني؟ وبأي كلفة؟ ومن يتحملها؟ ومن يستفيد منها؟

كيف يمكن الحد من الأثر التضخمي؟

إذا أرادت الدول أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي من دون أن تحوله إلى عامل تضخمي قوي، فعليها أن تتعامل معه كسياسة بنية تحتية لا كمجرد خدمة رقمية. وهذا يعني أولًا إلزام مراكز البيانات بتحمل جزء عادل من كلفة تحديث الشبكات، حتى لا تنتقل الكلفة كلها إلى المواطنين. ويعني ثانيًا توجيه هذه المراكز إلى المناطق التي تمتلك فائضًا أو قدرة على توليد كهرباء جديدة. ويعني ثالثًا الاستثمار في مصادر طاقة مستقرة ومنخفضة الكلفة، مع تحسين التخزين والنقل. ويعني رابعًا ربط الحوافز الحكومية بنتائج واضحة: وظائف، نقل معرفة، كفاءة طاقة، وحماية للمستهلكين.

كما ينبغي تعزيز الشفافية. فالكثير من النقاش حول الذكاء الاصطناعي يبقى غامضًا لأن الشركات لا تكشف دائمًا حجم استهلاكها المتوقع للطاقة أو كلفة الربط بالشبكات. وإذا لم تتوافر بيانات دقيقة، تصبح الحكومات والمجتمعات أقل قدرة على تقييم أثر هذه المشاريع. وهنا يأتي دور التنظيم: ليس لمنع الذكاء الاصطناعي، بل لجعله جزءًا من اقتصاد منتج لا من تضخم جديد يدفع ثمنه المواطنون.

الخلاصة

التضخم الجديد هو تضخم التحولات الكبرى: الطاقة، الحروب، الممرات، التصنيع، الأمن، والذكاء الاصطناعي. وفي هذا المشهد، لا يظهر الذكاء الاصطناعي كسبب وحيد لارتفاع الأسعار، بل كقوة صاعدة تضيف ضغطًا جديدًا على الكهرباء والرقائق ورأس المال والبنية التحتية. إنه يعد بخفض التكاليف مستقبلًا، لكنه يرفع بعضها الآن؛ يعد بالإنتاجية، لكنه يحتاج أولًا إلى استثمارات ضخمة؛ يبدو رقميًا في واجهته، لكنه مادي وثقيل في بنيته.

لذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل الذكاء الاصطناعي جيد أم سيئ للتضخم؟ بل: هل ستأتي مكاسب الإنتاجية أسرع من كلفة البناء؟ إذا نجحت الشركات والدول في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجية حقيقية، وفي بناء طاقة كافية، وفي حماية المستهلكين من تمرير الكلفة، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي عاملًا خافضًا للأسعار على المدى الطويل. أما إذا ظل السباق محكومًا بالإنفاق الضخم والطلب المتسارع على الكهرباء والرقائق، من دون توسع كاف في الطاقة والإنتاجية، فقد يصبح أحد وجوه التضخم الجديد: تضخم لا يأتي من النفط وحده، بل من الخوادم ومراكز البيانات والشبكات التي تصنع عقل الاقتصاد القادم.

* المصادر المعتمدة: وكالة الطاقة الدولية، مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، وكالة رويترز، وكالة أسوشيتد برس، ورقة بحثية منشورة على «أرشايف».

اضف تعليق