الإدارة في فكر المرجع الشيرازي تنطلق من بناء الإنسان قبل بناء الهياكل التَّنظيميَّة؛ إذ تشكِّل العقيدة والقيم الأخلاقيَّة الأساس الذي تنبثق منه مختلف صور العمل الجماعي، فتغدو القيادة ممارسةً قيميَّة، والعمل التَّطوعي ثقافةً مجتمعيَّة، والمواكب مؤسساتٍ تربوية، والإعلام رسالةً معرفيَّة، والزَّائر شريكًا في حفظ النِّظام، كما تتكامل أدوار...
تُشكِّل زيارة الأربعين إحدى أكبر التَّجمعات البشريَّة السَّنويَّة في العالم، وقد غدت محلَّ اهتمام متزايد في الدِّراسات الإداريَّة والاجتماعيَّة والإنسانيَّة؛ لما تتضمَّنه من أنماط تنظيميَّة فريدة يصعب تفسيرها وفق النَّماذج الإداريَّة التَّقليديَّة. ففي هذه المناسبة يتوافد عشرات الملايين من الزَّائرين من مختلف الدُّول والثَّقافات، قاصدين مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، قاطعين مئات الكيلومترات سيرًا على الأقدام، في الوقت الذي تنتشر فيه آلاف المواكب والهيئات والمؤسَّسات الخدميَّة على امتداد طرق الزِّيارة، لتوفير الغذاء والإيواء والعلاج والنَّقل وسائر الاحتياجات، في مشهد يتَّسم بدرجة عالية من الانسجام والتَّنظيم، من دون الاعتماد على جهاز إداري مركزي يتولَّى إدارة جميع تفاصيله.
وتثير هذه الظَّاهرة جملةً من التَّساؤلات العلميَّة المتعلِّقة بطبيعة الإدارة، وآليات التَّنسيق الذَّاتي، والعوامل التي تكفل استمرار هذا النِّظام بكفاءته واستقراره عامًا بعد عام، على الرَّغم من اتِّساع نطاقه وتنوع المشاركين فيه. كما تدعو إلى دراسة الأسُس الفكريَّة والأخلاقيَّة التي تمنح هذا النُّموذج قدرته على الاستمرار والتَّجدُّد، وتجعله مثالًا جديرًا بالبحث في مجالات الإدارة والقيادة والتَّنمية المجتمعيَّة.
وعند التَّأمل في فكر سماحة المرجع الشيرازي، تتَّضح رؤية تنظر إلى زيارة الأربعين بوصفها منظومة حضاريَّة متكاملة، تستند إلى منظومة من القيم الإسلاميَّة التي تُوجِّه السُّلوك الفردي والجماعي، وفي مقدِّمتها الإيمان بالله (تعالى)، والإخلاص في العمل، وخدمة النَّاس، والتَّكافل الاجتماعي، والانضباط الأخلاقي، والتَّعاون الطَّوعي(1)، وهي قيم تُنتج حالةً من التَّنظيم الذَّاتي القائم على الوعي الدِّيني والدَّافع العقائدي، بما يجعل المجتمع نفسه شريكًا في إدارة الحدث، وتنظيم مفاصله.
وتنسجم هذه الرُّؤية مع قول الله (تعالى): (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)(2)؛ إذ تمثِّل الزِّيارة مظهرًا عمليًّا للتَّعاون الجماعي في مختلف مجالات الخدمة، كما تنسجم مع قوله (سبحانه): (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(3)؛ حيث تتجلَّى قيم الإحسان في صور متعدِّدة يشترك فيها الأفراد والمؤسَّسات بصورة تلقائيَّة ومنظَّمة.
وتؤكِّد روايات أهل البيت (عليهم السلام) هذا البعد الأخلاقي والاجتماعي؛ فقد روي عن الإمام عليِّ الهادي (عليه السلام) أنَّه قال: "اتَّقو اللَّهَ وَكونُوا زَيْناً، وَلا تَكُونوا شَيْناً، جَرُّوا الَيْنا كُلَّ مَوَدَّةٍ، وَادْفَعُوا عَنَّا كُلَّ قَبيحٍ" (4)، وهي دعوة إلى تجسيد المبادئ الإسلاميَّة في السُّلوك العام، بما ينعكس على صورة المجتمع وأدائه. كما روي عن الإمام عليٍّ بن أبي طالب (عليهما السلام) قوله: "وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحَمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالَمحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللَّطْفَ بِهِمْ، وَلَاتَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّيْنِ، أَوْ نَظِيْرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ"(5)، وهو مبدأ يرسِّخ ثقافة احترام الإنسان وخدمته دون تمييز، ويظهر أثره بوضوح في الخدمات التي تقدَّم لزائري الأربعين على اختلاف جنسياتهم وانتماءاتهم.
ومن هذا المنطلق، تغدو زيارة الأربعين ميدانًا تطبيقيًّا لدراسة الإدارة المجتمعيَّة القائمة على المبادئ والقيم، ونموذجًا حضاريًّا يكشف عن قدرة المنظومة الإسلاميَّة على بناء شبكات واسعة من العمل التَّطوعي والتَّنظيم الاجتماعي، اعتمادًا على الدَّافع الإيماني والثِّقة المتبادلة والالتزام الأخلاقي، وهو ما يجعلها تجربة إنسانيَّة جديرة بالدِّراسة والتَّحليل في ضوء الفكر الإداري المعاصر، مع الإفادة من الرُّؤية التي قدَّمها سماحة المرجع الشيرازي في تفسير أبعادها الفكريَّة، والاجتماعيَّة، والإداريَّة.
أوَّلًا: مركز انطلاق الإدارة في زيارة الأربعين
تنطلق النُّظم الإداريَّة الحديثة في بنائها المؤسسي من مجموعة من القوانين، واللوائح التَّنظيميَّة، والعقود، والإجراءات التَّنفيذيَّة التي تضبط سير العمل، وتحدِّد العلاقات بين الأفراد، وتضمن تحقيق الأهداف المرسومة. وعلى الرَّغم من فاعليَّة هذه الوسائل في إدارة المؤسَّسات، فإنَّ الرُّؤية التي يطرحها المرجع الشيرازي لزيارة الأربعين تكشف عن مرتكز مختلف، قوامه العقيدة والإيمان، بوصفهما الأصل الذي تستند إليه حركة الإنسان وسلوكه داخل هذا الحدث المليوني.
فالدَّافع الذي يحث ملايين الزَّائرين على قطع المسافات الطَّويلة، وبذل الأموال، وتقديم مختلف الخدمات، وتحمُّل ألوان التَّعب والمشقَّة، لا يرتبط بإلزام قانوني، ولا بإجراءات إداريَّة ملزمة، ولا بمكاسب ماديَّة أو اجتماعيَّة؛ وإنَّما يستمد جذوره من الإيمان بالله (تعالى)، والولاء للإمام الحسين (عليه السلام)، واستحضار البعد التَّعبدي في خدمة زواره، الأمر الذي يمنح العمل طابعًا اختياريًّا قائمًا على القناعة، والالتزام العقائدي.
ويُنتج هذا الأساس الإيماني نمطًا من الانضباط الذَّاتي يُغني في كثير من الموارد عن الرَّقابة الخارجيَّة؛ إذ يستشعر الفرد مراقبة الله (سبحانه) قبل مراقبة النَّاس، فتنبعث منه الدِّقة في الأداء، والحرص على إتقان العمل، والمحافظة على حقوق الآخرين، حتَّى في المواضع التي يغيب فيها الإشراف المباشر. ومن هنا تغدو الرَّقابة الذَّاتيَّة إحدى الرَّكائز الجوهريَّة في البناء الإداري لزيارة الأربعين، بما توفره من استقرار، واستمرار في أداء المهام، مع انخفاض الحاجة إلى الوسائل الرَّقابيَّة التَّقليديَّة.
ويؤيد هذا المعنى قوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)(6)، وقوله (سبحانه): (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(7)، حيث تؤسِّس الآيتان لمفهوم المراقبة الإلهيَّة بوصفها منطلقًا للالتزام والإتقان في أداء الأعمال.
وفي ضوء ذلك، يؤكِّد المرجع الشيرازي أنَّ الإخلاص يمثِّل الأساس الذي ينبغي أن تنطلق منه جميع الأعمال المرتبطة بزيارة الأربعين(8)؛ لأنَّ سلامة المقصد تنعكس على طبيعة الممارسة، وتدفع الإنسان إلى خدمة الزَّائرين بروح التَّعبد والإحسان، بعيدًا عن دوافع الشُّهرة أو المصالح الشَّخصيَّة. ومن ثمَّ، فإنَّ نجاح الإدارة في هذا الحدث يرتبط بمنظومة عقديَّة وأخلاقيَّة تُكوِّن الإنسان قبل أن تُنظِّم العمل، وتجعل الالتزام نابعًا من الضَّمير والإيمان، وهو ما يفسر جانبًا مهمًّا من استمراريَّة هذا النُّموذج واتِّساعه عبر العقود.
ثانيًا: الإمام الحسين (عليه السلام) قائد المشروع الحضاري
تُبرز رؤية المرجع الشيرازي الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفه قائدًا لمشروع حضاري، يمتدُّ أثره ليؤسِّس منظومة فكريَّة وأخلاقيَّة وثقافيَّة ما زالت توجِّه حركة الأمَّة، وتلهم الأجيال المتعاقبة. وبهذا الفهم، تغدو نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) مرجعًا دائمًا في بناء الإنسان والمجتمع، ومصدرًا للقيم التي تنتظم في ضوئها مختلف الأنشطة الدِّينيَّة والاجتماعيَّة.
وانطلاقًا من هذا التَّصور، تُعدُّ زيارة الأربعين امتدادًا عمليًّا لقيادة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتستلهم أهدافها وممارساتها من المبادئ التي نهض من أجلها(9)، وفي مقدِّمتها الإصلاح، وصيانة الكرامة الإنسانيَّة، وإحياء العدل، وترسيخ قيم التَّضحية والإيثار(10). ومن ثمَّ فإنَّ القيادة في هذا النُّموذج تُدرك باعتبارها مرجعيَّة قيميَّة وأخلاقيَّة ترسم الاتِّجاه العام، وتوجِّه السُّلوك الفردي والجماعي نحو الغايات العليا.
ولهذا تنتظم أدوار الزَّائر، وصاحب الموكب، والخطيب، والمتطوِّع، وسائر المشاركين ضمن منظومة واحدة، تستمد معاييرها من سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) ومبادئه، فتتحد المقاصد وإن اختلفت الوظائف، وتتقارب الممارسات على الرَّغم من تنوع البيئات والثَّقافات والانتماءات. ويُفسِّر هذا الانسجام استمرار هوية الزِّيارة عبر القرون، مع احتفاظها بخصائصها الأصيلة، على الرَّغم من التَّحولات الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة التي شهدها العالم الإسلامي.
وقد روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) قوله: "إِنِّي لَمْ اخْرُجْ اشَراً وَلا بَطَراً، وَلا مُفْسِداً؛ وَلا ظالِماً؛ انّما خَرَجْتُ لِطلَبِ الاصلاح في أمّه جَدّي مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله) أُريدُ أَنْ آمر بِالمَعروف وَأَنْهي عَنِ الْمُنْكَر أَسيرَ بِسيرَةِ جَدّي وَأبي عَليِّ بْنِ أَبي طالِب (عليهما السلام)"(11)، وهو النَّص الذي يحدِّد الغاية الحضاريَّة لنهضته، ويجعل الإصلاح محورًا لمشروعه الرِّسالي.
وفي ضوء هذه المرتكزات، يقرِّر المرجع الشيرازي أنَّ زيارة الأربعين تمثِّل استمرارًا للمشروع الحضاري الذي أسَّسه الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث تتجسَّد مبادئه في سلوك الملايين من المشاركين، وتظهر آثارها في انتظام العمل الجماعي، ووحدة المقصد، والمحافظة على الهوية الحسينيَّة جيلًا بعد جيل.
ثالثًا: الإدارة الشَّعبيَّة وعلاقتها بتنظيم زيارة الأربعين
تكشف رؤية المرجع الشيرازي أنَّ زيارة الأربعين تقدِّم نموذجًا متقدِّمًا للإدارة المجتمعيَّة، يقوم على المشاركة الشَّعبيَّة الواسعة، ويستند إلى المبادرات الذَّاتيَّة التي تنبع من وعي المجتمع وقيمه الدِّينيَّة، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الإدارة المركزيَّة أو المؤسَّسات الرَّسميَّة. ويُعدُّ هذا النُّموذج من أبرز الخصائص التي تميِّز الزِّيارة؛ إذ تنشأ أغلب الأنشطة الخدميَّة والتَّنظيميَّة من داخل المجتمع نفسه، من خلال التَّفاعل الطَّوعي بين الأفراد والجماعات، في صورة تعكس مستوىً عاليًا من الثِّقة المتبادلة والتَّنسيق الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، تعتمد الخدمات المقدَّمة للزَّائرين وتتأسس على المبادرات الفرديَّة والجماعيَّة التي يقدِّمها المؤمنون بدافع القربة إلى الله (تعالى) وخدمة الإمام الحسين (عليه السلام). وتنعكس هذه المبادرات في صور متعدِّدة، فتفتح الأسر بيوتها لاستقبال الزَّائرين، وتتولَّى المواكب توفير الغذاء والماء والإيواء والرِّعاية الصحيَّة، كما تشارك القرى والمدن، كل بحسب إمكاناتها، في تنظيم مسارات الزِّيارة وتلبية احتياجات الوافدينَ، الأمر الذي يكوِّن شبكة واسعة من الوحدات الخدميَّة المترابطة، تعمل بروح التَّكامل والتَّنسيق من غير حاجة إلى توجيه مركزي مباشر.
وعبر هذا البناء الاجتماعي، تتوزع الأدوار بين مختلف شرائح المجتمع وفق مبدأ المشاركة الجماعيَّة، فتغدو إدارة الزِّيارة مسؤوليَّة عامَّة يشترك فيها الجميع، كلٌّ بحسب قدرته وإمكاناته. ويُفضي هذا النَّمط من التَّنظيم إلى رفع مستوى المرونة في مواجهة المتغيِّرات، وزيادة القدرة على استيعاب الأعداد المتنامية من الزَّائرينَ، مع المحافظة على استمراريَّة الخدمات وجودتها عبر السِّنين، وهو ما يجعل الإدارة الشَّعبيَّة أكثر قدرة على التَّكيُّف والتَّوسع في مثل هذه المناسبات الجماهيريَّة الكبرى.
ويتَّفق هذا التَّصور مع قول الله (تعالى): (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(12)، وهي ولاية تقوم على التَّكافل والتَّناصر والتَّعاون في تحقيق المصالح المشتركة.
وقد روي عن الإمام جعفر الصَّادق (عليه السلام): "الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ: عَيْنُهُ وَدَلِيلُهُ، لَايَخُونُهُ، وَلَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَغُشُّهُ، وَلَا يَعِدُهُ عِدَةً فَيُخْلِفَهُ" (13)، وهي رواية ترسِّخ أسُس التَّعاون والثِّقة المتبادلة التي يقوم عليها العمل الجماعي. كما روي عن أبي عبدالله (عليه السلام): "مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ حَاجَةً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ طَوَافاً حَتَّى بَلَغَ عَشْراً" (14)، وهو توجيه يرسِّخ ثقافة خدمة الآخرين، ويجعلها من القربات التي يتنافس فيها المؤمنون.
وانطلاقًا من هذه المرتكزات، يرى المرجع الشيرازي أنَّ النَّجاح التَّنظيمي لزيارة الأربعين يستند إلى نشاط المجتمع وقدرته على تنظيم ذاته في ضوء القيم الإسلاميَّة، حيث تتكامل المبادرات الشَّعبية في إطار هدف واحد، فتتوزع الوظائف بصورة طبيعيَّة، وتتضافر الجهود لتحقيق المصلحة العامَّة، الأمر الذي يجعل زيارة الأربعين نموذجًا متميِّزًا في الإدارة المجتمعيَّة القائمة على المشاركة الطَّوعيَّة، والتَّكافل، والثِّقة، والالتزام الأخلاقي.
رابعًا: ثقافة التَّطوع
يحتل العمل التَّطوعي في فكر المرجع الشيرازي موقعًا محوريًّا في البناء الإداري لزيارة الأربعين؛ ولذلك يقدِّم سماحته شكره ودعواته في كلِّ عام للزُّوار وخدمة المواكب الحسينيَّة(15)، وينظر إلى الخدمة المقدَّمة للزَّائرين على أنَّها ركنٌ أساسيٌّ في منظومة الزِّيارة، وعنصرًا فاعلًا في انتظامها واستمرارها. ويرتبط هذا التَّصور بمنظومة عقديَّة وأخلاقيَّة تجعل خدمة زائري الإمام الحسين (عليه السلام) من مصاديق التَّقرُّب إلى الله (تعالى)، الأمر الذي يمنح العمل التَّطوعي بعدًا تعبديًّا يتجاوز الاعتبارات الماديَّة أو الدَّوافع الشَّخصيَّة. ولذلك، يقدِّم آلاف المتطوعين جهودهم في مختلف ميادين الخدمة دون انتظار مقابل مالي أو منفعة خاصَّة، مستلهمينَ في ذلك قيم الإيثار والإحسان والبذل التي أرساها الإسلام ورسَّختها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). وينعكس هذا الوعي في اتِّساع دائرة المشاركة المجتمعيَّة، بحيث تشمل مختلف الفئات العمريَّة والشَّرائح الاجتماعيَّة، في صورة تكشف عن رسوخ ثقافة العطاء في الوجدان الجمعي، وتحولها إلى ممارسة يوميَّة خلال أيَّام الزَّيارة.
وقد أشار المرجع الشيرازي في بياناته المتعلِّقة بزيارة الأربعين إلى صور متعدِّدة من هذا العمل التَّطوعي، من أبرزها توفير وسائل النَّقل مجانًا للزَّائرين(16)، واستقبالهم في المنازل وتهيئة أماكن المبيت لهم، والإنفاق المالي على المواكب والخدمات، وتقديم الرِّعاية الطبيَّة والعلاج دون مقابل، والعناية بالمرضى وكبار السِّن، فضلًا عن توفير مختلف وسائل الرَّاحة التي يحتاج إليها الوافدون خلال رحلتهم. ويعكس هذا التَّنوع اتِّساع مفهوم الخدمة، بحيث يستوعب كلّ جهد يحقِّق منفعة للزَّائر أو يخفف عنه المشقَّة، مهما بدا بسيطًا في ظاهره.
وتتفق هذه الممارسات مع التَّوجيهات القرآنيَّة التي تحث على البذل والإحسان، قال الله (تعالى): (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (17)، فتؤكِّد الآية أنَّ أعمال الخير تمثِّل رصيدًا وثوابًا مدخرًا عند الله (تعالى).
كما روي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ) السَّلَامُ: "مَا قَضى مُسْلِمٌ لِمُسْلِمٍ حَاجَةً إِلَّا نَادَاهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى: عَلَيَّ ثَوَابُكَ، وَلَا أَرْضى لَكَ بِدُونِ الْجَنَّةِ" (18)، وهو من النُّصوص التي تدفع إلى خدمة المؤمنين وقضاء حوائجهم.
وفي ضوء هذه المرتكزات، يظهر أنَّ ثقافة التَّطوع في زيارة الأربعين تمثِّل منظومة اجتماعيَّة متكاملة تتكامل فيها الأدوار والطَّاقات والإمكانات، وتنتظم في إطار مقصد واحد هو خدمة زائري الإمام الحسين (عليه السلام). ومن ثمَّ، فإنَّ هذا النُّموذج يقدِّم مثالًا تطبيقيًّا لقدرة القيم الدِّينيَّة على تعبئة المجتمع، وتوجيه موارده البشريَّة والماديَّة نحو تحقيق الصَّالح العام، من خلال مبادرات ذاتيَّة تتَّسم بالاستمراريَّة والاتَّساع والتَّنوع.
خامسًا: المواكب الحسينيَّة مشاريع تربويَّة
ينظر المرجع الشيرازي إلى المواكب الحسينيَّة من منظور يتجاوز وظيفتها الخدميَّة المباشرة، ويضعها في إطار مشروع تربوي واجتماعي متكامل، يستلهم جذوره من التَّاريخ الإسلامي، ويرتبط بالرِّسالة التي حملها أهل البيت (عليهم السلام) بعد واقعة كربلاء. وفي هذا السِّياق، يصف المواكب بأنَّها امتداد لأوَّل موكب أقامه الإمام عليُّ بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) والسيِّدة زينب بنت عليٍّ (عليهما السلام)(19) عقب فاجعة الطَّف، حين نهضا بمهمَّة حفظ أهداف النَّهضة الحسينيَّة، وإحياء مبادئها في وجدان الأمَّة.
وبناءً على هذا التَّصور، تمتدُّ وظيفة المواكب الحسينيَّة إلى أداء رسالة تربويَّة وأخلاقيَّة تعكس قيم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وتُجسِّدها في التَّعامل مع الزَّائرين وسائر أفراد المجتمع. فالموكب يمثِّل واجهةً لهذه المدرسة، ومن خلال سلوك القائمين عليه تتكوَّن لدى الآخرين صورة عمليَّة عن الأخلاق الإسلاميَّة، وآداب الخدمة، وثقافة الإيثار، واحترام الإنسان.
ولهذا، يؤكِّد المرجع الشيرازي ضرورة أن تقوم إدارة المواكب على جملة من الضَّوابط الشَّرعيَّة والأخلاقيَّة والتَّنظيميَّة، من أبرزها العناية بحسن التَّنظيم، والالتزام بالأحكام الشَّرعيَّة في مختلف الأنشطة، والمحافظة على أداء الصَّلوات في أوقاتها، واحترام الزَّائرين وسائر العاملين، واجتناب أسباب الخلاف والنِّزاع، وتوثيق التَّعاون والتَّكامل بين المواكب، فضلًا عن الحرص على إظهار مكارم الأخلاق في جميع صور التَّعامل(20). وتمثِّل هذه المبادئ إطارًا ناظمًا لعمل الموكب، يجعل الخدمة مقرونة بحسن السُّلوك، والتَّنظيم مصحوبًا بالالتزام القيمي.
ويؤيِّد القرآن الكريم هذا المنهج بقوله (تعالى): (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)(21)، وقوله (سبحانه): (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(22)، وهما أصلان قرآنيان يؤكِّدانِ أنَّ جودة التَّعامل والإحسان إلى الآخرين من المقوِّمات الأساسيَّة في العمل الإسلامي. كما قال الله (تعالى): (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)(23)، وهو توجيه يرسِّخ وحدة الصَّف والتَّعاون ونبذ أسباب الفرقة، وهي مبادئ يحتاج إليها العمل الجماعي في المواكب الحسينيَّة.
وفي ضوء هذه المرتكزات، تغدو المواكب الحسينيَّة مؤسَّسات تربويَّة واجتماعيَّة تؤدِّي دورًا يتجاوز الإطار الخدمي، وتجمع بين التَّربية العمليَّة، والالتزام الدِّيني، والتَّنظيم الإداري، وبناء العلاقات الإنسانيَّة القائمة على الاحترام والتَّعاون.
سادسًا: الإعلام والتَّعريف بالرِّسالة الحسينيَّة
يُبيِّن المرجع الشيرازي البعد الإعلامي بوصفه أحد المكوِّنات الرَّئيسة في إدارة زيارة الأربعين، انطلاقًا من أنَّ نجاح هذا الحدث العالمي يرتبط أيضًا بوجود خطاب إعلامي قادر على نقل حقيقة هذه الشَّعيرة، وبيان أهدافها، وإبراز أبعادها الدِّينية والإنسانيَّة والحضاريَّة إلى الرَّأي العام المحلِّي والدُّولي(24). ومن ثمَّ، فإنَّ الإدارة الإعلاميَّة تُعدُّ جزءًا من المنظومة الإداريَّة الشَّاملة للزِّيارة، لما تؤدِّيه من وظيفة في التَّعريف بالرِّسالة الحسينيَّة، وتصحيح الصُّورة، وبناء الوعي المجتمعي. وفي أكثر من خطاب يشير المرجع الشيرازي إلى أنَّ زيارة الأربعين لم تحظ في كثير من الأحيان بالتَّغطية الإعلاميَّة التي تتناسب مع حجمها وآثارها الإنسانية، وقد تعرَّضت في بعض الوسائل إلى التَّجاهل أو التَّناول غير الموضوعي، وهو ما يستدعي عملًا إعلاميًّا أكثر تنظيمًا وقدرة على إيصال الحقائق بلغة مهنيَّة تستند إلى الدِّقة والموضوعيَّة، بعيدًا عن المبالغة أو الانفعال(25).
ولهذا دعا المرجع إلى تطوير الإعلام الحسيني من خلال توسيع حضوره في مختلف الوسائط الإعلاميَّة، والإفادة من التِّقنيات الحديثة ومنصات الاتِّصال الرَّقمي، وإعداد الكفاءات الشَّابة وتأهيلها في مجالات الإعلام والتَّوثيق والإنتاج الرَّقمي، إلى جانب نقل الصُّورة الواقعيَّة لزيارة الأربعين وما تتضمَّنه من قيم التَّعاون، والتَّكافل، والعمل التَّطوعي، والتَّعايش الإنساني، فضلًا عن بيان مكانة الشَّعائر الحسينيَّة والردِّ على ما يثار حولها من شبهات بأسلوب علمي رصين وحوار موضوعي.
وتنسجم هذه الرُّؤية مع قوله (تعالى): (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (26)؛ إذ تؤكِّد الآية أنَّ تبليغ الرِّسالة يحتاج إلى الحكمة، وحسن العرض، واختيار الوسائل المناسبة. كما قال (سبحانه): (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا)(27)، في بيان منزلة التَّبليغ بوصفه وظيفة رساليَّة تقوم على الصِّدق والأمانة.
وقد روي عن الإمام محمَّد الباقر (عليه السلام) قوله: "اتَّقُوا اللَّهَ، وَكُونُوا إِخْوَةً بَرَرَةً، مُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ، مُتَوَاصِلِينَ، مُتَرَاحِمِينَ، تَزَاوَرُوا، وَتَلَاقَوْا، وَتَذَاكَرُوا أَمْرَنَا، وَأَحْيُوهُ"(28)، وهو توجيه يؤكِّد ضرورة نشر معارف أهل البيت (عليهم السلام) وإحياء رسالتهم في المجتمع.
وفي ضوء هذه النُّصوص الشَّريفة، يتبيَّن أنَّ الإعلام في فكر المرجع الشيرازي يمثِّل وظيفة معرفيَّة وثقافيَّة ورساليَّة تتكامل مع بقية عناصر الإدارة الحسينيَّة. فهو يتولَّى توثيق التَّجربة، وإبراز قيمها، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وبناء جسور التَّواصل مع مختلف الشُّعوب والثَّقافات، الأمر الذي يجعل الإعلام أحد المقوِّمات الأساسيَّة في صيانة المشروع الحسيني، والمحافظة على حضوره الفكري والحضاري، وترسيخ رسالته في الوعي الإنساني.
سابعًا: دور المرأة في إدارة زيارة الأربعين
تحتل المرأة في رؤية المرجع الشيرازي مكانةً فاعلة في البناء الاجتماعي والإداري لزيارة الأربعين، باعتبارها عنصرًا أساسيًّا في إنجاح هذا الحدث المليوني، من خلال ما تضطلع به من مهام تربويَّة، واجتماعيَّة، وخدميَّة، وثقافيَّة، في إطار الضَّوابط والقيم التي أكَّدتها الشَّريعة الإسلاميَّة(29).
ويثمن المرجع الشيرازي مشاركة النِّساء المؤمنات في مختلف مجالات الخدمة، مع التَّأكيد على الالتزام بالحجاب الشَّرعي، والعفاف، والوقار، وصيانة الكرامة، ويرى أنَّ هذا الحضور يجسِّد الامتداد العملي لرسالة السيِّدة زينب بنت عليٍّ (عليهما السلام)، التي أدَّت دورًّا محوريًّا في حفظ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، ونقل أهدافها إلى الأجيال، بعد واقعة كربلاء. ومن هذا المنطلق، تغدو مشاركة المرأة في زيارة الأربعين استمرارًا لذلك الدَّور الرِّسالي الذي يجمع بين الثَّبات على المبادئ، وخدمة المجتمع، والمحافظة على الهوية الإسلاميَّة(30).
وتظهر إسهامات المرأة في ميادين متعدِّدة، تشمل تنظيم الخدمات داخل المواكب، وإعداد الطَّعام وتوزيعه، واستقبال العائلات، ورعاية الأطفال، والمشاركة في الأعمال الإغاثيَّة، والإسهام في البرامج الثَّقافيَّة والتَّربويَّة، فضلًا عن المساهمة في الأنشطة الصحيَّة والاجتماعيَّة التي تتطلب حضورًا نسائيًّا. وتعكس هذه الأدوار تنوع مجالات المشاركة، بما ينسجم مع طبيعة الاحتياجات التي تفرضها الزِّيارة، ويعبر عن روح التَّعاون التي تميِّز المجتمع الحسيني.
ويؤسِّس القرآن الكريم لهذا الحضور الفاعل بقوله (تعالى): (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(31)، حيث تقرِّر الآية مبدأ الشَّراكة بين الرَّجل والمرأة في حمل الرِّسالة وخدمة المجتمع، كلٌّ بحسب موقعه ووظيفته. كما قال (تعالى): (إِنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى)(32)، تأكيدًا أنَّ معيار التَّفاضل هو العمل الصَّالح، دون تمييز بين الرَّجل والمرأة في استحقاق الأجر والثَّواب.
كما روي عن الإمام جعفر الصَّادق (عليه السلام): "رَحِمَ اللَّهُ مَن أحْيا أمْرَنا"(33)، وهو مبدأ يشمل كلَّ جهد مشروع يُسهم في إحياء رسالة أهل البيت (عليهم السلام)، سواء صدر من الرِّجال أو النِّساء. فيتبيَّن أنَّ الإدارة في زيارة الأربعين، وفق رؤية المرجع الشيرازي، تقوم على مبدأ التَّكامل في الأدوار بين الرَّجل والمرأة، ضمن إطار القيم الإسلاميَّة والضَّوابط الشَّرعيَّة(34)، بحيث تتكامل الطَّاقات والخبرات لتحقيق المقاصد المشتركة.
ثامنًا: الزَّائر شريك في الإدارة ونجاح الزِّيارة
يؤكِّد المرجع الشيرازي أنَّ نجاح زيارة الأربعين يقوم على المشاركة الواعية لجميع أطراف الحدث، وفي مقدِّمتهم الزَّائر نفسه. ووفق هذه الرُّؤية يُنظر إلى الزَّائر بوصفه عنصرًا فاعلًا في المنظومة الإداريَّة؛ إذ ينعكس سلوكه بصورة مباشرة على مستوى التَّنظيم، وانسيابيَّة الحركة، وجودة الخدمات المقدَّمة لملايين المشاركين.
وانطلاقًا من هذا الفهم، يوجِّه المرجع الشيرازي الزَّائر إلى الالتزام بمجموعة من الآداب التي تسهم في انتظام الزِّيارة وتحقيق أهدافها، ومن أبرزها التَّقيد بالنِّظام العام، واحترام حقوق الآخرين، والالتزام بالأحكام الشَّرعيَّة والآداب الإسلاميَّة، والتَّعاون مع القائمين على المواكب والجهات الخدميَّة، والتَّحلي بالصَّبر وسعة الصَّدر. وتمثِّل هذه السُّلوكيات قواعد عمليَّة لإدارة الحشود؛ لأنَّها تحدُّ من أسباب الفوضى، وتوفر بيئة يسودها النِّظام والاحترام المتبادل.
وتؤكِّد هذه الرؤية أنَّ الإدارة المجتمعية في زيارة الأربعين تعتمد على وعي جميع المشاركين بأدوارهم، بحيث يصبح كلُّ فرد مسؤولًا عن المحافظة على النِّظام العام، ورعاية المصلحة المشتركة، والالتزام بالقيم التي تحكم هذا الحدث الإيماني. ومن ثمَّ، فإنَّ نجاح الزِّيارة يعد حصيلة لتكامل الأدوار بين الزَّائر، وصاحب الموكب، والمتطوع، وسائر العاملين، في إطار من التَّعاون والانضباط الأخلاقي.
تاسعًا: الإدارة العالميَّة لزيارة الأربعين
تنطلق رؤية المرجع الشيرازي من أنَّ زيارة الأربعين غدت ظاهرة إنسانيَّة ذات امتداد عالمي، تستقطب ملايين الزَّائرين من مختلف القارات والجنسيات والثَّقافات. وانطلاقًا من هذا الواقع، فإنَّ إدارة الزِّيارة تقتضي تبني رؤية استراتيجيَّة تستوعب هذا البعد الدُّولي، وتواكب متطلباته التَّنظيميَّة والإعلاميَّة والثَّقافيَّة، بما ينسجم مع اتِّساع دائرة المشاركين وتزايد الاهتمام العالمي بهذه الشَّعيرة. ولهذا السَّبب يدعو المرجع الشيرازي إلى تهيئة الظُّروف التي تيسر مشاركة الزَّائرين القادمين من مختلف بلدان العالم، من خلال معالجة العقبات التي قد تحدُّ من وصولهم أو تعوق أداءهم لهذه الشَّعيرة، مع الإفادة من الوسائل السِّياسيَّة والدبلوماسيَّة والقانونيَّة المشروعة التي تكفل حرية ممارسة الشَّعائر الدِّينيَّة، في إطار احترام الأنظمة والقوانين المعمول بها في الدُّول المعنية(35)، وبما ينسجم مع المبادئ الدُّوليَّة المتعلقة بحرية الدِّين والمعتقد. ويمتدُّ هذا التَّوجُّه إلى البعد الإعلامي والثَّقافي؛ إذ يؤكِّد المرجع ضرورة تطوير الخطاب الإعلامي الخاص بزيارة الأربعين، وإنتاج المواد العلميَّة والثَّقافيَّة والإعلاميَّة بلغات متعدِّدة، بما يتيح التَّعريف برسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، وإبراز الأبعاد الحضاريَّة والإنسانيَّة للزِّيارة، وتقديم صورة واقعيَّة عن قيمها القائمة على التَّعايش، واحترام الإنسان. ويعدُّ هذا التَّنوع اللغوي والثَّقافي من الوسائل الفاعلة في توسيع دائرة التَّواصل مع الشُّعوب المختلفة، وبناء جسور الحوار، والتَّفاهم بين الثَّقافات.
ويتوافق هذا المنهج مع التَّوجيه القرآني في عالميَّة الرِّسالة الإسلاميَّة، قال الله (تعالى): (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (36)، وقال (سبحانه): (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(37)؛ حيث تؤكِّد الآيتان أنَّ الرِّسالة الإسلاميَّة تتجاوز الحدود الجغرافيَّة والقوميَّة، وأنَّ التَّعارف بين الشُّعوب يمثِّل أصلًا من أصول العلاقات الإنسانيَّة.
ومن خلال استقراء رؤية سماحة المرجع الدِّيني السيِّد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله الوارف)، يتبيَّن أنَّ زيارة الأربعين تمثِّل نموذجًا حضاريًّا متكاملًا في الإدارة المجتمعيَّة، يستند إلى منظومة من المبادئ العقديَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة التي أثبتت قدرتها على تنظيم واحد من أكبر التَّجمعات البشريَّة السنويَّة في العالم. ويتميَّز هذا النُّموذج بكونه قائمًا على الوعي الإيماني، والمبادرة الطَّوعيَّة، والتَّكافل الاجتماعي، والرَّقابة الذَّاتيَّة، والتَّعاون بين مختلف فئات المجتمع، في إطار من الالتزام الشَّرعي والأخلاقي، الأمر الذي يفسِّر استمراره واتِّساعه على الرَّغم من ضخامة أعداد المشاركين، وتنوع بيئاتهم وثقافاتهم.
كما تبيَّن أنَّ الإدارة في فكر المرجع الشيرازي تنطلق من بناء الإنسان قبل بناء الهياكل التَّنظيميَّة؛ إذ تشكِّل العقيدة والقيم الأخلاقيَّة الأساس الذي تنبثق منه مختلف صور العمل الجماعي، فتغدو القيادة ممارسةً قيميَّة، والعمل التَّطوعي ثقافةً مجتمعيَّة، والمواكب مؤسساتٍ تربوية، والإعلام رسالةً معرفيَّة، والزَّائر شريكًا في حفظ النِّظام، كما تتكامل أدوار الرِّجال والنِّساء في خدمة المشروع الحسيني، ضمن رؤية تستوعب البعد العالمي لزيارة الأربعين، وتستشرف آفاقها المستقبليَّة. وبذلك، تقدِّم زيارة الأربعين إطارًا معرفيًّا وتطبيقيًّا يمكن الإفادة منه في تطوير الفكر الإداري المعاصر، ولا سيَّما في مجالات إدارة الحشود، والإدارة المجتمعيَّة، والعمل التَّطوعي، والقيادة الأخلاقية، وإدارة الأزمات. كما تأكَّد أنَّ نجاح المؤسَّسات يحتاج إلى منظومة من القيم التي تغرس الثِّقة، وتعمق روح المبادرة، وتوجه الطَّاقات نحو تحقيق الصَّالح العام.



اضف تعليق