في زاوية من المنزل، داخل درج مغلق أو صندوق نسيه الزمن، تستقر هواتف محمولة انتهى عمرها التشغيلي منذ سنوات. أجهزة فقدت قيمتها العملية في نظر أصحابها، لكنها ما زالت تحتفظ بقيمة أخرى لا يلتفت إليها كثيرون. فهذه القطع الصغيرة التي رافقت تفاصيل الحياة اليومية قد تخفي بين مكوناتها ثروة حقيقية تنتظر من يكتشفها...

في زاوية من المنزل، داخل درج مغلق أو صندوق نسيه الزمن، تستقر هواتف محمولة انتهى عمرها التشغيلي منذ سنوات. أجهزة فقدت قيمتها العملية في نظر أصحابها، لكنها ما زالت تحتفظ بقيمة أخرى لا يلتفت إليها كثيرون. فهذه القطع الصغيرة التي رافقت تفاصيل الحياة اليومية قد تخفي بين مكوناتها ثروة حقيقية تنتظر من يكتشفها.

خلال السنوات الأخيرة بدأت النفايات الإلكترونية تفرض نفسها بوصفها واحدة من القضايا الاقتصادية والبيئية الأكثر حضوراً على طاولة النقاش العالمي. وفي هذا السياق أشارت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، نقلتها منصة Fifreedomtoday وناقشها موقع Click Petróleo e Gás، إلى حقيقة لافتة تتمثل في أن الهواتف المحمولة القديمة تحتوي على تركيزات مرتفعة من المعادن الثمينة، وفي مقدمتها الذهب، مقارنة ببعض الخامات المستخرجة من المناجم التقليدية.

هذه المعطيات تدفع إلى إعادة النظر في مفهوم الثروة ذاته. فالصورة الذهنية السائدة ما زالت تربط الذهب بالأنفاق العميقة وآليات الحفر العملاقة والجبال البعيدة، بينما تكشف التكنولوجيا الحديثة عن وجود جزء من هذه الثروة فوق سطح الأرض، داخل الأجهزة التي نستخدمها يومياً ثم نلقيها جانباً بعد سنوات قليلة من الاستعمال.

وتوضح تقارير الأمم المتحدة الخاصة بالنفايات الإلكترونية أن العالم ينتج سنوياً أكثر من ستين مليون طن من المخلفات الإلكترونية، في حين لا يخضع سوى جزء محدود منها لإعادة التدوير المنظمة. أما البقية فتتوزع بين المستودعات والمنازل ومكبات النفايات، حاملة معها كميات كبيرة من المعادن التي يمكن استعادتها وإعادة استخدامها.

ومن هنا ظهر مفهوم "التعدين الحضري"، وهو مصطلح أخذ يكتسب حضوراً متزايداً في الأدبيات البيئية والاقتصادية الحديثة. الفكرة تبدو بسيطة في ظاهرها وعميقة في نتائجها؛ البحث عن المعادن الثمينة داخل المدن والأجهزة المستهلكة بدلاً من استخراجها من باطن الأرض. فلوحات الدوائر الإلكترونية التي تبدو عديمة القيمة بعد انتهاء عمر الجهاز، تحتوي في الواقع على نسب دقيقة من الذهب والفضة والنحاس ومعادن أخرى تدخل في صناعة المكونات الإلكترونية عالية الكفاءة.

ولا يتعلق الأمر بالجانب الاقتصادي وحده. فكل هاتف يُعاد تدويره يعني تقليص الحاجة إلى استخراج المزيد من الموارد الطبيعية، وتقليل الأضرار البيئية المصاحبة لعمليات التعدين التقليدية، وخفض كميات النفايات التي تتراكم عاماً بعد آخر. ولهذا تنظر المؤسسات الدولية إلى إعادة تدوير الإلكترونيات بوصفها جزءاً من اقتصاد المستقبل، وليس مجرد نشاط بيئي محدود.

اللافت في هذه القصة أن التكنولوجيا التي ساهمت في تسريع الاستهلاك قد تتحول في الوقت نفسه إلى أداة لإعادة اكتشاف الموارد. فالعالم الذي اعتاد البحث عن الثروات في أماكن بعيدة بدأ يكتشف أن جزءاً من هذه الثروات موجود بالفعل في الأدراج المغلقة وخزائن المنازل والأجهزة المنسية.

وربما تكمن المفارقة الأجمل في أن الهاتف الذي توقف عن الاتصال بالعالم ما يزال يحتفظ بقدرته على إنتاج قيمة جديدة. فالأشياء التي تبدو منتهية الصلاحية في أعيننا قد تمثل في حسابات الاقتصاد الحديث مورداً كامناً ينتظر فرصة ثانية للحياة.

ولعل الجانب الأكثر إثارة في هذه القضية لا يتعلق بالذهب وحده، وإنما بالطريقة التي غيّرت بها التكنولوجيا مفهوم الموارد والثروات في العصر الحديث. فخلال عقود طويلة ارتبطت القوة الاقتصادية للدول بامتلاك حقول النفط أو المناجم أو الأراضي الزراعية الشاسعة، بينما أخذت معادلات جديدة بالتشكل مع صعود الاقتصاد الرقمي والثورة الصناعية الرابعة. وأصبح من الممكن العثور على قيمة اقتصادية كبيرة في أماكن لم تكن تُصنف سابقاً ضمن الموارد الاستراتيجية.

لقد نشأت أجيال كاملة في ظل ثقافة استهلاكية متسارعة تدفع الأفراد إلى استبدال أجهزتهم بصورة مستمرة. فكل عام تقريباً تظهر هواتف أكثر تطوراً وحواسيب أسرع وأجهزة ذكية بخصائص جديدة، الأمر الذي يجعل ملايين الأجهزة تتحول إلى مخلفات إلكترونية قبل أن تستنفد جميع إمكاناتها الفعلية. هذه الدورة السريعة للاستهلاك صنعت تحدياً بيئياً ضخماً، لكنها في الوقت ذاته أوجدت فرصة اقتصادية غير مسبوقة.

ويشير خبراء الاقتصاد الدائري إلى أن العالم بدأ ينتقل تدريجياً من مفهوم "الاستهلاك ثم التخلص" إلى مفهوم "الاستخدام ثم الاستعادة". فالمواد الأولية التي تدخل في الصناعات الإلكترونية لا تفقد قيمتها بانتهاء عمر المنتج، وإنما تبقى كامنة داخله وقابلة للاسترجاع إذا توفرت التقنيات المناسبة والبنية التحتية اللازمة لإعادة التدوير.

ومن زاوية أخرى، تكشف النفايات الإلكترونية عن مفارقة إنسانية لافتة. فبينما تنفق شركات ودول مليارات الدولارات للبحث عن موارد جديدة في أعماق الأرض والمحيطات، تبقى كميات هائلة من المعادن الثمينة حبيسة الأجهزة المهملة. وهذا يدفع إلى طرح سؤال مهم: هل تكمن المشكلة في نقص الموارد فعلاً، أم في طريقة إدارتنا للموارد المتاحة؟

في كثير من دول العالم المتقدم تحولت إعادة تدوير النفايات الإلكترونية إلى قطاع اقتصادي متكامل يوفر فرص عمل واستثمارات ومشاريع ناشئة، فضلاً عن مساهمته في تقليل الأعباء البيئية. أما في العديد من الدول النامية فما تزال هذه النفايات تُعامل بوصفها عبئاً يجب التخلص منه، رغم أنها قد تمثل مصدراً اقتصادياً مهماً إذا ما أُديرت بصورة علمية ومنظمة.

وفي العراق وسائر البلدان العربية تزداد أهمية هذا الملف مع التوسع الكبير في استخدام الهواتف الذكية والأجهزة الرقمية. فملايين الأجهزة تدخل الأسواق سنوياً، ويخرج جزء كبير منها من الخدمة بعد سنوات قليلة. ومع غياب منظومات متطورة لجمع النفايات الإلكترونية وإعادة تدويرها، تتراكم كميات متزايدة من هذه الأجهزة داخل المنازل أو في مكبات النفايات، ما يعني خسارة اقتصادية وبيئية في آن واحد.

الأمر لا يتعلق بالذهب وحده، فالأجهزة الإلكترونية تحتوي أيضاً على معادن وعناصر نادرة تدخل في صناعات استراتيجية متقدمة، مثل البطاريات والشرائح الإلكترونية وأنظمة الطاقة المتجددة. ومع تزايد الطلب العالمي على هذه المواد، تزداد أهمية إعادة تدويرها بوصفها مصدراً مكملاً للموارد الطبيعية التقليدية.

ومن هنا تتسع القضية لتشمل جانباً ثقافياً وتربوياً أيضاً. فتعزيز الوعي بأهمية إعادة التدوير لا يقتصر على حماية البيئة، بل يسهم في بناء ثقافة جديدة تقوم على ترشيد الاستهلاك والاستفادة القصوى من الموارد. إن الهاتف القديم الذي يبدو عديم الفائدة قد يكون في الحقيقة جزءاً من دورة إنتاج جديدة تسهم في صناعة أجهزة أخرى أو منتجات مختلفة، بما ينسجم مع توجهات الاقتصاد المستدام.

لقد اعتادت البشرية النظر إلى الثروة بوصفها شيئاً يُستخرج من الأرض، غير أن التحولات التقنية المعاصرة تدفعنا إلى إعادة التفكير في هذا المفهوم. فالموارد لم تعد كامنة فقط في المناجم والحقول، وإنما أصبحت موزعة أيضاً داخل المدن والمنازل والأجهزة التي نستخدمها يومياً. وكلما تطورت تقنيات الاسترجاع وإعادة التدوير، ازدادت قدرة المجتمعات على تحويل ما كان يُعد نفايات إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

وهكذا تكشف الهواتف القديمة عن درس أعمق من مجرد وجود الذهب في مكوناتها الداخلية؛ إنها تذكّرنا بأن المستقبل قد لا يعتمد على اكتشاف موارد جديدة بقدر اعتماده على حسن إدارة الموارد الموجودة بالفعل. فالثروة أحياناً لا تكون بعيدة عنا، وإنما مختبئة في الأشياء التي اعتدنا تجاهلها.

استناداً إلى تقارير الأمم المتحدة بشأن النفايات الإلكترونية وإعادة التدوير، ومعلومات منشورة عبر منصة Fifreedomtoday وموقع Click Petróleo e Gás حول التعدين الحضري واستخلاص المعادن الثمينة من الأجهزة الإلكترونية المستهلكة.

اضف تعليق