توقف الملاحة عبر الممرات البحرية الحيوية لا يُربك أسواق الطاقة برفع تكاليف الشحن والتأمين فحسب، بل يهدد الاقتصاد العالمي بتباطؤ أوسع. والدول النامية هي الأكثر تضرراً لافتقارها الموارد المالية لدعم الطاقة، بينما يتوقف استقرار السوق على استدامة إمدادات النفط وتجاوز الحلول المؤقتة...

يؤثر إغلاق باب المندب مباشرة في الاقتصاد العالمي، مع تزامن اضطراب عدد من الممرات البحرية الإستراتيجية، الأمر الذي يهدّد إمدادات الطاقة ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد الضغوط على الأسواق والدول المستوردة للنفط.

وفي هذا السياق، يوضح مستشار تحرير منصة "الطاقة" المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن الإدارة الأميركية تواجه معضلة متزايدة في التعامل مع الأزمة، بالتزامن مع استمرار السحب من الاحتياطي النفطي الإستراتيجي وتراجع المخزونات التجارية.

وأضاف أن إغلاق باب المندب يتزامن مع تغيّرات مهمة في الطلب العالمي على النفط؛ إذ انخفض الطلب بصورة ملحوظة، خاصة في الصين، وهو ما أسهم مؤقتاً في تخفيف الضغوط السعرية، رغم استمرار المخاطر التي تهدّد الإمدادات العالمية.

وأشار إلى أن الأسواق تراقب باهتمام البيانات الاقتصادية المقبلة، لأنها ستكشف مدى تأثير اضطرابات الشحن والطاقة في الاقتصادات المختلفة، ولا سيما الدول النامية التي تواجه صعوبة في تحمّل ارتفاع تكاليف الوقود والاستيراد.

وجاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيّات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي على مساحات منصة "إكس" (تويتر سابقاً) تحت عنوان: "هل يؤدي استمرار أزمة هرمز وتعثر إمدادات الطاقة إلى أزمة اقتصادية عالمية؟".

تراجع الطلب الصيني وحدود تأثيره

أوضح أنس الحجي أن انخفاض الطلب العالمي على النفط جاء مدفوعاً بصورة رئيسة بتراجع الاستهلاك في الصين، مشيراً إلى أن حجم الانخفاض بلغ نحو 6 ملايين برميل يومياً، وهو رقم كبير أسهم في تقليص الضغوط على الأسواق مؤقتاً.

وأضاف أن إغلاق باب المندب لا يمكن تقييم تأثيره بعيداً عن تطورات الاقتصاد الصيني، لأن بكين تمكّنت خلال الفترة الماضية من تعويض جزء من احتياجاتها عبر النفط العائم والإنتاج المحلي، دون الاعتماد الكبير على المخزونات الإستراتيجية.

وأشار إلى أن هناك فرقاً جوهرياً بين الطلب على النفط والاستهلاك الفعلي، موضحاً أن الطلب يشمل التغير في المخزونات، في حين يعبّر الاستهلاك عن الكميات المستعملة داخل الاقتصاد، وهو ما يستوجب قراءة دقيقة للبيانات.

وأكد أنس الحجي أن الحكومة الصينية أقرت أخيراً بأن معدل النمو الاقتصادي خلال الربع الثاني من العام الحالي سجّل أضعف أداء منذ تسعينيات القرن الماضي، وهو ما يفسّر استمرار تراجع استهلاك النفط مقارنة بالمعدلات السابقة.

ورأى أن إغلاق باب المندب قد يُعيد الضغوط إلى الأسواق إذا تعافت الصين اقتصادياً، لأن انخفاض الطلب الحالي يمثّل عاملاً مؤقتاً، في حين ستعود الحاجة إلى كميات أكبر من الخام مع تحسّن النشاطَيْن الصناعي والاقتصادي.

ولفت إلى أن الاعتماد على النفط العائم أو البدائل المحلية لا يمكن أن يستمر طويلاً، كما أن استمرار السحب من الاحتياطي النفطي الأميركي يقترب من حدوده، ما يجعل الأسواق بحاجة إلى حلول أكثر استدامة للأزمة.

وشدّد على أن استمرار تعطّل الممرات البحرية، بالتزامن مع انتهاء أثر العوامل المؤقتة التي خفّفت الضغوط، قد يؤدي إلى عودة قوية لارتفاع الأسعار، مع اتساع الفجوة بين المعروض والطلب في الأسواق العالمية.

التداعيات الاقتصادية والدول الأكثر تعرضاً

أوضح أنس الحجي أن استمرار الأزمات في مضيق هرمز ومضيق باب المندب، إلى جانب المشكلات المستمرة في قناة بنما، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، يفرض ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد العالمي، متسائلاً عن الحلول الممكنة إذا استمرت هذه الأوضاع لفترة أطول.

وأضاف أن إغلاق باب المندب قد يكشف خلال الأسابيع المقبلة عن آثار اقتصادية أكثر وضوحاً، مع صدور بيانات الربع الثاني من العام في عدد أكبر من الدول، مرجحاً أن تعكس تلك المؤشرات تباطؤاً اقتصادياً أوسع مما هو ظاهر حالياً.

وأشار إلى أن الدول الفقيرة ستكون الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار الطاقة، مستشهداً بباكستان وبنغلاديش وفيتنام، إلى جانب عدد من الاقتصادات في أفريقيا وأميركا الجنوبية، التي تفتقر إلى الموارد المالية اللازمة لدعم المستهلكين.

وأكد أن الحكومات الغنية تستطيع مؤقتاً تخفيف آثار الأزمة عبر تقديم إعانات مباشرة إلى الأسر والشركات، في حين تفتقر الدول الأقل دخلاً إلى هذه الإمكانات، ما يجعلها أكثر عرضة لتراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم.

ورأى أن إغلاق باب المندب قد يفاقم الأزمة إذا طال أمده، لأن الحكومات الغربية نفسها بدأت تقديم حزم دعم بمليارات الدولارات، رغم أنها كانت تدعو في السابق إلى تقليص الإعانات الحكومية، وهو وضع يصعب استمراره طويلاً.

وكشف عن أن توقف الصادرات السعودية عبر مضيق باب المندب سيؤدي إلى نقص إضافي في الإمدادات يتجاوز 3.5 مليون برميل يومياً، فوق الخسائر السابقة، وهو ما يفرض تحديات كبيرة أمام استقرار سوق النفط العالمية.

ولفت إلى أن تجاوز الأزمة يتطلّب حلولاً سريعة وفعّالة، لأن استمرار تعطُّل الممرات البحرية الحيوية، بالتزامن مع نقص الناقلات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة أكثر تعقيداً خلال الأشهر المقبلة.

الدول الأكثر تضرراً من اضطراب الممرات البحرية

أوضح أنس الحجي أن الكميات التي تعبر مضيق باب المندب تُقدَّر بنحو 6 ملايين برميل يومياً، لافتاً إلى أن الجزء الأكبر منها كان تاريخياً نفطاً روسياً متجهًا إلى الهند ثم الصين، قبل أن تتغير خريطة التدفقات بعد أزمة هرمز.

وأضاف أن إغلاق باب المندب اكتسب أهمية أكبر بعدما رفعت السعودية صادراتها عبر هذا الممر، مستفيدة من خط الأنابيب الممتد من شرق المملكة إلى غربها، وهو ما أوصل الكميات السعودية العابرة إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً.

وأشار إلى أنه حال توقف الملاحة بالكامل، فإن الأسواق ستفقد جزءاً كبيراً من هذه الإمدادات، مع احتمال استمرار مرور النفط الروسي إذا لم تتعرض ناقلاته للاستهداف، رغم ملاحظة تراجع حركة الشحنات الروسية خلال الساعات الأخيرة.

وأكد خبير اقتصادات الطاقة أن الحوثيين قد يتجنّبون استهداف السفن داخل المضيق نفسه، لأن أي انسياب نفطي كبير سيؤدي إلى إغلاق الممر بالكامل، وهو ما سيعطّل أيضاً صادرات النفط الروسي، الأمر الذي لا يخدم مصالح جميع الأطراف.

ورأى أن إغلاق باب المندب ستكون له تداعيات متفاوتة بين الدول المصدرة؛ إذ ستتأثر السعودية وروسيا بحجم الصادرات، في حين سيكون السودان وجنوب السودان الأكثر خسارة نسبياً لاعتماد اقتصادهما بصورة كبيرة على عائدات النفط.

وأضاف أن دولة جنوب السودان تواجه مخاطر استثنائية، لأن معظم إيراداتها تعتمد على تصدير النفط، في حين تمتلك السعودية احتياطيات مالية ومصادر دخل أخرى تخفّف آثار أي توقف مؤقت، مع إمكان توجيه جزء محدود من النفط السوداني إلى أوروبا.

واختتم بالقول إن أكبر الدول المستوردة عبر المضيق هي الهند، تليها الصين، إلا أن اعتماد نيودلهي على النفط الروسي قد يحدّ من حجم الضرر إذا استمرت تدفقاته، في حين تبقى المخاطر الأمنية والقرصنة عاملَيْن يصعب التنبؤ بتأثيرهما في حركة التجارة.

اضف تعليق