الأمومة جعلتها تحتمل الإهانة والعنف من غير أن تتخلى عن ابنها أو تحرمه من رعايتها. ظل قلبها مفتوحًا له مهما تمادى في جحوده. كان يدهشني صبرها النادر؛ تكابد شظف العيش والعمل المرهق، وتتحمل قسوة ابنها، فيما تبقى شفقتها عليه وحنانها نحوه لا ينطفئان. كلما استعدت سيرتها أدركت أن حياتها كانت سلسلة من المحن التي لا يحتملها إلا أصحاب الإرادة الاستثنائية...
بعد قريتنا نحو ستة كيلومترات عن أقرب مدرسة ابتدائية تأسست سنة 1960. كنتُ ومجموعة من أقراني من المحظوظين حين أصبحنا تلامذةً في الصف الأول الابتدائي في العام الثاني لتأسيس مدرسة المتنبي الابتدائية. لولا هذه المدرسة لبقينا أسرى مهنة الرعي، الذي كان يرسم ملامح الطفولة الريفية يومئذٍ، حيث يرث الصغار نمط حياة آبائهم في زراعة الأرض وتربية الماشية.
فتحت المدرسة أمامنا نافذة على عالم أوسع، وأيقظت وعيًا جديدًا بالمعرفة والحياة. كنا نقطع يوميًا اثني عشر كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، نسير حفاةً على درب ترابي ضيق بين الحقول. لم يكن ذلك المشوار مجرد طريق إلى المدرسة، وإنما عبور من عالم الأمية إلى عالم المعرفة. مع كل خطوة كنا نبتعد عن حياة ورثناها، ونقترب من أفق يعيد تشكيل رؤيتنا للذات والعالم. هكذا تحوّل الطريق المتعب إلى رمز للانتقال من قدر يبدو محتومًا إلى مستقبل مفتوح على إمكانات لم نكن نتخيلها.
الأمهات كنّ الأكثر إرهاقًا في حياة الريف، لتعدد المسؤوليات التي ينهضن بها. رحلة كدحهن تبدأ مع الفجر، حين تخوض الأم مياه الجداول الباردة في أيام الشتاء، حاملةً أبناءها إلى الضفة الأخرى ليواصلوا سيرهم مشيًا إلى المدرسة. ما إن تنجز هذه المهمة حتى تلتحق بأعمال الحقل إلى جانب الأب، فتشارك في الفلاحة وسائر الأعمال الزراعية الشاقة، ثم تعود لتتابع شؤون الأسرة وإعداد الطعام البسيط.
الأم عماد الأسرة ومصدر تماسكها، تحمل أعباءً ثقيلة بصبر استثنائي، وتواجه قسوة الحياة بجلَد صامت، مانحةً أبناءها ما يحتاجونه من رعاية ودفء وأمان، على الرغم من المشقة التي تستنزف طاقتها. بعض الأمهات واجهن أقدارًا موجعة حين فقدن أزواجهن بالموت، أو القتل الذي لم يكن نادرًا في القرى آنذاك. وجدت الأم نفسها وحيدة في رعاية الأيتام وتأمين معيشتهم وحمايتهم من الجوع.
كانت تحمل هذه الأعباء بصبر مدهش، وتواصل حياتها بقوة تستمدها من محبتها لأبنائها وشعورها بالمسؤولية تجاههم، فتغدو تجسيدًا للتضحية الصامتة التي تترك أثرها العميق في حياة الأبناء ومستقبلهم. من الصور الكئيبة الراسخة في ذاكرتي صورة جارتنا التي قُتل زوجها وترك لها أربعة أولاد وبنتًا في سن الطفولة. لم يترك أرضًا ولا ماشيةً ولا مالًا، فقد عاش فقيرًا ورحل فقيرًا.
وجدت الأم نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة وإعالة أطفالها، غير أنها لم تنكسر أمام محنتها، وإنما اهتدت بذكاء فطري وإرادة صلبة إلى ما يوفّر الحد الأدنى من قوت الأبناء ونفقاتهم اليسيرة حدّ الكفاف. تذهب هذه السيدة يوميًا إلى منطقة كثيفة الأشواك، تبعد نحو ساعة سيرًا على الأقدام، فتقضي ساعات في قطع الشوك وجمعه وإحراقه حتى يتحول إلى فحم. تراقب النار والجمر بعناية، وتحمل الماء من الجدول القريب كي لا يتحول ما جمعته إلى رماد، كي تبيعه لتؤمّن قوت أطفالها.
لم يكن ذلك مجرد عمل شاق، وإنما كفاح امرأة وحيدة في مواجهة الفقر، تنتزع بصبرها وإرادتها من أرض قاسية ما يحفظ لأبنائها الحد الأدنى من العيش. تكابد هذه السيدة ذلك العمل المرهق بصمت، وتحوّل كدحها اليومي إلى مورد رزق يحمي أبناءها من الفاقة. بعد اكتمال تفحّم الشوك تجمعه وتحمله إلى القرية، ثم تنطلق في اليوم التالي إلى مدينة قلعة سكر، حاملةً على رأسها نحو خمسة عشر كيلوغرامًا منه، قاطعةً، سيرًا على الأقدام، ما يقارب ثلاثين كيلومترًا ذهابًا وإيابًا. تبيع الفحم لتشتري بثمنه ما يسد الرمق لأيام قليلة، ثم تعود عند المغيب لتستأنف دورة الكفاح نفسها.
كلما استعدت صورتها أدركت كيف استطاعت أمهات فقيرات أن ينتزعن من قسوة الحياة ما يصون أبناءهن من الجوع ويحمين كرامتهن من التسوّل، بقوة الإرادة وصبر يعجز الوصف عنه. ظل مشهدها من أكثر صور الطفولة مرارة في ذاكرتي، لأنه كان يلخّص حكاية أمهات كثيرات حملن أعباء الحياة بصمت وجَلَد نادر نيابة عن الأبناء، كل ذلك من أجل أن تؤمّن لأطفالها ما يسد رمقهم. كلما استحضرت صورتها أدركت حجم التضحيات التي قدّمتها أمهات الريف بصمت، وكيف غدت إرادتهن سندًا خفيًا حمى أسرًا كثيرة من التصدع والانهيار، في زمن كانت الحياة فيه أكثر قسوة، ولا يهب العيش للإنسان شيئًا إلا بعد كفاح يومي شاق.
على الرغم من الشقاء الاستثنائي الذي عاشته هذه الأم، لم يكن الفقر أقسى ما واجهته. كان أحد أبنائها شديد العدوانية، يؤذيها بالصراخ الغاضب والضرب، ويقابل تضحياتها بالجفاء. ما زلت أذكر مشاهد موجعة شجّ فيها رأس أمه بالفأس أكثر من مرة، فتخرج مذعورة تستغيث بأخي الكبير شريف "أبو عادل". كان مؤلمًا أن ترى أمًا تستنزف عمرها من أجل أبنائها، ثم تتلقى من أحدهم أسوأ أشكال الاحتقار والعنف.
حظي أبو عادل بمكانة خاصة بين أهل القرية، لما عُرف به من إيمان واستقامة ونزاهة، ولأنه علّم نفسه القراءة والكتابة في بيئة ندر فيها مَن يقرأ ويكتب. كلما استغاثت به تلك الأم المفجوعة سارع إلى نجدتها، يواسيها ويزجر ابنها ويذكّره بحق أمه. كان أبو عادل يشفق على هذه الأم المفجوعة ويهدئ من روعها، ثم يجلس إلى ابنها محاولًا أن يوقظ في ضميره الندم ويذكّره بحق أمه. كان الفتى يهدأ أيامًا، ثم يعود إلى عنفه وعنفه. كلما استغاثت به أمه هبّ لمواساتها وتجديد محاولاته في توجيهه. حين أستعيد تلك المواقف أدرك أن بعض الأمهات لم يقعن في محنة الفقر وحده، وإنما وقعن ضحايا عقوقًا يوجع القلب، واحتملن ذلك بصبر يكاد لا يعرف حدودًا.
الأمومة جعلتها تحتمل الإهانة والعنف من غير أن تتخلى عن ابنها أو تحرمه من رعايتها. ظل قلبها مفتوحًا له مهما تمادى في جحوده. كان يدهشني صبرها النادر؛ تكابد شظف العيش والعمل المرهق، وتتحمل قسوة ابنها، فيما تبقى شفقتها عليه وحنانها نحوه لا ينطفئان. كلما استعدت سيرتها أدركت أن حياتها كانت سلسلة من المحن التي لا يحتملها إلا أصحاب الإرادة الاستثنائية. لم يلفتني حجم ما عانته بقدر ما لفتني إصرارها على حماية أطفالها وصون كرامتهم في أقسى الظروف. ستبقى صورتها حيّة في ذاكرتي، لأنها تجسد أعمق ما تختزنه بعض الأمهات من طاقة على التضحية، وكيف تنتصر قوة المحبة على الفقر والألم والجحود.
حين أتأمل سلوك هذا الابن اليوم أميل إلى أنه لم يكن عاقًا بطبعه، وإنما كان يحمل جروحًا نفسية عميقة خلّفها قتل الأب والحرمان المبكر، وهذا يعني أنه كان بحاجة إلى عيادة نفسية. في ذلك الزمان لم يعرف الناس شيئًا عن العلاج النفسي، فكانوا يفسرون مثل هذا السلوك على أنه سوء تربية، أو فساد أخلاق، أو مسّ من الشيطان. لا أريد أن أبرر عنفه تجاه أمه، غير أن ذلك يفسر جانبًا من سلوكه، ويكشف عن معاناة داخلية لم يجد من يفهمها أو يساعده على تجاوزها.



اضف تعليق