العقلية الجاهلية الفاسدة لم تكن تقنع بالعطاء العادل والمجزي للإمام الحسن، بل بنمط العطاء الأموي المُضلّ كما تجسّد في اشخاص قياديين في جيش الامام مثل؛ عبيد الله بن العباس، الذي محضه الامام ثقته وسلّمه قيادة جيش من اثني عشر ألف مقاتل لكنه باع ثقة الإمام بمليون درهم...
"والله لو أعطيت الأقاليم السبع بما فيها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت".
أمير المؤمنين، عليه السلام.
تحت هذا الشعار الخالد سار الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، في قيادته للأمة بعد استشهاد أبيه في محراب الكوفة على يد حملة الافكار الفاسدة، فهو مشروع رسالي –إصلاحي في الأمة، كما يشمل برعايته العالم كله، وكان رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، قد أبلغ وصيّه أمير المؤمنين بأن "ستقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل"، أي أن القضية لا تتوقف عند العقيدة فقط، وإنما تمتد الى الفكر والسلوك.
فمن أهم التحديات أمام الإيمان في الامة في تلك الفترة التأسيسية؛ غياب المنظومة الفكرية الصحيحة الدالة على المنهج الصحيح والتفسير الدقيق للقيم مثل؛ القيادة والحرية، والعدالة، والأخلاق، رغم أن رسول الله بين الخطوط العريضة من خلال سيرته الوضاءة، بيد أن المسلمين في المدينة عجزوا عن الجمع بين الإيمان بالعقيدة والالتزام بالاحكام الدينية، واستيعاب تلك الاشارات الدالة الى معايير القيادة الصالحة، وكيف يتعاملون مع قيمة الحرية الفردية، كما في قصة ذلك الرجل الذي استثنى نخلة واحدة وسط بستان باعه لأحد الاشخاص، ورفض بيعها وفق قانون "الناس مسلطون على أموالهم"، فجاء النبي الأكرم بقاعدة جديدة لأول مرة ليحدد مساحة حرية التصرف بالاموال والممتلكات بأن "لا ضررَ ولا ضِرار في الاسلام"، بعد أن قلع النخلة عنوة وأعطاها لصاحبها ليزرعها في مكان آخر.
مسائل عديدة بينها رسول الله في حياته القصيرة بين المسلمين وهي عشر سنوات فقط، لكن بقيت مسألة القيادة عصيّة على الفهم الصحيح عند المسلمين كونها ترتبط بالثقافة الجاهلية مباشرة، حيث منطق القوة والهيمنة لاثبات الوجود متجذرٌ في نفس الانسان العربي آنذاك، وهو المنطق السائد في العالم بأسره قبل بزوغ فجر الإسلام، واستبشار أهل العالم بقيم السلم، والرحمة، والتسامح، وهي التي تعرضت للتشوّه في الاذهان لمجرد رحيل النبي الأكرم عن الحياة الدنيا، وحتى اليوم الذي آب المسلمون الى رشدهم بعد أن استشعروا مرارة فقدانها مطالبين أمير المؤمنين بتولّي الخلافة السياسية.
ومن أبرز القيم الجاهلية؛ الاحتكام الى قوة المال بدلاً من قوة الإيمان، يكفي أن نأتي بمثل واحد لاثنين ممن صحبوا رسول الله وشاركوا معه حروبه، وسمعوا منه كلامه، أحدهما استحوذ على الملايين من الدنانير والدراهم بدعوى منصب "الخلافة"، وهو عثمان بن عفان، بينما مات الآخر جوعاً وعطشاً في صحراء الربذة القاحلة منفياً بقرار نفس هذا الخليفة! وهو الصحابي الجليل؛ أبي ذر الغفاري.
إن تجمع المسلمين حول أمير المؤمنين باسطين أيديهم لمبايعته خليفة لرسول الله، لم يلغ هذه الثقافة الجاهلية المتجذرة في النفوس، وقد أنبأهم بشكل غير مباشر بها بقوله: "أكون لكم وزير خيرٌ لي من أن أكون أمير"، بيد أن مشكلة الناس في كل زمان ومكان؛ رؤيتهم المحدودة، واندفاعهم لمصالحهم الآنية في تعاملهم مع قائدهم، فهم يتطلعون الى المال والاميتازات وفرص ا لعمل قبل ان يتطلعوا الى العدالة والحرية وحتى الكرامة، وعندما اقترح عليه أحدهم بأن ينثر الاموال على القادة العسكريين لضمان ولائهم، و يشتري ضمير الشعراء كما يفعل معاوية، أجابهم: "تأمرونّي أن أطلب النصر بالجور"، بمعنى أن الاموال والامتيازات التي تلقى في أفواه المتزلفين والانتهازيين، لابد وأن تقتطع من أفواه الناس (المواطنين).
وفي سياق الحديث عن آلية القيادة عند الامام الحسن المجتبى، الذي نعيش هذه الأيام ذكرى استشهاده الأليمة، تجدر الاشارة الى أنه، عليه السلام، كان مراعٍ لعنصر الحوافز المادية عند جنوده، فقد رفع سقف الرواتب بمستوى الضعف، "وكان أول شيء أحدثه الحسن أنه زاد المقاتلة مائة مائة، وقد كان علي فعل ذلك يوم الجمل، والحسن فعله على حال الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعد ذلك". (مقاتل الطالبيين- أبي الفرج الاصفهاني)، بيد أن العقلية الجاهلية الفاسدة لم تكن تقنع بهذا العطاء العادل والمجزي، بل بنمط العطاء الأموي المُضلّ كما تجسّد في اشخاص قياديين في جيش الامام الحسن مثل؛ عبيد الله بن العباس، الذي محضه الامام ثقته وسلّمه قيادة جيش من اثني عشر ألف مقاتل من "فرسان العرب وقراء المصر"، يقول الامام، عليه السلام، ثم يردف بالوصية له بالعناية بهم فانهم "بقية ثقة أمير المؤمنين"، بما يعني أنهم كانوا الفرقة الذهبية حسب الاصطلاحي المعاصر، ولكن لم تجدِ وصية الامام الحسن، ولا ثقته العالية، ولا حتى اعتماده على رجل موتور من معاوية القاتل اثنين من ولده، بل وحتى القرابة اللصيقة، إنما الفيصل كان في رقم المليون درهم منّاه بها معاوية ليتخلّى عن جيش الامام الحسن، وقد فعل ذلك.
إن الفساد الذي نتحدث عنه هذه الايام، ويتحدث به الناس على مر الزمن، قبل أن يصل الى المال والعقارات والامتيازات، ينطلق من أرضية الفساد في الفكر والسلوك والنفس ايضاً، ونسترشد هنا بالآية الكريمة حيث يبشرنا الله –تعالى- بحقيقة خالدة وهو يخاطب ابليس بأن {إنّ عِبَاديَ لَيسَ لَكَ عَليهِم سُلطانٌ إلّا مَن اتّبَعكَ مِنَ الغَاوين}، فكلمة "عبادي" تؤشر الى مستوى عالٍ من الحصانة أمام أي فساد مالي او إداري عندما يكون الشعور العميق بالعبودية لله –تعالى- وليس لأي شيء آخر في الحياة، وهذا تحديداً ما سقط فيه طائفة كبيرة من جيش الامام الحسن بولايتهم لقبائلهم، او لذواتهم ومصالحهم، او لاجتهاداتهم الخاصة مقابل قول الامام الموصى به من قبل رسول الله، صلى الله عليه وآله، فهو، عليه السلام، خاطبهم بعد وصول نبأ خيانة عبيد الله بن العباس، وبث الإشاعة باتفاقه مع معاوية، بأن "ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خيرٌ لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظرٌ لكم خيراً من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا عليّ رأيي"، ففهم الناس من هذا الكلام أنه، عليه السلام، يريد الهدنة مع معاوية بسبب الخلط بين الجماعة في صفوف جبهة الحق كما هو قصد الإمام الحسن، وبين الجماعة التي استوعبتها عقولهم القاصرة بأنها تشمل جيش معاوية ايضاً! "فقالوا: كفر الرجل"! وحصل ما حصل بعدها من شغب وفوضى أصيب خلالها الامام في فخذه بطعنة من أحد فلول الخوارج، وتم التطاول عليه في الحادثة المعروفة.
هذه هي مشكلة الامة مع قيادتها الرسالية منذ البداية وحتى اليوم، وربما حتى ظهور الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، وسبب الاستمرارية في استمرار تفضيل المادة على القيم والمبادئ، وتغليب رغبات النفس المتقلبة دوماً على معيار الحق والفضيلة الثابت على مر الزمن، ومن هذه الثغرة تحديداً ينفذ فايروس العنف في جسد الامة، فيرى الحاكم نفسه منتصراً ومهيمناً على طول الخط لأنه ممسك بالجانب الأضعف في شخصية الانسان وهي نفسه الميالة الى المال والشهوات والرغبات، فيستسلم أمام أي ضغط يواجهه، والعكس بالعكس تماماً كما يخلد التاريخ شخصيات وجماعات وقفت بكل حزم وثبات أمام أعتى الديكتاتوريات التي تستقوي دائماً على ضعف الآخرين.



اضف تعليق