ولغرض تدارك الأمر وغلق بعض من منافذ الفساد، لا بد من إعادة تفعيل الكوادر الحكومية عبر برامج تدريب وتأهيل، وإسناد المهام مباشرة إلى الدوائر المختصة، وإصلاح نظام العقود بوضع ضوابط صارمة لتقدير الكلفة، وإلزام الجهات الحكومية بالمقارنة بين التنفيذ الداخلي والتعاقد الخارجي، ومنها أن تتولى الجهات الرسمية التعاقد المباشر...
رإن اعتماد الوزارات والدوائر الخدمية في العراق على إحالة خدماتها إلى مقاولين من القطاع الخاص، رغم امتلاكها كوادر بشرية ضخمة ومؤهلة في مختلف المجالات، يمثل أحد أبرز منافذ الفساد المالي والإداري. فبدلًا من الاستفادة من عمال النظافة والجباة والفنيين والمهندسين والمختصين في التجارة والطرق والخدمات الإلكترونية، الذين ترصد لرواتبهم المبالغ الضخمة في الموازنات، يتم تهميش هذه الطاقات وتحويل المهام إلى شركات خاصة بعقود تتسم بالمبالغة في الكلفة، الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف الموازنات العامة وتحويلها إلى أرباح خاصة.
هذا المنهج لا يقتصر على إهدار المال العام، بل يثقل كاهل المواطن أيضًا، إذ تُستوفى منه مبالغ كبيرة مقابل هذه الخدمات، سواء عبر الرسوم أو الضرائب أو أسعار الخدمات، مما يزيد من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية ويعمّق الفجوة بين المواطن والدولة. فضلًا عن ذلك، فإن المقاولين يسعون عادة إلى تقليل النفقات لتعظيم الربح، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة الخدمات المقدمة، ويؤدي إلى تراجع الثقة بمؤسسات الدولة.
ومن الناحية القانونية، فإن هذا الأسلوب يخالف نصوصًا أساسية في التشريعات العراقية، منها المادة (27) من الدستور التي تنص على أن للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن، إذ إن المبالغة في العقود وإهدار الطاقات الحكومية يُعد هدرًا للمال العام، كما يتعارض مع المادة (16) التي تؤكد تكافؤ الفرص لجميع العراقيين، حيث إن تهميش الكوادر الحكومية المؤهلة لصالح شركات خاصة يخل بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، وهو ما لا يتحقق في ظل العقود المبالغ فيها. إضافة إلى أن تعليمات العقود الحكومية تفرض الالتزام بمبدأ المنافسة والشفافية، بينما الواقع يكشف عن تكرار الإحالة للشركات نفسها وغياب الرقابة الفاعلة، مما يشكل مخالفة صريحة.
ويضاف إلى ذلك أن بعض الخدمات التي تقدمها الدولة في قطاعات الصحة والقضاء والتعليم يجب أن تكون مجانية بالكامل؛ لأنها وردت في الدستور ضمن باب الحقوق، حيث نصت المادة (31/أولًا) من دستور عام 2005 النافذ على أن لكل عراقي الحق في الرعاية الصحية، وأن الدولة تكفل وسائل الوقاية والعلاج، وعلى وفق النص الآتي: "لكل عراقي الحق في الرعاية الصحية، وتُعنى الدولة بالصحة العامة، وتكفل وسائل الوقاية والعلاج بإنشاء مختلف أنواع المستشفيات والمؤسسات الصحية".
كما نصت المادة (19/ثالثًا) من الدستور على أن القضاء متاح للجميع ومجاني، وعلى وفق النص الآتي: "التقاضي حق مصون ومكفول للجميع"، ومجانية التعليم على وفق أحكام المادة (34/ثانيًا) من الدستور التي جاء فيها: "التعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله".
هذه النصوص تجعل من واجب الدولة تقديم هذه الخدمات دون مقابل، وأي محاولة لتحويلها إلى عقود استثمارية أو تحميل المواطن كلفتها تُعد مخالفة دستورية صريحة وانتهاكًا لحقوقه الأساسية.
لذلك، ولغرض تدارك الأمر وغلق بعض من منافذ الفساد، لا بد من إعادة تفعيل الكوادر الحكومية عبر برامج تدريب وتأهيل، وإسناد المهام مباشرة إلى الدوائر المختصة، وإصلاح نظام العقود بوضع ضوابط صارمة لتقدير الكلفة، وإلزام الجهات الحكومية بالمقارنة بين التنفيذ الداخلي والتعاقد الخارجي، ومنها أن تتولى الجهات الرسمية التعاقد المباشر عند الاستيراد مع الشركات الأم، دون اللجوء إلى الوسطاء الذين يشكلون جسمًا طفيليًا يعتاش على الفساد.
لذلك، فإن استمرار هذا النهج في وضع وسيط بين الدولة والمواطن، ونقل عبء الكلفة عليه، وإعطاء مبالغ خيالية إلى هؤلاء الوسطاء بعناوين مستثمر أو مورد خدمات وغيرها من العناوين التي توضع للتغطية على الفساد، يكرس الفساد ويضعف مؤسسات الدولة ويثقل كاهل المواطن.
بينما الإصلاح الحقيقي يكمن في إعادة الاعتبار للكوادر الوطنية، وتفعيل النصوص الدستورية والقانونية التي تحمي المال العام وتضمن العدالة والشفافية، بما يحول الموازنات العامة من مصدر للهدر إلى أداة للتنمية الحقيقية، ويعيد للدولة دورها في حماية حقوق المواطن وتقديم الخدمات الأساسية له بالمجان في القطاعات التي نص عليها الدستور.



اضف تعليق