تكمن خطورة الاعتياد في تسلل السلوك الخاطئ بالتكرار لينتقل الشاب من الفضول والتقليد إلى الألفة، حتى يغدو الاستثناء مألوفاً والمألوف ممارسة عادية؛ لذا فإن الحماية الحقيقية لا تأتي بالخوف ولا بالتضييق، بل بإنشاء بيئة تحتضن طاقاته، وتمنحه البدائل الثقافية والاجتماعية، وتعزز تفكيره النقدي لمواجهة الفراغ والمحتوى المضلل...

قد يبدأ الأمر بطريقة لا تستحق، في نظر كثيرين، كل هذا الاهتمام؛ شاب يجرب التدخين للمرة الأولى تقليداً لأصدقائه، أو يقضي ساعات طويلة أمام محتوى لا يضيف إلى حياته شيئاً، أو يدخل في سلوك يعرف أنه غير صحيح لأنه يريد أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. تمر التجربة الأولى من دون آثار واضحة، وربما تتحول إلى مادة للضحك بين الأصدقاء، ثم تتكرر مرة ثانية وثالثة، إلى أن يأتي وقت يصبح فيه السؤال مختلفاً: هل ما زال هذا السلوك اختياراً واعياً، أم أصبح عادة تتحكم بصاحبه؟ هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن بعض السلوكيات لا تدخل حياة الإنسان بقوة، وإنما تتسلل إليها بالتكرار حتى تصبح جزءاً من يومه وشخصيته.

مرحلة الشباب من أكثر المراحل حساسية في تكوين الإنسان، ففيها تتشكل كثير من القناعات، وتتسع دائرة العلاقات، ويزداد الميل إلى التجربة واكتشاف المجهول وإثبات الذات. وهذه الطاقة يمكن أن تكون قوة هائلة في التعلم والعمل والإبداع والتغيير، وقد تتحول في ظروف أخرى إلى نقطة ضعف عندما يجد الشاب نفسه أمام سلوك جديد لا يمتلك الخبرة الكافية للحكم عليه. فالجديد يجذب الانتباه، وما يفعله الآخرون يمنح التجربة شرعية نفسية مؤقتة، والرغبة في الانتماء قد تدفع الشاب إلى تقليد جماعته حتى عندما يعرف في داخله أن ما يفعله لا يخدمه.

لهذا لا تبدأ الظاهرة السلبية دائماً من قناعة راسخة، وإنما قد تبدأ من لحظة تقليد، أو فضول، أو رغبة في إثبات الذات، أو محاولة للهروب من الملل والفراغ والضغط. ومع تكرار السلوك ينخفض الإحساس بخطورته، ثم يصبح مألوفاً، وبعد ذلك يصعب على الإنسان رؤيته من الخارج. وهنا تكمن خطورة الاعتياد؛ فالشيء الذي كان غريباً بالأمس قد يصبح عادياً اليوم، وما كان الشاب يشعر بالحرج من فعله في البداية قد يتحول بعد فترة إلى جزء طبيعي من حياته.

ولا يمكن فهم هذه المشكلة من خلال تحميل الشاب وحده مسؤولية ما يحدث. فالسلوك الفردي يتشكل داخل بيئة واسعة تشترك فيها الأسرة والمدرسة والأصدقاء والشارع والإعلام والسوق والمنصات الرقمية. عندما يعيش الشاب فراغاً طويلاً، ويجد أمامه محتوى يكرر السلوكيات الخطرة ويقدمها في صورة جذابة، أو ينتمي إلى جماعة تعتبر بعض الممارسات دليلاً على الجرأة والحرية، فإن مقاومة التأثير تصبح أصعب. وفي المقابل، كلما وجد بيئة تمنحه الحوار والثقة والفرص والأنشطة والمعنى، ازدادت قدرته على اتخاذ قرارات مستقلة.

وتتعدد السلوكيات التي يمكن أن تتحول إلى آفات عندما تفقد حدودها الطبيعية، من التدخين والكحول والمخدرات إلى العنف والسرقة والسلوكيات الجنسية غير المسؤولة، فضلاً عن البطالة والفراغ وبعض صور الاستغلال والأنشطة غير المشروعة. هذه الظواهر تبدو مختلفة في أشكالها، لكنها قد تلتقي في نتيجة واحدة: استنزاف طاقة الشاب وإبعاده تدريجياً عن إمكاناته الحقيقية. والخسارة هنا لا تصيب الفرد وحده، لأن المجتمع الذي يفقد جزءاً من شبابه في هذه المسارات يفقد في الوقت نفسه قوة كان يمكن أن تتحول إلى معرفة وإنتاج ومبادرة وإبداع.

وقد يكون من السهل تفسير انتشار بعض هذه الظواهر على أنه نتيجة تخطيط مقصود من جهات تريد إضعاف الشباب أو السيطرة عليهم. غير أن تفسيراً كهذا يحتاج إلى دليل في كل حالة، ولا يكفي وحده لفهم الظاهرة. فبعض السلوكيات تنتشر نتيجة مصالح تجارية تبحث عن الربح، وبعضها بسبب التقليد والعدوى الاجتماعية، وبعضها بسبب ضعف الرقابة، وبعضها بسبب الخلل الأسري أو الفراغ أو غياب الفرص. وقد تتداخل هذه العوامل جميعاً بحيث يصبح الشاب محاطاً بمؤثرات تدفعه في اتجاه معين من دون أن تكون هناك جهة واحدة تدير المشهد كله.

ومع ذلك، فإن وجود مصالح اقتصادية تستفيد من نقاط ضعف الإنسان أمر يستحق الانتباه. فهناك من يربح عندما يتحول التدخين إلى عادة، ومن يستفيد من الإدمان، ومن يحول ضعف بعض الشباب إلى سوق، ومن يستثمر في المحتوى الذي يجذب المشاهدات عبر الإثارة والعنف والجنس والسطحية. هنا لا يعود السؤال متعلقاً بحرية الاختيار الفردي وحدها، وإنما يصبح متعلقاً أيضاً بالبيئة التي تُصنع فيها الاختيارات، وبقدرة المجتمع على حماية أفراده من المصالح التي ترى في ضعفهم فرصة للربح.

والإعلام الجديد جعل المسألة أكثر تعقيداً؛ لأن الشاب لم يعد يستقبل السلوك من محيطه المباشر فقط، وإنما يستطيع أن يرى خلال دقائق نماذج لا حصر لها من أنماط الحياة والتصرفات. بعض هذه النماذج إيجابي وملهم، وبعضها يقدم السلوك الخطر في صورة جذابة ومثيرة، ويزيل عنه نتائجه الحقيقية. وعندما تتكرر الصورة أمام الشاب آلاف المرات، قد يحدث شيء مهم في وعيه: يتحول الاستثناء إلى مألوف، والمألوف إلى مقبول، والمقبول إلى ممارسة يمكن تجربتها.

لكن مقاومة هذه التأثيرات لا تعني بناء جدار بين الشباب والعالم، ولا تعني التعامل معهم باعتبارهم عاجزين عن الاختيار. العكس هو المطلوب؛ فالشاب يحتاج إلى أن يمتلك أدوات الاختيار، وأن يتعلم كيف يسأل عن مصدر الفكرة، ومن المستفيد منها، وما نتائجها، وهل ما يراه على الشاشة يعكس الحقيقة أم يقدم نسخة مصممة لجذب انتباهه. هذه القدرة على التفكير النقدي ربما تكون واحدة من أهم وسائل الحماية في زمن أصبحت فيه المؤثرات أسرع من قدرة الأسرة والمدرسة على متابعتها.

وتبقى الأسرة نقطة شديدة الأهمية، خصوصاً في السنوات التي يبدأ فيها الشاب بتوسيع عالمه خارج البيت. فالرقابة وحدها لا تكفي، والمنع المستمر قد يدفع بعض الشباب إلى إخفاء ما يفعلونه بدلاً من التراجع عنه. الأهم هو وجود علاقة تسمح له بالحديث عن مشكلاته وأصدقائه وتجربته وأخطائه من دون أن يشعر منذ البداية بأنه أمام محكمة. فالشاب الذي يجد من يسمعه في البيت قد يكون أكثر قدرة على التراجع عن سلوك خاطئ قبل أن يتحول إلى عادة، بينما الذي يخشى الحديث قد يترك مشكلته تنمو بعيداً عن أعين الجميع.

كما أن المجتمع يحتاج إلى تغيير نظرته إلى الشباب من كونهم شريحة ينبغي مراقبتها دائماً إلى كونهم طاقة تحتاج إلى الاستثمار. فالشاب الذي لا يجد فرصة للعمل أو التدريب أو الرياضة أو الثقافة أو المشاركة الاجتماعية سيبحث عن مساحة أخرى لإثبات وجوده. وقد تكون هذه المساحة نافعة، وقد تكون مدمرة. لذلك فإن مكافحة السلوكيات السلبية لا تتم فقط عبر التحذير منها، وإنما عبر توفير بدائل حقيقية تمنح الشباب شعوراً بالقيمة والانتماء والإنجاز.

ومن هنا يصبح التصدي للظواهر السلبية مشروعاً اجتماعياً متكاملاً تشترك فيه الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والثقافية والرياضية والإعلامية والجهات الحكومية. المطلوب ليس حملة مؤقتة تظهر بعد وقوع حادثة ثم تختفي، وإنما عمل مستمر يرصد التحولات في سلوك الشباب، ويدرس أسبابها، ويتعامل معها قبل أن تتحول إلى ظواهر واسعة. كما أن التاجر والإعلان والمنصة الرقمية جزء من هذه المسؤولية، لأن النشاط الاقتصادي والإعلامي لا يعيش خارج المجتمع ولا يمكن فصل الربح عن آثاره الإنسانية عندما يتعلق الأمر بفئة عمرية حساسة.

والأهم من ذلك كله أن ننظر إلى السلوك الخاطئ في بدايته، لا بعد أن يصبح أزمة. فالتدخين الأول، والعنف الأول، والتجربة الأولى للمخدر، والسرقة الأولى، والسلوك غير المسؤول، ليست مجرد تفاصيل صغيرة إذا كانت مقدمة لمسار متكرر. وفي الوقت نفسه لا ينبغي التعامل مع الشاب الذي أخطأ وكأنه فقد فرصته في الإصلاح. الإنسان قادر على التغيير، وكلما اكتُشفت المشكلة مبكراً كانت فرصة تجاوزها أكبر، وكلما تحول الخطأ إلى هوية اجتماعية أصبح العلاج أكثر صعوبة.

إن حماية الشباب لا تعني عزلهم عن الحياة، وإنما مساعدتهم على الدخول إليها بوعي أقوى. هم بحاجة إلى أن يجربوا ويتعلموا ويخطئوا ويصححوا، لكنهم بحاجة أيضاً إلى بيئة لا تجعل الخطأ طريقاً سهلاً إلى الاعتياد. فالمجتمع الذي يترك شبابه أمام الفراغ والمحتوى المضلل والرفقة السيئة والفرص المحدودة ثم يلومهم وحدهم على النتائج، يتعامل مع المشكلة في نهايتها ويترك أسبابها تعمل في بدايتها.

وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة الأخطر في وجود السلوك الخاطئ نفسه، وإنما في اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن رؤيته باعتباره خاطئاً. عندما يصبح التدخين عادياً، والعنف طريقة للتعبير، والإدمان وسيلة للهروب، والسرقة طريقاً للمكسب، والاستهلاك المفرط بديلاً عن الطموح، فإن المجتمع يكون أمام تغير أعمق من مجرد مجموعة تصرفات فردية؛ إنه أمام إعادة تشكيل للمعايير التي تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل معالجة ليس: كيف نعاقب الشاب بعد أن يخطئ؟ وإنما: كيف نصنع بيئة تساعده على اكتشاف قيمته وقدراته قبل أن يبحث عنها في سلوك يستهلكه؟ فالشباب لا يحتاجون إلى من يخيفهم من المستقبل، وإنما إلى مجتمع يمنحهم سبباً حقيقياً لبنائه.

اضف تعليق