هناك سهماً منطلقاً إلى جهة ما، رأسه الصراع الأميركي الإيراني وعمقه صراعات جانبية كثيرة، ما يعني أن هناك إشكالية في المنطقة، وأن الإشكالية هي مجموعة من المشاكل المترابطة التي يستحيل حل واحدة منها من دون حل الإشكالية كلها. ويبدو أن أمور المنطقة بعد المفاوضات الأميركية الإيرانية ذاهبة إلى حيث وجهة السهم...
يتساءل كثيرون عن صورة المنطقة النهائية بعد الحرب الأميركية الإيرانية الأخيرة، لأن مخرجات هذه الحرب ليست مباشرة وحادّة كما كان الأمر عليه في حرب الخليج الثانية عام 1991، إذ لم تقدم أميركا على تدمير البنية التحتية الإيرانية، كما فعلت مع العراق ودفعته للموافقة على الشروط الأميركية، وإنما قوّضت قدرات إيران العسكرية إلى حد كبير، وإن لم تنهها، وضغطت بشدة على اقتصاد إيران المنهك أصلاً، وحاصرتها في الأشهر الأخيرة على الطريقة العراقية بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز، وبذلك وجد الطرفان نفسيهما أمام استحقاقات باهظة الكلفة.
وللخروج من هذا المأزق لا بد من التفاوض، وهو ما حصل أخيراً. لكن بعيداً عن نتائج المفاوضات التي ستستمر لستين يوماً، كما هو مقرر، بعد توقيع مذكرة تفاهم، يجب أن نعرف أن هناك ملفات أخرى في المنطقة بدأت ملامح حسمها تتضح تدريجياً، فهي معطى، وإن عرضياً، لهذه الحرب وإحدى مخرجاتها، من بينها الملف اللبناني، حيث يجري التفاوض الآن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، وإنه في حال تم توقيع معاهدة سلام بين الطرفين، فإن المعاهدة ستكون ملزمة لجميع الفرقاء في لبنان، سواء وافقوا مبدئياً على ذلك أم لم يوافقوا، فلبنان الدولة سيكون ملزماً أمام العالم ببنودها، وهذا هو ما تريده أميركا في هذا الملف.
أما الملف الفلسطيني، فإنه وإن بدا عالقاً عند رغبة حماس في أن يتم الانسحاب الإسرائيلي من غزة مقابل تسليم السلاح لجهة فلسطينية، وهذا هو آخر موقف لحماس في مؤتمر الفصائل الفلسطينية، الذي عُقد في القاهرة مؤخراً، لكن (لجنة السلام) التي شكّلها ترامب لحسم ملف غزة أخذت طابعاً دولياً، وسيكون موقف حماس بالنتيجة منسجماً بالضرورة مع أهداف هذه اللجنة التي تعمل على ترتيب الأوضاع هناك. وهذا الملف هو الأصعب بين الملفات التي تجاورت مع حرب غزة وتم التعامل معها منفصلة عن بعضها البعض طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، إذ ترى الأمم المتحدة ضرورة فرض حل الدولتين، بينما ترفض حكومة اليمين المتطرف ذلك. ووسط واقع عسكري ومواجهة كبيرة مع إيران، بات من الصعب فتح هذا الملف بشكل كامل إلا بعد الانتهاء تماماً من الحرب ومعرفة المواقف النهائية للأطراف المشاركة فيها، وهو ملف له جنبة دولية وليس ثنائياً كملف لبنان، لذا فموضوع غزة يجري العمل عليه في الكواليس، وستلقي نتائج المفاوضات الأميركية اللبنانية والمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بظلالها عليه بشكل كبير ومباشر.
بقي الملف اليمني الذي يبدو أن هناك تفاهمات بشأنه بين أميركا من جهة والسعودية من جهة أخرى، إذ تجد الأطراف المعنية ضرورة تحييد الحوثيين في هذه المرحلة، ومن ثم يجري التعامل معهم بما يضمن إنهاء هذا الملف بعيداً عما تسميه إيران بـ(وحدة الساحات)، وإن حسمه أيضاً سيكون بعد إنهاء الصراع مع إيران وتوقيع معاهدة سلام دائم، حيث تنتفي ضرورة وجود (محور المقاومة)، وسيجد الجميع أنفسهم أمام واقع سياسي وأمني سيفرض معادلة سياسية جديدة على جميع دول المنطقة.
وهذا ما تعرفه دول الخليج أيضاً، والتي وجدت نفسها في مواجهة مع إيران طيلة الحرب الأخيرة. ونعتقد أن أمن هذه الدول سيكون من ضمن ملف المفاوضات الأميركية الإيرانية، بوصفها جزءاً من المجال الحيوي الأميركي وأمنها القومي الذي ترى أميركا أن إيران نافستها على نفوذها فيه.
أما سوريا، التي كانت عقدة استراتيجية لإيران تربطها بلبنان عبر العراق، فقد خرجت من هذه المعادلة. ولعل وجود التحدي الذي يمثله مشروع بعض الدروز والتلويح بالانفصال عن سوريا والانضمام إلى إسرائيل، يُقرأ على أنه للضغط على حكومة الشرع في مفاوضات السلام القادمة، لكي تكون داعمة أكثر للمشروع الأميركي في المنطقة، وإلا واجهت عواقب وخيمة، أكثر مما هو مشروع واقعي، لأن حكاية (وحدة دروز السويداء بدروز الجولان) التي أغوت حكمت الهجري ودفعته لاتخاذ موقفه المتشدد هذا، غير عملية، كون الولاية الروحية للهجري قد تتحقق بعد توقيع سوريا اتفاق سلام دائم مع إسرائيل، وحينها ستكون القطيعة التي استمرت لستة عقود قد انتهت، وإن هذا الملف هو الآخر يجري العمل عليه بصمت.
بقي العراق، الذي لن يكون الأمر فيه معقداً جداً إذا ما نجحت الحكومة العراقية في حصر السلاح، لأن العراق مرتبط أصلاً باتفاقية الإطار الاستراتيجي مع أميركا، وإذا ما تم الاتفاق بين أميركا وإيران بعد هذه المفاوضات، سينتهي ملف السلاح خارج إطار الدولة، لانتفاء أسباب وجوده، وهو ما يجري العمل عليه الآن.
الخلاصة هي أن هناك سهماً منطلقاً إلى جهة ما، رأسه الصراع الأميركي الإيراني وعمقه صراعات جانبية كثيرة، ما يعني أن هناك إشكالية في المنطقة، وأن الإشكالية هي مجموعة من المشاكل المترابطة التي يستحيل حل واحدة منها من دون حل الإشكالية كلها. ويبدو أن أمور المنطقة بعد المفاوضات الأميركية الإيرانية ذاهبة إلى حيث وجهة السهم، أو لما ترغب فيه القوة التي تدفعه.



اضف تعليق