القوة لم تعد بكثرة السلاح وعديد الجيوش، بل بقوة العلم الذي يصنع الدول الحديثة ويحصنها؛ فالإمبراطوريات اليوم لم تعد بحاجة إلى قارات من المساحات ولا كتل بشرية، بل تحتاج فقط إلى عقول تعرف كيف تدير ثروتها البشرية لتصنع حضورها من دون فتوحات...
في أثناء جولة لي وصديقي في شارع المتنبي، أعجبنا ترميم الأبنية واللمسات الحديثة عليها. وبعد أن جلسنا في المقهى، دار بيننا حديث عن الإمبراطوريات الكبيرة وسبب انهيارها؛ إذ كان لمنظر القشلة واللمسات العثمانية التي تمشينا قربها دور في إثارة هذا الحديث الذي تشعب وأخذنا إلى التاريخ وعاد بنا إلى الحاضر، لتتوقف عند ما سميناه “الإمبراطوريات الحديثة”، ونقصد بها الدول التي تقدمت علميًا وصارت تغزو العالم بعلومها وبمنتجاتها التي أغنت الحياة وأثرتها في كل الأرض، وصنعت لها هالة وهيبة ربما أكبر وأهم مما كانت عليه الإمبراطوريات القديمة التي اتسعت بالفتوحات ثم انهارت بفتوحات معاكسة!
لم تعد الدول كبيرة بمساحتها وعدد نفوسها؛ فمعايير اليوم تقوم على مبدأ العطاء وكم أضفت بما يخدم البشرية وكيف قدمت نفسك لها. وأصبح العطاء في العلوم، وما تضيفه الدول والشعوب التي تسكنها لنفسها ولغيرها من منتجات صناعية وإنجازات تخدم شعبها والعالم، هو المعيار.
في بطولة كأس العالم التي اختتمت قبل أيام، مثلاً، لم تعرض الشاشات سوى أعلام الدول المشاركة، ولم يعرف أغلب المشاهدين مساحة أراضيها وعدد نفوسها؛ لأنهم غير معنيين كثيرًا بذلك. فالناس تريد أن ترى ماذا سيقدم الفريق المنتخب الذي يمثل هذه الدولة أو تلك في هذه البطولة، وماذا أضاف لها، سواء ربح المباريات أو خسرها؛ فمعيار الجودة لا يتوقف فقط عند النتائج المباشرة للمباريات، بل في العطاء الجمالي للفرق الذي يعكس جهد الدول في بناء هذا المفصل الحيوي من مؤسساتها التي تتعامل من خلالها مع العالم.
لا أحد يصغي اليوم لتفاخرك أمامه بتاريخ وحضارة بلدك، إن كان عاجزًا عن أن يكون جزءًا من صناعة حاضر البشرية؛ فالتفاخر بالماضي والعيش عليه بات يُنظر إليه على أنه ثقافة عشائرية بالية، مع أن العالم كله يعتز بجميع شواهد الحضارات على الأرض كونها تمثل ذاكرة البشرية ونافذتها على تاريخها القديم الذي صنعته أقوام لم تعد موجودة.
لقد انهارت الإمبراطوريات الكبيرة، لا سيما في التاريخ الحديث، لأنها باتت عاجزة عن مواكبة التقدم العلمي الذي حصل في دول أخرى قد لا تكون معروفة بقوتها من قبل، لكنها أصبحت قوية بصناعتها أسباب القوة الحضارية التي تجاوزت القوة الغاشمة وأخرجتها من الساحة.
وهكذا، فالقوة لم تعد بكثرة السلاح وعديد الجيوش، بل بقوة العلم الذي يصنع الدول الحديثة ويحصنها أيضًا؛ وهذا ما لا يريد معرفته البعض إلى اليوم، وما زال يعتقد أنه قادر على إقامة إمبراطورية كبيرة لأنه يريد ذلك أو اعتقد أنه يستطيع أن يدحر من حوله ويتوسع على حسابهم، فيفقد حاضره لأنه لم يتحسب لمستقبله ويجد نفسه بعد حين خارج دائرة المنافسة الحقيقية وخارج التاريخ أيضًا.
لقد بات “الترليونير” الأميركي إيلون ماسك يقف على رأس “إمبراطورية كبيرة” وهو فرد في دولة، ليس فقط لأنه امتلك المال، بل لأنه عرف كيف يسخره في مجالات المعرفة المختلفة، فبات منافسًا للدول المتقدمة في عطائه وتأثيره. وكذلك هناك دول صغيرة باتت مؤثرة في العالم كله، بينما هناك دول كبيرة لم يسع القائمون عليها إلى تطوير قدرات شعوبها وتوظيفها لصالحها.
الإمبراطوريات اليوم لم تعد بحاجة إلى قارات من المساحات، ولم تعد بها حاجة إلى كتل بشرية كبيرة، بل تحتاج فقط إلى عقول تعرف كيف تدير ثروتها البشرية وتجعلها قادرة على أن تكون إمبراطورية كبرى من دون الحاجة إلى اعتداءات أو فتوحات على طريقة أجدادنا.. من كل البشر بالتأكيد.



اضف تعليق